Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كشف هيئة" للأطفال في مدارس مصرية يضعها بدائرة التمييز

تحركات برلمانية لتجريم المقابلات الشخصية ومتخصصون يحذرون من آثار الرفض على شخصية الناشئة

مدارس خاصة في مصر تشترط اجتياز مقابلة شخصية للطفل ولوالديه قبل التحاقه بالدراسة (أ ف ب)

في الماضي كانت الأسر المصرية تفكر في مستقبل أطفالها التعليمي عند بلوغ شهادة الثانوية العامة، لكن في السنوات الأخيرة أصبح القلق يبدأ حتى قبل التحاق الأطفال بأول أعوامهم في المدرسة، حيث أصبح من الشائع في معظم المدارس الخاصة إجراء مقابلة شخصية للطفل وأحياناً لأبويه قبل اتخاذ قرار بقبوله من عدمه. واللافت أن تلك المقابلات تشمل اختبار مهارات معرفية وسلوكية ولغوية لطفل لا يتخطى الرابعة من العمر، بينما من المفترض أنه يريد الالتحاق بالمدرسة من أجل اكتسابها، في حين تهدف المقابلة الشخصية للوالدين إلى تأكد مسؤولي المدرسة من امتلاكهما مستوى اجتماعياً ومادياً، وأحياناً تعليمياً وثقافياً يتوافق مع ما تراه المدرسة.

"صبري" (37 سنة)، موظف بأحد البنوك، ذهب مع نجله "أدهم" إلى إحدى المدارس الخاصة لإجراء "الإنترفيو" المطلوب. كانت المقابلة للطفل منفصلة عن مقابلة الوالدين، وهي التجربة التي يصفها بالأسوأ في حياته، إذ وجد معظم الأسئلة حول راتبه ومستوى اللغة الإنجليزية لدى الوالدين، واسم النادي الذي يشتركان فيه. ويقول إنها كانت أشبه بـ"كشف الهيئة" للأسرة، وفي النهاية تم إبلاغهما برفض ضم الطفل إلى المدرسة، وحين سأل صبري عن السبب رفضت الإدارة الإجابة، وكذلك رفضت رد 1000 جنيه (52.2 دولار أميركي) دفعهم نظير الاستمارة التي تملأ قبل المقابلة، وتحتوي على بعض البيانات عن الطفل والأسرة.

ضغط نفسي

وعادةً ما تتضمن الاستمارة شروطاً من بينها أحقية المدرسة في رفض الطالب من دون إبداء أسباب، وعدم أحقية ولي الأمر في استرداد قيمتها. وتضطر الأسر للقبول بتلك الشروط لأنه الطريق الوحيد لإلحاق أبنائهم بالمدرسة التي يرغبون بها.

وتتركز الأسئلة الموجهة للأطفال على أسماء الحيوانات والأشكال والألوان باللغات العربية والإنجليزية، وأحياناً الفرنسية، وكيفية كتابة بضع كلمات، على الرغم من أن الطفل في سن الالتحاق بالمدرسة ويكون بين أربع وخمس سنين، غالباً لا يستطيع الإمساك بالقلم، وهو ما يضع الطفل تحت ضغط نفسي كبير، وفق دعاء مصطفى والدة الطفل يوسف، الذي شعر بالصدمة من فصله عن أمه خلال المقابلة، والأسئلة الكثيرة التي لاحقته وبعضها لا علاقة له بالقدرات المعرفية، مثل نوع سيارة الأسرة والمكان الذي يقضي فيه المصيف، ما جعله يرتبك ولا يجتاز "الإنترفيو".

نجلاء سليم مرت على 7 مدارس لقبول ابنتها "سلمى"، وفي كل مرة كان الرفض هو قرار المدرسة لأسباب مختلفة، إلى أن صارحتها مسؤولة بإحدى المدارس بأن السبب الحقيقي للرفض هو أن الأم مطلقة، وإدارة المدرسة تخشى أن يؤثر ذلك على الحالة النفسية للطالبة وألا تكون مثل أقرانها. وتقول نجلاء إن ذلك التعسف غريب وغير قانوني خاصة في مجتمع تنتشر فيه حالات الطلاق، ووفقاً لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت حالات الطلاق أكثر من 254 ألف حالة طلاق خلال عام 2021.

فقدان الثقة

وتشير الأخصائية النفسية للأطفال سهام حسن، إلى التأثير السيء على الحالة النفسية للطفل جراء تلك المقابلات. وقالت لـ"اندبندنت عربية" إن المرحلة العمرية المبكرة لا تسمح للطفل باستيعاب فكرة الرفض، لكنه يشعر بعدم القبول له، بخاصة حين تضغط الأسرة عليه للاستعداد لـ"الإنترفيو" وإشعاره بأنه شيء مصيري يحتاج إلى مجهود من جانبه، ثم يأتي الرفض من جانب المدرسة لأي سبب، موضحة أن الضغط النفسي على الطفل يفقده لاحقاً الثقة في نفسه وقد يلجأ للانسحاب من أي موقف فيه مواجهة أو اختبار لأنه يخاف من فكرة التقييم لمهاراته أو قدراته سواء المعرفية أو الرياضية وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضحت الخبيرة في تعديل سلوك الأطفال أنها صادفت من خلال عملها حالات كثيرة لأطفال تأثروا نفسياً جراء الرفض، الذي جاء بسبب أسئلة مثل "ما النادي الذي تتدرب فيه؟"، وحين أجاب أحد الأطفال بأنه يلعب في المنزل رفضته المدرسة، وكذلك السؤال عن أماكن يذهب إليها القطار، ولأن الطفل لا يعرف مناطق خارج محيطه لم يستطع الإجابة فتعرض للرفض. كذلك تشير إلى أن الطفل الخجول لا ينطلق في الحديث ما يجعل المدرسين يتسرعون في الحكم عليه بأنه غير مؤهل لدخول المدرسة، مؤكدة أن معظم هؤلاء المدرسين الذين يجرون المقابلات يكونون غير مؤهلين للحكم على قدرات الطفل.

وأكدت أن بعض المدارس تمارس التعسف تجاه الطفل وأسرته من خلال مطالبته بالكتابة، وهو لم يتم الثالثة من العمر، إضافة لمطالبة الطفل بالاسترسال في الحديث بينما من الطبيعي أن يعرف تشكيل جملة من ثلاث كلمات ومن غير المعتاد أن يكون لديه ذكاء لغوي مرتفع.

مشروع قانون

شكاوى الأسر المتكررة من الاستغلال المادي والتأثير المعنوي لمقابلات المدارس الخاصة، دفعت عضوة مجلس النواب فاطمة سليم لإعداد مشروع قانون جديد لتقديمه إلى رئيس المجلس في شأن تجريم "إنترفيو" المدارس الخاصة والدولية، مؤكدة أنها تعد جريمة تمييز، تتعارض مع نصوص الدستور والاتفاقيات الدولية.

مشروع القانون الجديد، يتضمن حظر إقامة المدارس الخاصة والدولية أي فاعليات أو إجراءات من شأنها التمييز في المعاملة مع روادها بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو المستوى الاجتماعي للأسرة أو السن أو أي سبب آخر، وحددت عقوبات على المخالفين بحبس المسؤول عن المدرسة لمدة تصل إلى خمس سنوات والغرامة التي تصل إلى  مليوني جنيه (104 آلاف دولار).

تضمنت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون التأكيد أن الاشتراطات التي تعلنها المدارس الخاصة والدولية، المطلوب توافرها لدى أولياء الأمور لقبول أبنائهم، تعد ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد المساواة داخل المجتمع، واعتبرتها جريمة تمييز تتعارض مع نصوص الدستور والاتفاقيات الدولية. وأوضحت عضوة مجلس النواب أن من بين تلك الشروط حصول والدي الطالب على مؤهل عال، وكذلك القدرة على التحدث باللغات الأجنبية بكفاءة، وهو ما يتم التأكد منه عبر لقاء مع لجنة من إدارة المدرسة يسمى "إنترفيو لأولياء الأمور"، وهو أشبه بـ"كشف هيئة"، وفق المذكرة التي نشرتها تقارير إعلامية مصرية.

مخالفة دستورية

وذكرت عضوة مجلس النواب أن تلك الاشتراطات تتعارض مع طبيعة المجتمع المصري، الذي تعد النسبة الأكبر فيه من غير الحاصلين على مؤهل عال، حيث يضم نسبة كبيرة من العمال والفلاحين. وأضافت أن بعض المدارس تستغل تلك الاشتراطات في تحصيل مبالغ كبيرة من أولياء الأمور الراغبين في إلحاق أبنائهم.

ولا يتضمن قانون التعليم المصري أية نصوص تتعلق بـ"إنترفيو المدارس"، كما أن جميع المواثيق الدولية تتعارض مع تلك الاشتراطات، وبخاصة الاتفاقات الخاصة بحقوق الإنسان في التعليم، ومنها الاتفاق الخاص بمكافحة التمييز في مجال التعليم، وفق مشروع القانون.

وينص الدستور المصري في مادته 53 على أن "المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض".

لا تمييز

لكن رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة بدوي علام لا يرى في المقابلات الشخصية تمييزاً بين أولياء الأمور، إذ أكد لـ"اندبندنت عربية" أن تلك المقابلات هدفها معرفة ما إذا كان الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة ويحتاج إلى إلحاقه بمدرسة ذات طابع خاص أو تقديم معاملة خاصة داخل المدرسة.

ونفى علام أن يكون "الإنترفيو" لتمييز مستوى اجتماعي أو لغوي معين لدى أولياء الأمور. وأشار إلى أن مدارس اللغات التابعة لوزارة التربية والتعليم حالياً تشترط أن يكون الأب والأم متعلمين. وبشأن كلفة المقابلات، قال إنها يجب أن تخصم من إجمالي مصروفات المدرسة في حال قبول الطالب، بحيث لا تصبح عبئاً إضافياً.

التحرك التشريعي في مجلس النواب يعد الأول من نوعه في ذلك الملف، لكنه قد لا يكون طريقه سهلاً للإقرار من جانب أغلبية أعضاء المجلس، حيث انتقده عدد من الأعضاء في تصريحات صحافية، حتى قبل تقديمه رسمياً إلى البرلمان، ومنهم عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب حسام المندوه الحسيني الذي يمتلك سلسلة مدارس خاصة. ووصف الحسيني المقابلات الشخصية بالإجراء المهم جداً بهدف تحديد قدرات الطالب و"البيئة القادم منها وطريقة التعامل معه"، مشيراً إلى أن مقابلة الطفل وولي أمره لا يهدف إلى رفض أو قبول الطالب، وإنما يساعد المدرسة على وضع الخطة المناسبة للتعامل مع الطالب. وأضاف البرلماني المصري أنه يحق لأي شخص عند رفض ابنه من جانب أحد المدارس أن يتقدم بشكوى لدى وزارة التعليم.

كذلك اعترضت عضو لجنة التعليم بمجلس النواب جيهان البيومي على مشروع القانون، مؤكدة في تصريحات تلفزيونية أن الأهالي لهم دور كبير داخل المدارس في دعم أبنائهم، وأن إلمام الأسرة باللغات يمكنهم من مساعدة الطفل على أداء الأنشطة والواجبات المطلوبة.

وفي المقابل، أعربت عضو مجلس النواب ضحى عاصي عن تأييدها لمشروع القانون، قائلة في تصريحات تلفزيونية أن فكرة المقابلات الشخصية في المدارس الخاصة والدولية تسهم في ترسيخ الطبقية داخل المجتمع، وتعد جريمة تمييز تتعارض مع نصوص الدستور.

كثافة الفصول

ويلجأ كثير من الأسر لإلحاق أبنائها بالمدارس الخاصة لأسباب عدة، أبرزها الرغبة في الحصول على مستوى تعليمي أفضل، بخاصة في مدارس اللغات، وكذلك لتجنب الكثافات العالية في الفصول، حيث أشار تقرير صادر عن وزارة التربية والتعليم مطلع العام الحالي إلى أن الكثافة في مرحلة رياض الأطفال بالمدارس الحكومية تصل إلى متوسط 31.19 طالب، بينما تبلغ 26.3 طالب بالمدارس الخاصة، وتتسع الفجوة في المراحل التالية لتصل إلى متوسط 54.98 طالب في المدارس الابتدائية الحكومية، في مقابل 28.87 طالب بالمدارس الخاصة الابتدائية.

وخلال العام الدراسي الماضي 2021/2022، بلغ إجمالي عدد الطلاب أكثر من 25 مليون طالب، نحو 10 في المئة منهم فقط بالمدارس الخاصة، وهم 2.5 مليون طالب، بينما الباقون في مدارس حكومية، وذلك بحسب إحصاءات رسمية لوزارة التعليم نقلتها صحف محلية مصرية. ويخطى عدد المدارس الحكومية 49 ألف مدرسة، إضافة إلى 9740 مدرسة خاصة، بإجمالي 58 ألفاً و807 مدارس، تضم 539 ألفاً و980 فصلاً.