حكايات صحراء جبال طويق... الوقوف أمام بوابة الكون

التشكيلي السعودي عبد الله العثمان يوثق ذاكرة المكان عبر مشروع صوتي

التشكيلي السعودي عبد الله العثمان يشيد وحدات صوتية في جبال طويق لتوثيق صوت الصحراء (إندبندنت عربية)

الصحراء أروع ما فتن قلب الإنسان، ذلك الجمال الآخاذ في الطبيعة الصحراوية التي تعرض محاسنها بسخاء، فلا يملك المتأمل فيها سوى الوقوف منبهرا وهي تخترق بروعة مناظرها روح المتأمل فيها، وتنشر بين جنباتها بهجة وسرورا وراحة وسكينة، ألهمت بجمالها الفنانين والشعراء على مدى العصور والأزمنة، فرسموا أروع اللوحات، ونظموا أعذب الأشعار، وكتبوا أجمل النصوص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التشكيلي السعودي عبد الله العثمان، اختار أن يعيش الفن في الفضاءات الواسعة، وفي مناخ صحراوي قاسٍ وثّق صوت الصحراء بوجودها الأبدي عبر تشييده وحدات تسجيل صوتية في الخلاء إيذانا بميلاد نمط فني جديد بصوت الطبيعة الأم، ليتماهى ويتناغم مع أبدية الصحراء، التي يتشبث بها عاشقوها ليروي حكايات صوت الصحراء في متحف إثراء، ثم ينقلها لمعرض آرت أبو ظبي.

 

 

وقال العثمان لـ"إندبندنت عربية"، "عبر كل السنين التي مرت بنا في هذا الكون، وتحديدا في الصحراء، ظل الصوت هو العامل الرئيسي في تشكيل الطبيعة، ولو نظرنا إلى الصحراء وتأملنا الشكل لوجدنا صحراء فذة تشكلت من خلال الصوت"، ويستطرد "نحن امتداد هذا الصوت وهذه الصحراء، ولكن لأنها الطبيعة المتسامحة والمنسية في نفس الوقت، الطبيعة الجغرافية والطبيعة الروحية التي تعاني منذ الأزل من الاستبعاد على الرغم من أن عالم اليوم كله يُستمد من الطاقة القادمة من الصحراء".

وذهب التشكيلي عبد الله العثمان إلى تجسيد علاقته مع الطبيعة في الصحراء من خلال عمله الذي يتكوّن من أجهزة الصوت ودائرة الزمن في الصحراء، محاولًا دمج التكنولوجيا بالطبيعة في محاولة لتجاوز المألوف وكسر حواجز الفن المعهودة، ضمن عمل قائم على الإحداثيات الجغرافية وسط الصحراء وبالاستناد إلى وسائل تكنولوجية متطورة".

وعن سبب اختياره فضاء الصحراء ليكون وجها من وجوه اختلاط الثقافتين الصحراوية والفنية وحضور هذه الازدواجية الثقافية بقوة في عمله الفني قال: "إنه استحضر مقولة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التي جاء فيها (الشعب السعودي الذي يعيش في هذه الصحراء لديه كثير من القيم والمبادئ والركائز، أولاً الدهاء، وهذا ما جعله يعيش في صحراء صعبة، وثانيا: تمتعه بعزيمة جبارة جعلته يقاوم أي شيء)".

صمود الرمال في الصحراء يحاكي صمود التراث الإنساني بها، والتفاصيل فيها تؤرخ كل خطوة خطاها الإنسان على أرضها الشاسعة، لتبقى خطواته نابضة على الدوام بأحد أهم الكنوز المعمارية والإنسانية في العالم.

 

 

الفنان التشكيلي عبد الله العثمان شيد خمسة أجهزة لتسجيل الصوت ودائرة ترمز للزمن في جبال طويق، ويستعرض العثمان تفاصيل عمله، "قمت بعمل أدائي بالتسجيل والاستماع في آن واحد لصوت الصحراء في أوقات مختلفة ومستمرة من النهار إلى غروب الشمس، وكان الصوت يختلف ويتغير مع تغير الزمن في الصحراء، وقفت مع أبعاد الصوت ومراحله، وكأنني أقف على بوابة الكون، إنه الصوت دليل الإنسان الأسطوري لمخاطبة الزمن، حيث يخترق الحواجز ويرتبط بكل العوالم، إنه طاقة الكون التي لا تنتهي". 

فعلى امتداد الكثبان الصحراوية يكمن أعظم الكنوز، هذا المشهد الرائع في صحراء جبال طويق لايزال يذهل الزوار الذين اقتادتهم الخطوات إليها للحفاظ على ذاكرة المكان في الصحراء العربية بشواهدها المعمارية والاجتماعية، التي تعد نموذجا فريدا عن صمود التقاليد والثوابت الإنسانية لسكانها، هي  فصول أرختها كتب تاريخ كثيرة باعتبارها جزءاً من إرثهم الحضاري.

المزيد من فنون