Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسعار العقارات في السعودية تسجل ارتفاعا فهل يتبدد "حلم البيت"؟

نسب مرتفعة للتعثر في سداد القروض العقارية واقتصاديون ينصحون بألا يتجاوز إنفاق الأسرة على السكن 30 في المئة

مع ارتفاع الأسعار والتعثر في سداد القروض العقارية يبدو حلم امتلاك شقة في السعودية بعيد المنال (أ ف ب)

بملامح تكسوها الخيبة يغادر الشاب السعودي تركي أحد البنوك السعودية وسط العاصمة الرياض، بعد أن تنازل عن منزلة لشخص آخر لعجزه عن سداد قيمة القسط الشهري للتمويل العقاري، فبحسب العقد المبرم معه كان المبلغ المقترَض من البنك نحو 1.5 مليون ريال (حوالي 399 ألف دولار)، ويستقطع من مرتبه الشهري نحو 9400 ريال شهرياً (2501 دولار)، أي أكثر من نصف راتبه لمدة ربع قرن تقريباً.

ومع ارتفاع كلف الحياة فضل الاكتواء بأسعار الإيجار على تملك منزل من خلال القروض العقارية الخانقة.

الحلم السعودي

لا يبدو حال تركي مستغرَباً فهو واحد من بين آلاف الشباب السعوديين الذين وقعوا في براثن ارتفاع الأسعار ومتطلبات الحياة، فتبدد حلمهم بامتلاك بيت العمر، إذ أظهر تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي السعودي (ساما) نسبة تعثر السداد في القروض العقارية، وهناك جهتان في السعودية تقدمان تمويلاً عقارياً، وهي شركات التمويل والبنوك التجارية، الأولى بلغت نسبة التعثر بها 4.1 في المئة عام 2021، والثانية 0.5 في المئة.

وجاءت نسب التعثر في شركات التمويل مرتفعة لطبيعة عملائها، فعادة تقرض تلك الشركات الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم اشتراطات البنوك من أصحاب التصنيف الضعيف، بينما ينخفض التعثر في البنوك لضمان حقها في السداد برهن العقار نفسه، إذ يكتب باسم البنك ويظل المشتري وكأنه مستأجر إلى أن يسدد آخر قسط من قيمة الشراء، مضافاً إليها الفوائد، وكذلك القرض مضمون براتب المقترض، إذ يشترط البنك الممول التزام جهة عمل المقترض بتحويل راتب صاحب القرض إلى البنك شهرياً، وعادة لا ينظر البنك في أي طلب قرض عقاري ما لم يقدم خطاب تحويل الراتب للبنك.

أزمة العقار في الصين

ويخشى باحثون اقتصاديون كثر أن يتكرر ما هو حاصل الآن في الصين من ظاهرة تعثر المشترين عن سداد رهوناتهم العقارية، ويرون احتمال نسبة حدوثها بشكل أكبر لدى شركات التمويل.

ولم تعد مشكلة الإسكان مرتبطة بالدول النامية أو حتى الناشئة، فالمشكلة تمتد أيضاً إلى البلدان المتقدمة والثرية، بل أصبحت معضلة تؤرق جميع الحكومات بغض النظر عن درجة تقدمها الاقتصادي ولكن بدرجات متفاوتة. وأخذت الحكومة السعودية على عاتقها حل الأزمة، وبدأت وزارة الإسكان بطرح منتجات كثيرة بحلول تمويلية كان أبرزها تحويل طلبات القروض العقارية للبنوك مع تحمل الصندوق العقاري فوائد قروض الشرائح المستحقة للدعم وشراء القروض العقارية من البنك، مما رفع نسبة التملك إلى 62 في المئة.

كما رفع "ساما" سقف الحد الأعلى من الاستقطاعات الشهرية لطالبي القروض إلى 65 في المئة من الدخل الشهري للعميل، وذلك بهدف تمكين المواطن من تملك المسكن الأول، وبمشاركة الحكومة مع البنوك التجارية في برامج التمويل بدأت الأخيرة تتسابق في تقديم عروض مغرية لجذب أبناء الطبقة الوسطى نحو بريق هذه الفرصة والتسهيلات الكبيرة في السداد التي تتيحها، متجاهلين احتمالات التخلف عن سداد الأقساط الكبيرة، إذ أظهرت البيانات الصادرة عن "ساما" ارتفاع حجم التمويل العقاري السكني الجديد المقدم للأفراد من المصارف إلى 13.12 مليار ريال (3.49 مليار دولار) خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي بارتفاع قدره 58 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2021.​

الأستاذ المشارك ورئيس قسم التخطيط العمراني في جامعة الملك سعود وليد الزامل قال إن التمويل السكني يعد أحد الوسائل المهمة في إطار تيسير الإسكان وسد الفجوة بين دخل الأسرة وكلفة المسكن، إلا أنه من الممكن أن يسهم بخلق ديون طويلة المدى تثقل كاهل الأسرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف الزامل أن تطوير السياسة الإسكانية يجب أن يعمل على استيعاب شامل لواقع القدرة الاقتصادية للأسر، ومستويات التباين في السوق الإسكاني بين المدن وتصنيف الشرائح الاقتصادية، وجمع معلومات وافية عن سعر ومخزون المسكن الذي يقع في نطاق القدرة على تحمل الكلف في كل مدينة، مشيراً إلى أن عدداً من الدراسات المتعلقة بتيسير الإسكان تنوه بضرورة ألا تتجاوز نسبة إنفاق الأسرة على الإسكان 30 في المئة من الدخل، وبشكل لا يؤثر في بقية أوجه الإنفاق الأخرى مثل الغذاء والتعليم والصحة والترفيه.

حلم بعيد المنال

ضخ القروض العقارية في السعودية نجمت عنه تعثرات ظهرت واضحة في الإعلان على مواقع الإنترنت عن البيع نتيجة التعثر، إذ أعلنت وزارة العدل السعودية استقبال 43661 ألف طلب فك رهن للعقارات منذ بداية أغسطس (آب) 2021، مبينة أن القطاع السكني شكل نحو 75 في المئة من هذه الطلبات، ويكون فك الرهن العقاري إما بسداد كامل المديونية أو بيع العقار إلى شخص آخر يتولى سداد المديونية.

من جهته، أشار عضو جمعية الاقتصاد السعودية عبدالحميد العمري إلى أن أزمة العقار والإسكان لم تكن أزمة تمويل، وأنه بالعكس كلما زاد التمويل تعمقت الأزمة التي مصدرها الرئيس والخطر وهو احتكار الأراضي.

وأضاف أن نظام التمويل الحالي بنسب الفوائد العالية جداً غير قادر على تلبية الطلب المتنامي على سوق العقار خصوصاً من أصحاب الدخل المحدود والمنخفض الذين يمثل حصولهم على قروض كبيرة ذات مدة طويلة وفوائد بنكية مرتفعة تحدياً كبيراً ومخاطرة جسيمة تضعف قدرتهم الشرائية طوال فترة الاستقطاع، وأن منظومة التمويل الحالية تصب في مصلحة البنوك والجهات الممولة، متجاهلة مقدار الضرر على المستفيد مع عدم تحقق الفائدة لكل طرف من أطراف منظومة التمويل.

وفي البحث عن سبب أزمة العقار الرئيسة في السعودية لن تجد إجابة شافية ومقنعة، وبحسب قول الشاب السعودي تركي "ما كنا نعتبره فاحش الغلاء قبل بضع سنوات أصبح اليوم حلماً بعيد المنال، مقارنة بما وصلت إليه الأسعار الحالية التي تواصل صعودها بشكل مذهل".

أسعار العقار لا تمل الصعود

وسجلت أسعار العقارات ارتفاعاً كبيراً بحيث يفوق سعر المتر المربع في بعض الأحياء الحد الأدنى للأجور، وارتفعت أسعار العقارات خلال الربع الثاني من 2022 بنسبة 0.7 في المئة، مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي، وفقاً لنتائج الهيئة العامة للإحصاء التي كشفت أن ارتفاع أسعار الأراضي السكنية كان المؤثر الأكبر في ارتفاع أسعار العقارات خلال الربع الثاني من 2022، مقارنة بالربع الثاني من عام 2021، إذ سجل القطاع السكني ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المئة متأثراً بارتفاع أسعار قطع الأراضي السكنية بنسبة 0.2 في المئة، وذلك على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2022.

يقول الزامل إن الاستقراء التاريخي لحجم قروض التمويل العقاري يشير إلى وجود علاقة طردية بين كلفة المسكن وحجم التمويل السكني، فكلما زادت قيمة الدعم أو التمويل السكني (السيولة) ارتفعت قيمة المساكن، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تطوير سياسات لإصلاح السوق الإسكانية ذاتها، بحيث تعمل هذه السياسات على خفض قيمة الوحدة السكنية والأراضي بديلاً عن زيادة حجم التمويل.