Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يزعزع عدم التكافؤ القوة العسكرية

الجيوش المنقسمة تعاني في سبيل الانتصار

فوج من الجيش الأميركي في مدينة نيويورك، يونيو 2022 (شانون ستابلتون/ رويترز)

أثار فشل الغزو الروسي لأوكرانيا وعناد المقاومة الأوكرانية غير المتوقع جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت الأساليب المعتمدة حالياً لقياس القدرات العسكرية خاطئة، لا سيما بعدما صُدم محللو الاستخبارات الأميركية بسرعة انهيار الجيش الأفغاني في 2021 وعجز القوات العراقية عن التصدي لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (أو داعش) في 2014 وأداء إثيوبيا المخزي ضد متمردي تيغراي على امتداد العامين الماضيين. وكان المحللون الأميركيون قد أصابوا بتوقعهم أن تشن روسيا عملية عسكرية ضد أوكرانيا في فبراير (شباط) الماضي، لكن افتراضهم بأن أوكرانيا ستسقط في غضون أيام قليلة لم يكن في محله ولم يفضِ سوى إلى تغذية الانطباع بوجود خطأ ما في المناظر التي تنظر منها الاستخبارات إلى القوة العسكرية وكيفية تقييمها. ومن هذا المنطلق وبحث من المشرعين الحانقين، بادرت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى إطلاق حملة مراجعة داخلية شاملة لكيفية تقييمها للقوة العسكرية الأجنبية على ضوء الزلات التي ارتكبتها في أفغانستان وأوكرانيا وأماكن أخرى.

وللزلات الاستخباراتية الأميركية جذور مشتركة: تجاهل للدوافع غير المادية للقوة العسكرية، بل أكثر من ذلك إغفال الفوارق الاجتماعية بين أفراد الجيش الواحد ومدى تأثير هذه الفوارق في الأداء على ساحات المعارك. وبخصوص النماذج الحالية للتقييم البحت والإطار المستخدم لقياس القوة النسبية للجيش ومؤشرات الامتياز القابلة للقياس الكمي كعدد الدبابات والجنود، فقد أثبتت جميعها أنها مقاييس سيئة وغير فعالة في تحديد الكيفية التي تصارع بها الجيوش وما إذا كانت تكسب الحروب. في أفغانستان مثلاً، لطالما كان عدد أفراد الجيش الوطني يفوق عدد مقاتلي طالبان، ومع ذلك لم يقوَ هؤلاء يوماً على ترجمة امتيازاتهم المادية إلى انتصار. ويقال إنه حتى أعظم القوات المقاتلة وأفضلها تجهيزاً يمكن أن تفشل في أرض القتال إذا كانت لا توازي أعداءها تصميماً وصلابة. ففي النهاية، الجيوش ليست مجرد خليط من عداد وعتاد، بمعنى أنه يمكن للانقسامات العرقية والعنصرية والطبقية وغيرها من الانقسامات الاجتماعية التي تتحكم بالقدرات القتالية أن تكبلها، وهذه ديناميات غير موجودة في قاموس هيئات الاستخبارات وهي تتجاهلها وتدفع ثمن تجاهلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفرضيات الخاطئة

تنفق الدول أموالاً طائلة لتقدير حجم قدرات بعضها بعضاً، إيماناً منها بأن خير المعلومات في كثرتها لقلب الموازين. لكن التقييم البحت إجراء تحفه المخاطر، مع ميل الدول بوجه عام إلى ممارسة خدع متقنة للتستر على قوتها العسكرية الحقيقية بعيداً من أعين المتطفلين، وعدم صحة تقييم بعض القدرات إلا بعد بدء القتال، وأرجحية تأثير السياق العام في ديناميات أرض الحرب بطرق غير متوقعة. هذا إضافة طبعاً إلى إمكانية وقوع المحللين والمنظمات في الخطأ واضطراهم إلى إصدار الأحكام بمعلومات منقوصة، من دون أن ننسى التحيزات المعرفية والسياسات الداخلية التي قد تشوه بدورها التقييمات. وفي مواجهة هذا الكم الهائل من المشكلات المتداخلة، من غير المستبعد أن يختار عدد من المحللين توخي الحذر والمبالغة في تقدير قدرات الأعداء لتجنب المفاجآت في ميدان المعارك.

ومن شأن هذا الخيار المحافظ أن يدفع بالمحللين إلى تفضيل المقاييس الكمية للقدرات العسكرية، مع التركيز على ما يسمى بالعوامل الموضوعية، من قبيل عدد الجنود المسلحين والإنفاق الدفاعي السنوي ودخل الفرد واكتساب التقنيات الجديدة، لتقدير القوة العسكرية النسبية، إلى جانب تكريس جهود جبارة لتقييم قدرات الأعداء من المذاهب المنشورة، وكل ذلك باستخدام بنية تحتية مترامية الأطراف من الأقمار الاصطناعية والبيانات المفتوحة المصدر والجواسيس والتنصت الإلكتروني.

وقد سبق لجهود مماثلة أن حققت نجاحاً كبيراً إذ عُرفت خطة روسيا لغزو أوكرانيا من قبل أن تعبر دباباتها الحدود حتى، لكن المعروف عن المحللين الذين يعولون على مقاييس موضوعية ركونهم إلى ثلاث فرضيات، وهذه الفرضيات هي التي تخلق نقاط ضعف خطيرة.

الجيوش مرآة لمجتمعاتها بحيث تعكس الفوارق الاجتماعية نفسها.

أولاً، ينبغي ألا يفترض المحللون أن الانتصار في ساحات المعارك هو تجسيد حتمي للقوة المادية. فبحسب كتاب "القوة العسكرية" الصادر عن عالم العلاقات الدولية ستيفن بيدل عام 2004، الرابط ضعيف، إن لم يكن معدوماً، بين العوامل المادية كالناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان والإنفاق العسكري من جهة، والانتصار الميداني في الحروب التي خلدها التاريخ منذ عام 1900 من جهة أخرى. وأنا عن نفسي، تحققت من 252 حرباً دارت رحاها منذ عام 1800، ولم أجد فعلياً أي رابط إحصائي بين حجم الجيوش المعادية والنتائج الميدانية للمعارك، وفي مقدمتها الخسائر النسبية وحالات الفرار والانشقاق وهوية الطرف المنتصر. وبالنظر إلى هذه النتائج، من غير المفاجئ أن تتمحور أكثر نقاشات الأكاديميين بشأن مصادر الفعالية العسكرية حالياً حول العوامل غير المادية، على غرار نوع النظام والأيديولوجيا والثقافة، بدلاً من القوة المادية النسبية. لكن المفاجئ أن تستمر النقاشات العامة خارج الدائرة الأكاديمية، بما في ذلك النقاشات بشأن نتائج الحرب في أوكرانيا، في تفضيل المؤشرات التقليدية للقوة المادية النسبية.

ثانياً، يقوم التقييم الصافي اليوم على فرضية مفادها بأن الجيوش هي آلات قتل فعالة، وهذا أمر عارٍ من الصحة تماماً، فالجيوش بمعظمها انعكاس للانقسامات المجتمعية سواء العرقية أو العنصرية أو الأيديولوجية أو الطبقية للدولة الأوسع. ولو تُركت هذه الانقسامات من دون إدارة، فسيستفحل خطرها وتنتج منها احتكاكات وتوترات تزيد من استنزاف القوة العسكرية. وفي بعض الحالات، ستُلقي الجيوش بأعبائها على الفئات المهمشة لتجنيب مؤيدي النظام تكاليف الحرب. وفي حالات أخرى، ستتبع نهوج التخويف المختلفة لإرغام عناصرها على القتال والحفاظ على تماسكها. وقد تبدو هذه الجيوش هائلة وجبارة على الورق، لكنها في الحقيقة غير ذلك وعادة ما تتخبط وتدخل حروباً ونزاعات تعرقلها الفتن، كما حدث في العراق لما تسبب عزل السنة بتفجير اضطرابات طائفية داخل الجيش العراقي كانت نتيجتها هروب عدد من الجنود السنة في 2014 وتمكن تنظيم داعش الأقل عدداً وتسليحاً من بسط سيطرته على الموصل بكل سهولة ومن دون مقاومة تُذكر.

ثالثاً، يميل المحللون إلى التقليل من أهمية العوامل غير الملموسة مثل معنويات الجنود وتماسك الوحدات القتالية، ظناً منهم أن المؤشرات المادية هي الأكثر موضوعية على أرض الواقع. ولو حدث وفكروا في هذه الأشياء غير الملموسة، فإنهم يتعاملون معها على أنها واحدة موحدة على مستوى الجيش بأكمله، لكن تفكيرهم على هذا النحو يُلغي الجانب الإنساني من الحرب. في نهاية الأمر، الجنود ليسوا عناصر متجانسين بكل ما للكلمة من معنى، فمنهم من يستبسل تحت لواء القيادة العسكرية، ومنهم من يتحرك بدوافع ارتزاقية، ومنهم من يخوض غمار الحروب قسراً وبالنيابة عن حكومة يحتقرها. وفيما تعجز دول كثيرة عن حياكة سردية واحدة متماسكة تلهم بها جميع الجنود سواسية وتدفعهم إلى القتال بالقدر نفسه من القوة، تحاول روسيا تشكيل كتائب تطوعية من سجناء ومسلمين غير روس وجنود أوكرانيين موالين لروسيا ومتهربين من الخدمة العسكرية للانخراط في صفوف قواتها للقتال على الأراضي الأوكرانية، تخيلوا كم سيكون من الصعب عليها تحفيز هذا النسيج المرقع من المقاتلين سيما أنها غير قادرة على مدهم بالتدريبات العسكرية الكافية. إذاً بالنسبة إلى عدد من الجيوش، الحفاظ على النظام والانضباط هو تحد كبير لا يقل أهمية عن محاربة الأعداء، وهذا ما لا ينبغي أن يغيب عن بال المحللين.

أخطار عدم التكافؤ العسكري

من أجل تحسين التقييم البحت، لا بد من فتح الصندوق الأسود للجيوش ورصد حالات عدم التكافؤ الكامنة فيه وشدتها. وغني عن القول إن الجيوش تعكس واقع مجتمعاتها وتخضع للفوارق الاجتماعية نفسها. ولهذا السبب، يقتضي من المحللين استنباط معلومتين اثنتين لتقدير مستوى عدم التكافؤ العسكري بكل دقة: أولاهما حجم المجموعات الاجتماعية التي يتألف منها الجيش وتركيبتها. فعلى مر التاريخ، كان الانتماء العرقي مصدراً قوياً للانقسامات المحتملة. واعتباراً من القرن الـ19، بدأت الجيوش النظامية تخوض الحروب وفي صفوفها خمس مجموعات عرقية متباينة. وفي عام 1812 تحديداً، سير نابليون حملة عسكرية نحو موسكو على رأس جيش يضم جنوداً من تسع جنسيات مختلفة وأقلية فرنسية. وخلال الحرب العالمية الثانية، التحقت بالجيش الأحمر السوفياتي الذي غالباً ما يصور على أنه من العرق الروسي، فيالق بندقية من جنود ينتمون إلى 28 عرقاً مختلفاً. وثانيتهما، طريقة تعامل كل دولة مع المجموعات المتنوعة داخل جيشها، كأن تمنح بعضها الحقوق والفرص الكاملة وتتعاطى مع أخرى على أنها فئات مواطنين من الدرجة الثانية، والأسوأ من ذلك توجه سهام القمع السياسي العنيف نحوها. يُذكر أنه لطالما جندت فرنسا والمملكة المتحدة جيوشها الاستعمارية من السكان المهمشين لخوض الحروب في الداخل والخارج، غير آبهتين لحقيقة مفادها بأنه كلما زاد عدد المهمشين في صفوف العسكر وزادت معاملة الدولة لهم قسوة اتسعت رقعة عدم تكافؤ القوة في مواجهة الأعداء، وتراجع أداؤها القتالي في ساحات المعارك.

والتنوع ليس قدراً محتوماً، إذ إن الأساليب التي تتعامل بها الدولة مع كل مجموعة اجتماعية داخل جيشها هي التي تحدد مستوى الأداء القتالي لهذا الجيش في ساحات المعارك، لا العدد الإجمالي للمجموعات. وبالنسبة إلى الجيوش الشاملة التي تحشد أفراداً من مجموعات تتمتع بالمواطنة الكاملة، فيمكن أن ترتقي فوق الانقسامات الاجتماعية الخانقة، بتحفيز من مشاعرها الوطنية القوية والوعد بمزيد من الشمول. وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، خاض الأميركيون السود حرباً مزدوجة: واحدة ضد الخصوم الخارجيين وأخرى في سبيل تحقيق المساواة ما بعد الحرب. آنذاك، حتى القوى الاستبدادية، بما فيها الاتحاد السوفياتي لجوزيف ستالين، أبدت تحبيذها الواضح لإدماج قدر أكبر من الأقليات المكبوتة في آسيا الوسطى في القوات القتالية. ولكن التاريخ مشهود له بثقله، وإن كانت التعديلات لزيادة الشمول في زمن الحرب قادرة على تحسين الأداء العسكري على هامش ساحات المعارك، فهي غير قادرة حتماً على التغلب على تركة الممارسات القمعية للدولة قبل الحرب.

من غير السهل على الدول طمر هياكل مجتمعاتها أو التستر على واقع القمع المتغلغل في أركانها.

وبخلاف المؤشرات القياسية للقوة الوطنية، يسلط عدم التكافؤ العسكري الضوء واضحاً على الطريقة التي تقاتل بها الجيوش واحتمالية اقتحامها أهوال المعارك، على أساس أنه كلما زادت نسبة الجنود من الفئات المهمشة في جيش معين تراجع أداء هذا الجيش في الميدان. من الطبيعي أن يتغلغل عدم تكافؤ ما قبل الحرب كالسم في أوصال الجيش، فيستبد بأعضائه ويئد قوته القتالية في مهدها. ومن الطبيعي أيضاً ألا تكون لدى الجنود الذين تعرضوا للتمييز في الداخل أية رغبة أو استعداد للمشاركة في حرب أياً كانت. عدا عن ذلك، يقوض عدم التكافؤ الثقة بين الفئات المتميزة وتلك المهمشة ويحطم الروابط بين الجنود، وفي أحيان كثيرة، بين الضباط والرتب والصفوف. أما مظالم الماضي فتحفز الجماعات المستهدفة على الالتفاف حول قضية مشتركة لمقاومة السلطات العسكرية، كما حدث إبان الحرب العالمية الأولى لما قرر أفراد جيش الإمبراطورية النمساوية المجرية من السلافيين والمجريين المضطهدين التخلي عن الخدمة العسكرية والفرار إلى غير رجعة. وفي الحالتين، سيكون مصير الجيش هو الخراب.

ويُشاع عن الجيوش غير المتكافئة أنها تتبع أساليب قسرية وقهرية في تعاملها مع الجنود تحت إمرتها. وبسبب خوفها الشديد من حدوث انفلات جماعي يفقدها السيطرة عليهم، تتحصن بهياكل قيادية على درجة عالية من الصرامة، متوعدة تارة ومستخدمة العنف تارة أخرى لإحقاق التماسك واللحمة. وفي غياب مناشدات أيديولوجية مقنعة تستند إليها، كثيراً ما تشجع الجيوش غير المتكافئة عناصرها على النهب والاغتصاب كمكافأة على خدمتهم المستمرة. وفي ظل عدم التكافؤ المستشري في صفوفها، غالباً ما يجد قادتها أنفسهم مرغمين على تبسيط تكتيكاتهم والتخلي عن العمليات المسلحة المعقدة التي يتعذر على الجنود غير المتحمسين تنفيذها. وفي كل مرة يحاولون فيها فرض الانضباط وحشد قوة قتالية كافية، يواجهون حرباً داخل حرب قلما تكون لهم فرصة إخمادها. وعلى مدى القرنين الماضيين، هذا ما كانت عليه حال الجيوش غير المتكافئة إلى حد كبير، والنتيجة: معدل إصابات أعلى وهروب جماعي أكثر تواتراً مقارنةً بالجيوش الشاملة. وفي هذا الصدد، لا بد من ذكر جيش المهدي الذي كان يقاتل في السودان وأودى به انقسامه الشديد على أسس عرقية وقبلية إلى تكبد واحدة من أكثر الهزائم غير المتوازنة في التاريخ المسجل، حيث فقد أكثر من 12 ألف جندي مقابل 48 فقط للقوات البريطانية - المصرية المعارضة في أم درمان عام 1898.

الشقاق في الجيش

ينطوي عدم التكافؤ العسكري على عدد من المزايا باعتباره دليلاً للأداء القتالي في ساحات المعارك. فهو في المقام الأول أكثر وضوحاً. لماذا؟ لأنه من غير السهل على أية دولة من الدول طمر هياكل مجتمعاتها أو التستر على واقع القمع المتغلغل في أركانها. ولتحديد مستوى عدم التكافؤ والانقسام الذي يشوب هذا الجيش أو ذاك، يكفي على المحللين الاطلاع على البيانات مفتوحة المصدر والأبحاث التاريخية ذات الصلة. وبما أن الانقسامات الاجتماعية لا تختفي بين ليلة وضحاها، فستكون بالتأكيد واحدة من خطوط الأساس الثابتة للمقارنة. ونظراً إلى الطبيعة التدرجية التي يصعب إخفاؤها للهياكل الاجتماعية، فستكون تقديرات عدم التكافؤ أكثر دقة من تقديرات التقنيات أو المذاهب العسكرية الجديدة، مع إمكانية تصميم مقاييس عدم التكافؤ بشكل يناسب سياقاً معيناً وظروفاً معينة تتراوح بين تقسيمات على أساس عرقي أو عنصري وأخرى على أساس طبقي أو أيديولوجي أو جندري. ولعل الأهم من ذلك أن عدم التكافؤ العسكري هو مؤشر قابل للتطوير، أي أن بإمكانه التنبؤ بالأداء الميداني لجيوش كاملة أو تشكيلات صغيرة أو حتى وحدات فردية.

وواقعنا اليوم يزخر بأشكال وأنواع البيانات المفيدة عن الروح المعنوية والتماسك. وتأتي في طليعة هذه البيانات، شكاوى الجنود ومنشوراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيليغرام" و"تيك توك" و"تويتر". وبرأيي، يمكن للمحللين أن يُعولوا على هذه التعبيرات المباشرة عن المشاعر والأحاسيس والمكنونات الداخلية لتقييم الروح المعنوية العامة للجنود والأسباب الكامنة وراء عمليات الانشقاق في الصفوف ومستوى التأييد العسكري للحكومة، مع إمكانية تحديد المواقع الجغرافية للقواعد العسكرية التي ينتمي إليها الجنود المعنيون. وإلى جانب المنشورات الاجتماعية هناك أيضاً استطلاعات الرأي التي يُمكن أن تكون بدورها أداة فعالة لتقييم الجيوش المشاركة، تماماً كاستطلاعات الرأي التي أجريت في أوساط الجيش الأفغاني وحذرت مبكراً من التوترات العرقية وتضاؤل ​​الدعم للنظام وإحجام عديد من الجنود عن الاستقتال في الذود عن الحكومة.

مجتمع الاستخبارات يتجاهل ديناميات عدم التكافؤ في القوى العسكرية على مسؤوليته الخاصة.

 

 

ويمكن لعدم التكافؤ أن يشوه الطريقة التي تجند بها الجيوش عناصرها وتنشرهم. ففي المبدأ، تجند الجيوش غير المتكافئة مقاتليها إما باستخدام القوة أو باستهداف المجتمعات المهمشة وسيلة لتحصين النظام ضد مشاعر الرأي العام المحلي المناهضة للحرب. وفي ما يخص الغزو الروسي الأخير لأوكرانيا، فقد ترنح جزئياً لاعتماده على جنود من الأقليات غير الروسية المختلفة وجنود متعاقدين من القرغيزيين الانتهازيين ومجندين من الروس المخدوعين الذين انتُزعوا من مناطق فقيرة ونائية. وإن كان على الهجمات الأمامية لقوات "كبش الفداء" غير المنسقة في كثير من الأحيان، فما كانت إلا نتيجة مباشرة لجيش يتكون بأغلبيته من جنود مأخوذين من سكان لا يُسأل فيهم أحد. ولما كانت روسيا قد سخرت هؤلاء المجندين المدربين تدريباً سيئاً في السلك اللوجستي للجيش، تعثرت خطوط إمداداتها وتوقف رتل من دباباتها عن الخدمة. وهذا دليل أكثر من كافٍ على أن تحديد المواقع التي تنشر فيها الجيوش جنودها المهمشين أو المواقع التي تفتقد فيها حصص التجنيد هو مؤشر مهم على مواطن ضعف محتملة.

إلى ذلك، يمكن لعدم التكافؤ العسكري أن يُغذي الضغائن والأحقاد بين الجنود العاديين ورؤسائهم، ومرد ذلك إلى تعمد الجيوش غير المتكافئة استقدام ضباطها من جماعات موثوقة سياسياً وحصرها العناصر الأقل جدارة بالثقة بالرتب الأدنى. وفي كنف الجيوش المنقسمة عموماً، يحكم الضباط بيد من حديد وتسيطر المضايقات والانتهاكات وتكثر النظم القانونية المجحفة وتنفذ العقوبات خارج إطار القضاء ويتفشى الفساد بجميع أشكاله مع استغلال الضباط نفوذهم الوظيفي للتعدي على جنودهم وسلبهم. فبالنسبة إلى ضباط ينظرون إلى مرؤوسيهم نظرة تحقيرية، لا شيء أسهل من التلاعب في الصيانة والمعدات أو سرقة الأجور. ومثل هذه السلوكيات غير اللائقة تطيح بالفعالية العسكرية لكن رصدها ممكن قبل المضي قدماً بأية حرب.

الوجه الإنساني للحرب

ليس تتبع عدم التكافؤ داخل الجيوش حلاً بسيطاً ومضموناً لمشكلة عويصة. فلا يزال على المحللين مراعاة القدرات العسكرية لكل جيش فيما تستمر الاحتكاكات والشكوك والغنائم في التشويش على أفضل تقييمات ما قبل الحرب. لكن إضافة عدم التكافؤ العسكري إلى صيغة التقييم الصافي ستُحسن دقته ولو بجزء بسيط من تكلفة التكنولوجيا الباهظة، مثل قدرات الأقمار الاصطناعية الجديدة أو استخبارات الإشارات السرية. والأمر سيان بالنسبة إلى الطرق التي تطبع بها الهويات والفوارق الاجتماعية أداء المقاتلين في ساحات المعارك. في الخلاصة، لا بد للنماذج العسكرية أن تدرج العناصر الإنسانية للحرب في حساباتها وإلا ستخاطر بمفاجآت ميدانية غير محمودة العواقب.

*جيسون ليل هو عميد مركز "جيمس رايت للدراسات العابرة للدول" في كلية دارتموث ومؤلف كتاب "الجيوش المنقسمة: غياب التكافؤ وأشكال الأداء في ساحة المعركة في الحرب الحديثة" (Divided Armies: Inequality and Battlefield Performance in Modern War).

مترجم عن فورين أفيرز، 22 يوليو 2022

المزيد من تحلیل