هزيمة أردوغان التاريخية… زلزال كبير يهز أنقرة

من النتائج المهمة للانتخابات أنها أعادت الثقة إلى نفوس كل المعارضين للرئيس التركي

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مخاطباً أعضاء حزب العدالة والتنمية في 25 يونيو (أ.ف.ب)

سبق لي أن كتبتُ في مقال تحليلي نشره موقع "إندبندنت عربية" في أبريل (نيسان) الماضي حول الانتخابات التركية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي، "هناك عائقان ربما يعترضان طريق إمام أوغلو. الأول: هو أردوغان، والثاني هم بعض قادة حزب الشعب الجمهوري". وأضفتُ "سيحاول رجب طيب أردوغان بكل الوسائل غير القانونية منع إمام أوغلو من القيام بمهام منصبه".

وهذا ما حصل بالفعل، فقد حاول أردوغان جاهداً عزل إمام أوغلو من منصبه، وأخيراً قام بتنحيته عن رئاسة البلدية، بألاعيب سياسية مغلفة بغلاف "قانوني".

أجل، الجميع يعرف أن الرئيس التركي أردوغان هو الذي أجبر المجلس الأعلى للانتخابات على اتخاذ قرار إلغاء وإعادةِ الانتخابات في 6 مايو (أيار). لكن لم تكن الحجج الواهية حول هذا القرار كافية لإقناع المواطن العادي في الشارع التركي، ناهيك عن الحقوقيين البارزين والرأي العام الدولي... وأخيراً أسفرت انتخابات إسطنبول التي تم تجديدها في 23 يونيو (حزيران) عن هزيمة نكراء لرئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان.

ففي حين أن الفارق في الأصوات بين أكرم إمام أوغلو وبين مرشح حزب أردوغان كان حوالى 13 ألف صوت، قفز هذا الفارق إلى حوالى 800 ألف صوت. وهكذا انتهت حقبة السيطرة الأردوغانية على بلدية إسطنبول والتي امتدت إلى ربع قرن.

ولا شك في أن انتخابات 31 مارس و23 يونيو ستصبحان من أكثر الانتخابات إثارة للاهتمام، وبداية لمرحلة سياسية جديدة في التاريخ السياسي التركي، بل وربما ستؤرَّخ الأحداث السياسية بما قبل 23 يونيو وما بعده.

ويضيق المقام هنا عن سرد قائمة الأخطاء الفادحة التي ارتكبها أردوغان وبلغت به إلى هذه النتيجة المريرة، التي لن تكون سهلة ومستساغة لدى شخص حريص مثله، ولكني سأركز فقط على أخطائه القاتلة التي أسفرت عن هزيمته النكراء، التي تَورط فيها على مدى الشهرين الماضيين فقط، في أربع نقاط:

أولاً: الأكراد... اعتبر أردوغان كل الأكراد تقريباً "إرهابيين"، لكنه عندما أدرك أنه سيخسر الانتخابات، لجأ إلى كسب تأييد عبدالله أوجلان زعيم الجناح المسلح للحركة الكردية. وهكذا ناقض نفسه وأصبح كالغريق الذي يستنجد بالأفعى. لكن الأكراد لم يقعوا في الفخ الذي نصبه لهم وسقوه علقماً لن ينساه.

ثانياً: قام بمواصلة حملة اعتقالات واسعة في صفوفِ خيرة أبناء شعبه الذين تلقوا تعليماً عالياً من المثقفين والأكاديميين والنساء الحوامل والشباب والمسنين، إما بذريعة اتهامهم بالانتماء إلى حركة فتح الله غولن، أو بذرائع أخرى واهية، ظناً منه أن سياساته القمعية ستجلب له مكاسب سياسية، لكنه عندما شعر أن الأمور تسوء وأن الجماهير العريضة لم تعد تنصاع إليه، بدأ يتحدث على لسان شريكه دولة باهتشلى عن العفو العام، ولكن ذلك لم يؤثر في رياح التغيير المنشود.

ثالثاً: أعلن أردوغان على رؤوس الملأ أن مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو وحزبه أدوات خبيثة بيد القوى الأجنبية، ما دفع بكثير من رجال الدين والأكاديميين البارزين الموالين له أن يعتبروا جميع من لا يؤيدونه مارقين عن الإسلام أو فاسقين، حتى وإن كانوا في عداد المسلمين الملتزمين، لكن فتاويهم البائسة أصبحت هباءً منثوراً.

رابعاً: وفي هذا السياق استخدم أردوغان ومناصروه طوال فترة الحملة الانتخابية أسلوباً سخيفاً وبذيئاً ضد معارضيهم، وأطلقوا تهديدات لم يسبق لها مثيل في التاريخ السياسي التركي. وأبرزها تلويح أردوغان باستخدام القضاء مرة أخرى لسد الطريق أمام مرشح المعارضة، بحجة شتمه والي إحدى المحافظات.

ولكن شيئاً من ذلك لم يجلب لهم نفعاً، بل باءت كل محاولاتهم بالفشل الذريع، واستجاب الأكراد إلى نداء الزعيم السياسي صلاح الدين دميرتاش، ولم يلقوا بالاً لرسالة أوجلان التي أرسلها من سجنه، التي دعا فيها الأكراد إلى الحياد. وقام المحافظون المتدينون، بل شريحة مهمة من الذين كانوا يصوّتون لحزب أردوغان، بترجيح من ينادون إلى القيم الإنسانية العالمية والسلام المجتمعي، بدلاً من الشعارات الإقصائية التي يطلقها الإسلاميون السياسيون. وما زاد من شعبية أكرم إمام أوغلو وفتح له باب النجاح أنه نادى إلى خلق بيئة سلمية مناسبة للعيش المشترك بين كل فئات المجتمع بحيث يتعايش فيها المتدينون إلى جانب العلمانيين، بعيداً من الاستقطاب الذي كان الخطاب الأردوغاني ينادي به ليل نهار.

وربما سيكون من الصعب أن يتخلى أردوغان عن نهجه هذا ليحترم جميع الفئات المجتمعية ويتبنى خطاباً يحترم جميع مكونات المجتمع التركي بأيديولوجياتها المختلفة. إذ اختار طريقاً لا رجعة فيه. وهو يعلم جيداً أنه إذا رجع إلى المنهج الديمقراطي سيحاسَب على علاقاته المشبوهة مع التنظيمات الإرهابية الخطيرة. وأبرز مثال على ذلك علاقته مع منظمة "SADAT" (سادات)، التي ثبتت علاقاتها مع تنظيم "داعش" الإرهابي. كما أصبح من شبه العلني علاقة أردوغان وحزبه مع أحد أبرز زعماء المافيا في تركيا سدات بَكَرْ، الذي يتزعم عصابة إجرامية تعيث في الأرض فساداً. كما يعلم أردوغان أن ملفات الفساد المتراكمة بالمرصاد له ولأفراد أسرته والمقربين منه.

وهذا يعني أن السحر أوشك أن ينقلب على الساحر، وأن سياسات الابتزاز والقمع والتهديد التي كان يستخدمها ضد منافسيه لم تعد تجلب له المكاسب والأرباح. بل إن كل المؤشرات تدل على أن أردوغان حشر نفسه في زاوية ضيقة وتنتظره أيام عصيبة ليس في السياسة الخارجية فحسب، بل على المستوى الداخلي أيضاً. ومن المؤكد أن نتائج هذا الزلزال الانتخابي نذير شؤم بِهزات ارتدادية كبرى في صفوف حزب العدالة والتنمية. ولا نشك في أن أردوغان سيبدأ بمحاسبة كوادر حزبه ووزرائه وكبار البيروقراطيين المقربين منه.

ومن النتائج المهمة لهذه الانتخابات أنها أعادت الثقة إلى نفوس كل المعارضين لأردوغان، سواء من الأحزاب الأخرى أو المرشحين كي ينشقوا عنه ويُشكِّلوا أحزابهم.

وكمتابع للشأن التركي عن كثب، أعتبرُ أهم الهزات الارتدادية لهذه الانتخابات هي حقيقة أن الرئيس السابق عبدالله جول ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان على وشك الإعلان عن تشكيل حزبهم الجديد. ربما بحزب أو حزبين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولست متأكداً إذا كان هذا الفريق سيستطيع أن يجلب أكرم إمام أوغلو إلى صفه، لكنه يبقى احتمالاً ضعيفاً.

وأقوى الاحتمالات المستندة إلى المعلومات الواردة من مختلف الجهات المطلعة هو أن هذا الفريق قطع شوطاً كبيراً في إجراء المشاورات مع الفئات والشخصيات المؤثرة في البلاد، وحصل على موافقتها بشكل كبير على اتخاذ موقف سياسي قوي ومناهض لأردوغان، والبروزِ على الساحة في المستقبل القريب للإعلان عن الكيان السياسي المنشود.

ولا أستبعد أن هذا الثلاثي يحسب حساباً جاداً لأكرم إمام أوغلو، الذي أبطل خرافةَ أن "أردوغان يستحيل قهره سياسياً". كما أنهم لن يتركوا له الساحة السياسية ليجني فيها أقصى قدر ممكن من المكاسب السياسية. وهذا يفرض عليهم الاستعجال بالبروز إلى الساحة، خصوصاً في هذه المرحلة التي تحطَّمت فيها الحواجز النفسية أمام الشعب وبدأت تهب رياح التغيير.

والخلاصة هي أن هذه الهزيمة التاريخية لأردوغان وحزبه بمثابة صفعة على وجه أردوغان وحزبه، وستعقبها هزائم وخسائر متعاقبة.

وقد تحولت انتخابات إسطنبول إلى استفتاء شعبي حول سياسات أردوغان، وبطبيعة الحال كان السبب الرئيسي في ذلك هو أردوغان نفسه. فكانت هذه نتيجة حتمية لمغامراته، ما جعلنا نقول لـ"فخامته" إن "يداك أوْكَتا وفوك نفخ".

والأدهى والأمر أنها قضت -بقوةٍ- على ما كان يحلُم به وهو أن يصبح "خليفة" للمسلمين.

المزيد من آراء