Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صائب سلام عاشق يروي مذكراته مثل حكواتي بيروتي (1-2)

عن استقلال لبنان و"ثورة 1958" وكميل شمعون وجمال عبدالناصر

يكشف الكتاب الواقع في ثلاثة أجزاء جوانب في شخصية صائب سلام (غيتي)

يكشف كتاب "صائب سلام أحداث وذكريات" الممتد إلى ثلاثة أجزاء متفرقة، عن أسلوب خاص بالسرد يشبه إلى حد بعيد هذه الشخصية البيروتية اللبنانية، وقد حرص الناشر (نوفل) على "احترام" هذه "الخصوصية والصياغة المتفردة، فلم يتدخل المحرر أو المصحح فيهما"، وهكذا بقي النص الذي يحمل توقيع صائب سلام أقرب إلى الشفهي منه إلى الكتابي، مما يمنحه حيوية تظهر بوضوح في انسياب القراءة، ويزيد من ذلك كون الكتاب مذكرات شخصية لسياسي لعب دوراً في تاريخ لبنان الحديث، مما يجعل القراءة "تذكيراً" بلبنان القديم الذي أخفته وغيرته الأحداث المتسارعة منذ قرن عاشه الراوي.

وإذ يدرك صائب سلام ذلك ويعرف وطأة الزمن والأحداث ما بين 1905 و1999، لا يتردد بين حين وآخر في إعادة رسم ملامح المرحلة التي عاشها، ويتوقف عند تفاصيل صغيرة من لبنان ذاك، جغرافية ومعمارية واجتماعية وثقافية وسياسية، فيشرحها ويعرضها بكلمات بسيطة وأنيقة وكأنه حكواتي من بيروت العتيقة.

ويغذي هذه الروح الحكواتية التي تحرض الرغبة في معرفة ذاك الزمن الضائع ورؤيته تلك الصور التي تتوسط المجلدات الثلاثة، وقد شكلت مجموعة من ألبوم لبنان ومجتمعه السياسي والبيروتي.

كذلك يكشف الكتاب الممتع جوانب في شخصية صائب سلام، فعلى الرغم من المحافظة التي عرف بها ابن بيروت ومجتمعها، إلا أنه يروي بكثير من الانضباط في التعبير "حالات من الحب الأول" ويتوقف عند تجربة "عشق" عاشها شاباً، وقد كان لهذه التجربة أثر في شخصيته وسيرته السياسية، إذ هي "الصدام الأول" بينه كإنسان مسلم وبين الآخر المسيحي الذي يشاركه لبنان.

السر

يكتب تلميذ مدرسة المقاصد ثم تلميذ مدرسة راهبات المار يوسف، "لأرو القصة من أولها، وهي التي أخذت ذلك الشطر الطويل من عمري فتى يافعاً وشاباً اكتملت عنده سن الرجولة، أي من سن الـ 17 حتى سن الـ 29، وهي قصة طويلة تفرعت في مراحلها وأطوارها في تلك السنوات الطوال، وكانت على عمقها وما فيها من صلة حميمة عذرية على الدوام حفظت لي عفتي وعذريتي، على الرغم مما اعترضني من إغراءات، لا سيما أثناء وجودي في لندن بين سنتي 1925 و1927، إلى اليوم الذي انتهت فيه تلك الرابطة التي مرت بمرحلة الخطوبة سراً وحتى الاقتراب من الزواج".

 

 

يضيف، "كانت بداية كل ذلك في دوما (سوريا) حيث أمضى والدي بعد سجنه صيفاً كاملاً مع رفاق السجن، ووافاه إلى هناك معظم أفراد العائلة وكنت منهم، وكانت هناك عائلة مسيحية مؤلفة من والد طرابلسي وزوجة يونانية مع أربع فتيات، أولى لقاءاتنا بأولئك الفتيات مع والدتهن كانت في شارع بلدة دوما الرئيسي حيث يزدحم المصطافون عصر كل يوم، كما كانت العادة في قرى لبنان الاصطيافية، يتمشون ذهاباً وإياباً فيلتقي بعضهم ببعض أصدقائه أو معارفه بينما يتابع الآخرون، ثم تعارفنا مع العائلة عند زيارة رب العائلة، كمعظم المصطافين وأبناء دوما، لوالدي الذي كان منفياً هناك، فكانت الزيارات المتبادلة بين العائلتين وكانت النظرات المتبادلة المختلسة بيني وبين أجملهن وكبيرتهن ليلى، وتكررت الزيارات وتكررت النظرات ذات المغزى، فابتدأ عندي عهد من العشق الجديد لم أعرفه من قبل وأرويه هنا بالتفصيل، لأنه ترسخ ونما مع السنين التي كان فيها التواعد ثم الترابط في خطوبة مكتومة إلا على القربين، مثل شقيقتي عنبرة وزوجها".

يتابع، "من كان يتصور أنني بعد إصغائي إليهما (شقيقته وزوجة أخيه علي) تلك الساعة القصيرة، سأتخذ قراراً حاسماً بفك ارتباطي بعد 12 عاماً من العشق والغرام الولهان مع معشوقتي ومدار أحلامي وخطيبتي ليلى؟ أجل لقد كانت حججهما أقوى من شعوري، وفعلت فعلها في عقلي وضميري، وباختصار اقتنعت بأن من الظلم لليلى وهي حلم حياتي قبل أن يكون ظلماً لي، أن أبقى مصراً على الزواج بها رغم اختلاف الدين بيننا، فأنا ذاهب للسكن في بيروت مع والدي، شيخ مسلمي بيروت، مع ما كانت عليه عيشة بيروت الإسلامية في ذلك الزمن ومعظم نسائها لا يزلن محجبات، ولم يكن مثل هذا الزواج يومها مرضياً عنه، مع العلم بأن أبو علي كان من أكثر الناس تسامحاً مع إخواننا المسيحيين، بل إن مثل هذا الزواج كان عملاً مرفوضاً رفضاً تاماً عند الناس كافة من مسلمين ومسيحيين.

وعلى الرغم من اعتقادي بأن والدي لم يكن ليمانع مثل هذا الزواج بالنسبة إلى ما عرفته فيه من انفتاح على كل تطور، كان علينا أن نأخذ في الاعتبار أيضاً رفض والديها رفضاً حاسماً هذا الزواج في العام 1930، عندما بلغهما ما بيننا من علاقة ورباط، فكيف عند ابن أبو علي وصائب بالذات تجاه المحيط البيروتي آنذاك؟".

الغريب أن هذه الخاتمة الحزينة تحمل عنوان "وانتهى الحب بضغط من أبو علي"، أي والد صائب سلام، في حين أن الراوي خلالها لا يذكر أي ضغط، ولا يعرف القارئ إذا ما كان أبو علي سلام قد عرف بقصة الحب تلك أم لا، ولا إذا ما كان هو من أرسل الشقيقة وزوجة الأخ لإقناع صائب أم لا، فالراوي في هذه الخاتمة التي يبدو أن مبضع الرقابة قد اشتغل فيها، يتحدث عن اقتناعه بحجج شقيقته وزوجة شقيقه من دون أي ذكر لضغط.

وما يثير الالتباس هو أن أبو علي بعد انتهاء قصة الحب العاصف تلك وقرار صائب ألا يتزوج طوال حياته، قد "جعل همه الأول أن يجد لي عروساً، حتى لم تبق صبية في لبنان أو فلسطين أو سوريا تصلح بنظره أو بنظر العائلة زوجة لي، إلا حاول بواسطة والدتي وأشقائي أن يقنعني بها، فبقيت عاصياً على الرغم من أنني لم أعص والدي في حياتي مرة".

وبشيء من الحزن يقول، "بعد تلك المرحلة القاسية من تبدد أحلامي بعد الفراق مع ليلى تبدلت طبيعتي الحساسة جداً، وتحجرت عاطفتي أو كادت، فرحت أحاول نسيان الماضي وما كان فيه من رومانسية".

محطات تاريخية

بعد أن يقدم صائب سلام رواية عن علاقة والده بأرض الحولة في فلسطين التي "اشترط قبل أن يبيعها أن يتملكها فلسطينيون من أبناء المنطقة"، (هذه القصة التاريخية المعقدة تروي شقيقته عنبرة جوانب منها في جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين)، تبدأ رحلته السياسية "بالسير على خطى الوالد" الذي ودعه في يونيو (حزيران) 1938 ومعه "الزعامات العربية كلها".

 

 

وليس غريباً أن يفتتح صائب سلام مسيرته بإشكال طائفي في لبنان، هي حكاية "6 و6 مكرر" التي يرويها على الشكل الآتي: "على أثر توقيع المعاهدة الفرنسية - السورية عام 1936 قامت في لبنان مجموعة تطالب بمعاهدة مشابهة، ونجحت في ذلك حين سافر إميل إده، رئيس الجمهورية آنذاك، إلى باريس ووقع المعاهدة التي جوبهت بمعارضة شديدة من قبل المسلمين وفي مقدمهم والدي أبو علي ومعه المجلس الإسلامي الذي كان يترأسه، مما اضطر دو مارتيل المندوب الفرنسي السامي إلى الاتصال بأبو علي عبر رسالة نشرتها ’ريفيو دي ليبان‘ مع صورة لأبو علي يؤكد له فيها تعديل المادة (6) من المعاهدة المذكورة بهدف صون حقوق الطوائف في لبنان، وقد أتى التعديل بإضافة فقرة 6 بيس- (أي ستة مكرر)، وهذا ما أدى في ما بعد إلى خطأ شائع بأن حرفت ’السيس بيس‘ لتصبح بالمفهوم اللبناني ’6 و6 مكرر‘ بالنسبة إلى التشابه اللفظي، وصار يقصد بها التساوي بين المسلمين والمسيحيين، وهذا غير صحيح بتاتاً".

كذلك ليس غريباً أن تكون المحطة السياسية الأولى لصائب سلام انتخابات نيابية "مزورة" (1936)، وقصتها وفق الراوي "كان الفرنسيون يعارضون بشدة رياض الصلح لمصلحة المرشح خير الدين الأحدب المعين من قبلهم رئيساً للوزراء، فيما كان عمر بيهم زعيماً قوياً ولكنه كان من الساسة المعتدلين، إذ كان عضواً في المجلس النيابي مع عمر الداعوق من 1929 أثناء غياب أبو علي في لندن، وقد دعم أبو علي ترشيح عمر بيهم ورياض الصلح مادياً وشعبياً، كما أشرفت شخصياً بمعاونة المحامي رامز شوقي وبعض الشباب على عملية تنظيم الماكينة الانتخابية التي قامت بالاتصال المباشر بالناخبين لتأمين مشاركتهم ومدهم بالتوجيهات والمناشير وتنظيم المهرجانات الانتخابية، وشن الفرنسيون معركة شرسة ضد مؤيدينا دعماً لمرشحهم الأحدب، فمنعوا أنصارنا من المشاركة في الانتخاب وزوروا نتائجه، واستدعي المندوب السامي دو مارتيل عمر بيهم وحاول أن يقنعه بضرورة انسحاب رياض الصلح من المعركة لأن الفرنسيين مصرون على مقاومة ترشيح الاثنين معاً، وعرض على بيهم أن ينسحب رياض الصلح تاركاً له أن يختار أي رفيق آخر بدلاً منه، فكان جواب عمر بيهم أنه لا يمكن أن ينصح رياض الصلح بالانسحاب، لكن إذا أراد رياض نفسه أن ينسحب فإنه يختار رفيقه صائب سلام، وكنت لا أزال في الـ 31 من عمري، حتى أن كثيرين استغربوا عندما شاع هذا الخبر، كيف أن شاباً في سني يصبح نائباً عن مسلمي بيروت إلى جانب عمر بيهم، وقد حاول الفرنسيون بواسطة رئيس الحكومة خير الدين الأحدب أن يأخذوا موافقة رياض الصلح على الانسحاب، لكننا قررنا جميعاً باقتراح من والدي وبموافقة عمر بيهم ورياض الصلح أن ينسحب الجميع من المعركة الانتخابية، وكنت أكثر المسرورين بهذا القرار لما تضمنه من اتفاق الجميع على رأي واحد، ولم أشعر بأي غضاضة لعدم دخولي البرلمان المزور آنذاك، وقد أقمنا الدنيا ولم نقعدها احتجاجاً على تزوير الفرنسيين الفاضح لنتائج الانتخابات، فكنت أرسل باسم المجلس الإسلامي والهيئات الوطنية برقيات الاحتجاج لعصبة الأمم وللمندوب السامي وللمسؤولين في باريس، مستنكراً الاستبداد الفرنسي وقمعه للحريات وتعليقه الدستور".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويجد صائب سلام الذي يقدم رواية مهمة عن مرحلة تأسيسية في تاريخ لبنان أنه لا بد من التوقف عند "المؤتمر الإسلامي" الذي "عقد للتصدي لنهج رئيس الدولة أيوب ثابت الذي أصدر مرسوماً يحدد المقاعد النيابية المخصصة للمسيحيين استناداً إلى عددهم المبالغ فيه خلال إحصاء العام 1932، إضافة إلى أعداد المغتربين الذين أضيفوا إلى جداول الانتخابات ومعظمهم من الموارنة والمسيحيين، وهذا غير منطقي وأقل ما يقال عن صاحبه أو متبنيه أنه متعصب للسياسة المارونية المتطرفة، إذ كيف يمكن الإقرار لمغترب أصبح من رعايا بلد اغترابه ولا يدفع الضرائب في لبنان، وقد لا يعلم شيئاً عن لبنان وأوضاعه، بمشاركته في الانتخابات النيابية، علماً أن المبدأ الأساس في الانتخابات البرلمانية الديمقراطية هو أن حق الانتخاب يتلازم مع حق دفع الضرائب، وتعصب أيوب ثابت يذكرني بموقف الموارنة الذين رفضوا الموافقة على نظام علماني للبنان، يوم توصل كارتل الأحزاب اليسارية الفرنسية عام 1924 إلى حكم فرنسا، فقد قرر اليسار يومها إلغاء الطائفية في لبنان، ووضع الجنرال سراي العلماني، الذي أرسل مندوباً سامياً إلى سوريا ولبنان، نظاماً أصدره بمراسيم قانونية ما زلت أذكرها، قسم بموجبه لبنان إلى 13 دائرة انتخابية تشكل كل منها خليطاً من المسلمين والمسيحيين على قدر الإمكان، مما يؤدي إلى خلط الأوراق الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، فما كان من الموارنة المتعصبين والبطريركية المارونية على رأسهم إلا إعلان الاستنفار العام بين صفوف الطائفة وتشكيل وفد ذهب إلى باريس ونجح في حملته بإقناع المسؤولين الفرنسيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الراديكالي العلماني إدوار هريو، بإلغاء تلك المراسيم وإصدار أمر بذلك للجنرال سراي".

ويروي صائب سلام، "حاولت التعاون لرأب الصدع بين المسلمين والمسيحيين، وقد أصرت البطريركية على أن يكون عدد النواب الموارنة 29 من 55، وكان ردنا أن طالبنا بإجراء إحصاء شامل للسكان، تحدد على أساس نتائجه نسبة التمثيل النيابي لكل طائفة في لبنان، إذ كان قد مضى زمن طويل على إحصاء 1932، إضافة إلى ما فيه من شوائب جعلت نتائجه مغايرة لواقع التوزع الطائفي للسكان حتى في عام 1932، ولما تأزمت الأمور تدخل الجنرال سبيرز، وكنا مجتمعين في منزل المفتي توفيق خالد في بحمدون، فأتى ليعرض علينا بصورة موقتة أن تكون نسبة المسلمين إلى المسيحيين في المجلس النيابي خمسة إلى ستة بانتظار إجراء الإحصاء، خصوصاً أن القضية الأساس هي في نيلنا الاستقلال، وعلى أثر هذا التوافق اضطر الفرنسيون إلى إقالة رئيس الدولة البروتستانتي وتعيين بترو طراد الأرثوذكسي مكانه".

الاستقلال... "القصة الحقيقية"

يفتتح صائب سلام الحديث عن سنة 1943 التي شهدت استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، بالـ "صراع على رئاسة الجمهورية"، وعلى الرغم من أن هذا نتيجة التزام الراوي بالتوالي الزمني، إلا أنه يثبت طابع الذكريات للكتاب ويجعله شهادة من أحد المشاركين في الاستقلال من زاويته ووجهة نظره التي تضاف إلى الروايات الأخرى لتكمل المشهد أو تغنيه.

يكتب، "عندما طرحت مسألة انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1943 بدأنا نجمع صفوفنا ونلتف حول بشارة الخوري، إذ أخذت المعركة طابع المنافسة بين مرشح الفرنسيين ومرشح الاستقلاليين، وتكرس انتخاب بشارة الخوري بتعهد كتابي، وانتخاب صبري حمادة رئيساً لمجلس النواب بتعهد شفهي، لكونه من أقدم النواب في المجلس وليس لكونه شيعياً، لأنني (وهو من رشحه أولاً) لم أفرق يوماً بين السني والشيعي، أما رئاسة الوزراء فلم تكن أمراً مستحدثاً، فقد شغلها السنّة أيام الانتداب الفرنسي قبل 1943، وجرى تشكيل ست حكومات ما بين يناير (كانون الثاني) 1936 ومارس (آذار) 1943 وتولى رئاستها هير الدين الأحدب، خالد شهاب، عبدالله اليافي، أحمد الداعوق وسامي الصلح، يضاف إليهم عبدالله بيهم الذي كان أميناً لسر الدولة مع النظام الموقت، وتلك كانت بمثابة رئاسة وزارة. وهكذا فالجديد في المر هو انتخاب صبري حمادة وليس موضوع رئاسة الحكومة، أما الميثاق الوطني، وهو غير مكتوب، فيمثل تفاهماً وتوافقاً إسلامياً مسيحياً على نبذ الاحتلال والحماية الأجنبية على بلد حر مستقل هو لبنان، فلبنان قام على هذا التوافق وليس بناء على صفقة بين المسلمين والمسيحيين كما يردد بعضهم، وهو لا يستمر من دون هذا التوافق الإسلامي - المسيحي، كما أن الميثاق ليس الصيغة السياسية أو غيرها من الصيغ كما يظن بعضهم، فالصيغة غير الميثاق والميثاق غير الصيغة".

وفي سياق سعي صائب سلام إلى الإضاءة على دوره في الاستقلال وسط سطوة الرواية الأقوى التي تمنح البطولة لبشارة الخوري ورياض الصلح وآخرين، يكتب سلام تحت عنوان "اعتقال زعماء لبنان... الحكاية الحقيقية" الآتي، "عدلنا الدستور فطار صواب الفرنسيين الذين لم يتخذوا موقفاً واضحاً بانتظار عودة المندوب السامي هللو من مقر الجنرال ديغول رئيس حكومة فرنسا الحرة في الجزائر، وخرجت مسرعاً إلى دارة المصيطبة التي كانت مركزي السياسي وبدأ الناس يتجمعون عندنا. زارني هنري فرعون وكان قد علم بالأمر من الجنرال سليمان نوفل قائد الشرطة والدرك الذي كان قد نال هذا المنصب بتدخل من هنري فرعن نفسه الذي أيده كاثوليكياً عندما تسلم بشارة الخوري رئاسة الجمهورية، وأخبرت فرعون بعزمي التوجه إلى منزل رياض الصلح، فعلى الرغم من علاقة رياض الفاترة بي في تلك الفترة، تناسيت كل شيء ما عدا ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني في سبيل تحقيق الاستقلال كاملاً، وتوجهت من المصيطبة إلى منزل رياض في رأس النبع على رأس تظاهرة كانت تتزايد باستمرار كلما انتقلنا من شارع لآخر، وقد حملني خلالها المتظاهرون على الأكتاف على عادة ذلك الزمن، وكنت أهتف بهم ’بدنا بشارة... بدنا رياض... بدنا الاستقلال‘ وهم يرددون ذلك معي، ووصلنا إلى منزل رياض فتكلمت مع زوجته مؤكداً لها تصميمنا على المطالبة بالإفراج عنه وعلى وحدة الصف والهدف، ثم خرجت إلى شرفة المنزل وألقيت خطاباً حماسياً في المتظاهرين مؤكداً على وحدة صفنا، وقلت إذا اعتقل الفرنسيون رياض الصلح فكلنا مع رياض، وكل واحد منا رياض في المطالبة بالاستقلال التام وبعودة رياض"، وبعدها عدت إلى المصيطبة ومن هناك حيث كانت الجماهير تحتشد، توجهنا مع المتظاهرين إلى البرلمان، وعند وصولنا وجدنا بابه الحديدي الضخم وقد أقفله الفرنسيون المحاصرون للمبنى وساحته، ولما تعذر فتحه جاءنا أحد موظفي المجلس واسمه عبدالكريم حاملاً المفتاح، ففتح لنا الباب ودخلنا ودخل معنا فريق من المتظاهرين، فالتقينا مارون كنعان نائب الجنوب عن جزين، ثم وصل رئيس مجلس النواب صبري حمادة نائب البقاع عن بعلبك والهرمل، ورشيد بيضون نائب بيروت، ومحمد الفضل نائب الجنوب عن النبطية، إضافة إلى هنري فرعون نائب البقاع عن زحلة وأنا نائب بيروت، فبلغ عددنا بذلك ستة نواب، ووصل سعدي المنلا نائب الشمال عن طرابلس بعد ذلك إلى المجلس فمنعه السنغاليون من دخوله. وكان للمجلس نوافذ من جهته الجنوبية حيث احتشد مؤيدونا ومن بينهم رفيقي الرياضي حسين سجعان الذي حمل سعدي المنلا ورفعه باتجاه النافذة حيث تناولته وأدخلته المجلس وسط الرصاص الذي أطلقه الجيش السنغالي باتجاهنا، فاضطر جميع النواب الموجودين إلى الانبطاح أرضاً، وبعدما هدأ الرصاص وعقدنا اجتماعاً نحن السبعة في صالة الجلسات بالمجلس اللبناني برئاسة صبري حمادة، وبدأنا بإعداد احتجاج نوجهه إلى دول العالم".

ومما ينتظر أن يرويه صائب سلام قصة العلم اللبناني الذي برز توقيعه على نسخته الأولى، وقد تحولت "رمزاً" في كتب التاريخ والأرشيف والصور، وها هو يسرد الحكاية ولكن باختصار "المطالبة بالاستقلال التام كانت تستدعي وجود علم يرمز لهذا الاستقلال، فقررنا الاتفاق على وضع علم جديد وتخطي الخلافات الطائفية التي كانت مطروحة حول هذه المسألة بين المسلمين والمسيحيين، وحددنا شكل العلم وألوانه الأحمر رمز دماء شهداء الحركة الاستقلالية، والأبيض رمز السلام والأرزة في الوسط، ورسمه سعدي المنلا مع تلوين بدائي ووقعنا عليه نحن النواب السبعة، وتحمل هنري فرعون مسؤولية هذا العلم تجاه المسيحيين، وتحملت أنا شخصياً مسؤولية ذلك تجاه المسلمين. وبقيت المشكلة في كيفية تمرير مذكرات الاحتجاج التي نريد أن نبلغها إلى عواصم العالم، وصورة العلم المرسوم باليد إلى الخارج وسط حصارنا من قبل الجنود السنغاليين، وكان معنا داخل المجلس مفوض عام في الشرطة هو حليم غرغور، فأعطيناه المذكرات وصورة العلم حيث أخفاها في ثيابه الداخلية وخرج من المجلس".

 

 

ويتابع، "استمرت تحركاتنا 11 يوماً ولم ندخر خلالها وسيلة إلا استخدمناها من شعبية وعربية ودولية لتحقيق أهدافنا الوطنية التي أضيفت إلى ضغط تشرشل رئيس وزراء بريطانيا على الفرنسيين، فحققت الإفراج عن معتقلي راشيا في صباح الـ 22 من نوفمبر (تشرين الثاني)، وأخذت تتطرق إلى مسامعنا همساً أخبار مفادها أن الجنرال كاترو أحضر بشارة الخوري من راشيا إلى مكتب الأمن العام في الخندق العميق، وتباحث معه في الوضع القائم، كما أنه أحضر رياض الصلح وحده وتباحث معه منفرداً في الموضوع، ولم ندر ماذا حصل في الاجتماعين، لكن القلق استبد بكثيرين منا تشوقاً إلى معرفة النتيجة، وكان يوم الإفراج عن بشارة الخوري ورياض الصلح ورفاقهما، يوماً تاريخياً مشهوداً، فتوجهت مع هنري فرعون في تظاهرة حاشدة بالسيارات لاستقبالهم والتقيناهم بمنطقة الجمهور، وعدنا وإياهم إلى بيروت بسيارة مكشوفة كنت قد أحضرتها لهم، وما إن وصلنا إلى منزل بشارة الخوري حتى كان عشرات اللوف من المواطنين يتجمعون حولنا، فكان استقبالاً وطنياً رائعاً جسد لهفة اللبنانيين وإصرارهم على نيل الاستقلال، وخلال وجودنا مع آخرين في مكتب بشارة الخوري استأذن بشارة وقصد دورة المياه في زاوية مكتبه فلحقنا به، أنا وهنري فرعون، وأقفلنا الباب لاستيضاحه عما جرى بينه وبين الجنرال كاترو، لا سيما أننا كنا قلقين من كثرة الشائعات بهذا الصدد، خصوصاً ما ذكر عن مساومة على رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، فأبلغنا أنهم حاولوا معه المساومة على مسألة رئاسة الوزراء وكان رفضه جازماً، لأنه متمسك برفيقه رياض الصلح، ثم أكد لنا مشيراً إلى حذائه أن رئاسة الجمهورية من دون استقلال وكرامة لا تساوي عندي هذا الحذاء".

مصر و"ثورة" 1958 وشمعون

وبعيداً من لبنان يسترجع صائب سلام ذكرى لقائه الأول بقادة "مصر الثورة"، والصداقة التي جمعته بعبدالحليم حافظ، ثم يعود للبنان وسياسييه في محطة تاريخية بارزة حينما "اندلعت حرب السويس في أكتوبر (تشرين الأول) 1956 نتيجة لتأميم القناة"، ويروي "ذهبت مع عبدالله اليافي إلى (الرئيس كميل) شمعون وطلبنا منه مقاطعة المعتدين على السويس، ومنهم بريطانيا وفرنسا، فوعد أن يتخذ ذلك الموقف، فلما اتصل بي السفير المصري عبدالحميد غالب أخبرته بموقف شمعون فلم يصدق، وذهبت مع عبدالحميد عامر واجتمعنا مع شمعون لعرض موضوع المقاطعة، فتململ في البداية إلا أنه عاد وأكد موافقته، وحضر الملك سعود إلى دمشق وكان آتياً مع شكري القوتلي إلى بيروت، فذهبت مع سليم لحود إلى المصنع ورافقناهما، ونزل الملك في قصر سرسق الذي كان قصراً للضيافة وانعقد المؤتمر (القمة العربية) ولم أحضره لكونه مخصصاً للملوك والرؤساء، وبدأت الألاعيب السياسية من شمعون بإقناع المجتمعين بعدم اتخاذ قرار المقاطعة لعدم جدواها، وهكذا فشل مؤتمر القمة في بيروت وثارت ثائرتي على شمعون الذي اتخذ في المؤتمر موقفاً مغايراً للذي اتفقنا عليه وقدمت استقالتي من الحكومة".

 

وقد وصلت الأمور بين سلام وشمعون إلى ما يسميه الراوي "اللعبة الطائفية البغيضة، ولم يكتف شمعون بما كان من مجابهتنا يوم التظاهرة، وانتهائي في المستشفى، فأوعز إلى المدعي العام عفيش الذي أصدر مذكرة توقيف بحقي، كما أوقف المئات من مناصرينا ووضعهم في السجن".

وبعدما فكر سلام في مقاطعة الانتخابات في 1957 "تبصراً بما ستؤول إليه نتائجها، بدأنا نشاطاتنا الانتخابية بإقامة المهرجانات في مختلف مناطق بيروت". وبعدما نام سلام ومناصروه في يوم الاقتراع مطمئنين إلى الفوز "جاءني في اليوم لتالي للانتخابات عبدالله اليافي باكراً ليقول لي ’سقطنا وانتهينا‘ فتعجبت من قوله وأجبته ’بل قل اليوم بدأنا‘".

ثم "في أوائل يونيو (حزيران) 1957 وفي غمرة صراعنا المرير مع شمعون فوجئنا بحضور الملك سعود في زيارة رسمية، وطلب إلينا، عبدالله اليافي وحسين العويني وأنا، الاجتماع به في جلسة خاصة، وراح يقنعنا بعدم التصادم مع شمعون فشرحنا له أننا لسنا في موضع الافتراء عليه، بل إنه هو من افترى علينا، فأصبحنا مضطرين إلى أخذ موقف الدفاع، وكانت هذه المصادمات العنيفة والدموية من قبله، وانتقل الملك من بيروت إلى عمّان في زيارة رسمية، إذ طلب إلينا مرة أخرى موافاته إلى هناك، وأرسل لنا طائرته الخاصة، فذهبنا ليوم واحد وعدنا في المساء، وفي عمّان حاول الملك سعود مرة ثانية أن يقنعنا بعدم الاستمرار في مقاومة شمعون، لأنه سمع منه تهديدات صريحة، بأنه سيذهب بهذا الصراع إلى أبعد حدوده وسيبطش بنا وبعائلاتنا، فأجبته إننا يا جلالة الملك لسنا خرافاً، فنحن كنا وسنبقى رجالاً ولنا الكفاءة بأن نقاوم شمعون بكل ما لدينا من إمكانات، وتابعت خطتي بتدعيم الصف الوطني المعارض لشمعون، مركزاً على الشخصيات المسيحية المعارضة، لا سيما منها المارونية مثل بشارة الخوري، لكونه شخصية مارونية تشكل إلى جانب البطريرك المعوشي الدعامة الأساس للمعارضة الوطنية، وخصوصاً بعد مرض حميد فرنجية الذي قصم ظهر الجبهة بخسارة ما كان له من وزن على الصعيد الماروني واللبناني، يفوق بكثير أهمية شمعون حتى وهو في موقع رئاسة الجمهورية، وكل ذلك كي لا تأخذ المعارضة طابعاً طائفياً يخدم شمعون ومخططاته الهادفة إلى الفرز الطائفي".

وقبل أن يروي صائب سلام أحداث حرب 1958، يضع كلمة "ثورة" بين مزدوجين ويقول، "لم يخطر لي في يوم من الأيام فكرة الثورة ولا حتى الانتفاضة المسلحة عندما كنا نقاوم شمعون على الصعيد السياسي، ولهذا السبب أجدني واضعاً كلمة ثورة في هذه المذكرات بين مزدوجين، ولولا أن أحداث 1958 غلب عليها لقب الثورة لما استعملت هذه الكلمة إطلاقاً، والواقع أن ما حدث صيف 1958 لم يكن ثورة بالمعنى المعروف للكلمة، بل كان انتفاضة شعبية سلمية تطورت وأصبحت مسلحة للدفاع عن النفس، يوم حاول شمعون قمع المعارضة بقوة السلاح على أيدي رجال الأمن، أما انطلاقة شرارة أحداث 1958 المباشرة فتعود إلى أمرين، اغتيال الصحافي نسيب المتني ثم أحداث طرابلس الدموية، وكان نسيب المتني من الصحافيين الوطنيين ومن حاملي راية المعارضة، إذ كان يغطي لنا نشاطاتنا على الرغم من يساريته وربما بسببها، وقد اُغتيل المتني ليل الخميس الثامن من مايو (أيار) 1958 وظل قاتله مجهولاً، وكنت ممن يجزمون بأن الرئيس شمعون هو الدافع إلى ذلك من دون أن أمتلك دليلاً مادياً يؤكد جزمي".

وهنا يفتح سلام هامشاً ليروي، "إلى أن حضر إلى منزلي في العام 1983 شخص يلقب بالشاويش وهو قبضاي من القبضايات ويملك محطة محروقات على كورنيش التلفزيون، واعترف لي بأن جماعة شمعون اتصلوا به وأغروه بالمال لتنفيذ الجريمة".

ويتابع، "وابتدأت الحملات علينا من أول الطريق وقبل الثورة، إذ صرح وزير خارجية أميركا مستر فوستر دالاس بأن المعارضة اللبنانية تستوحي نشاطها من الشيوعية، فأدليت برد شديد على الحديث الذي صدر عن مسؤول له مكانته العالمية، ودحضت قوله بأن المقامات الدينية من المفتي إلى البطريرك الماروني تؤيد الجبهة وتحركاتها".

أما مساعدة عبدالناصر لسلام وجبهته فيروي، "كيف ضخمت"، وهي "كانت في الواقع معنوية أكثر منها مادية"، وفي الأثناء، "أرسل لنا السوريون بعض السلاح نقل بواسطة البغال عبر المناطق الجبلية لإيصاله إلى استراحتي في الدوحة خارج بيروت، وقبل أن يصل إلى الدوحة دهم رجال معروف سعد وأخذوا السلاح بالقوة إلى صيدا حيث لم يكن المسؤولون عن القافلة يحملون أي سلاح للدفاع عنها، وهكذا لم نحصل في بيروت إلا على كمية ضئيلة تجمعت على أيدي بعض الشباب الذين تبرعوا بمساندة الحركة وجادوا بدمائهم وشبابهم من دون أي مقابل، أما في الشمال وفي الشوف فقيل لنا إن السوريين أعطوا كلا من كرامي وجنبلاط ما يقارب 5 آلاف بندقية".

وبدأت المواجهات العسكرية وجاءت القوات الأميركية إلى الشواطئ اللبنانية، "أما موقفي من الجيش (اللبناني) فكان الحفاظ على وحدته كي يبقى سليماً بعد نهاية الأحداث"، يقول سلام.

إلى أن جاء "المندوب الأميركي روبرت مورفي إلى بيروت قبيل انتهاء الثورة وطلب الاجتماع بي، والتقينا بوجود السفير الأميركي في بيروت ماكلنتوك، فبادرني بتبرير تأخيره اللقاء معي بأنني الوحيد، من بين الذين قابلهم، القادر على اتخاذ القرار، وأكد رغبة بلاده في حل الأزمة سلمياً وقال إن وجود المارينز في بيروت مرتبط بالثورة في العراق، وفيما كان يستعرض معي أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية كان تعليقي أن بشارة الخوري هو أقوى الرجالات السياسية، لكن عودته إلى الحكم غير مقبولة، لا سيما أننا في هذه الظروف بحاجة إلى رئيس تكون عنده القدرة على فرض هيبة الحكم وإعادة توطيد الأمن والاستقرار المفقودين آنذاك في لبنان، وكذلك المؤسسات الشرعية إلى وضعها الطبيعي، وهذه الميزات لا تتوافر إلا في شخص فؤاد شهاب، لكونه قائداً للجيش وقد سبق له أن تولى مقدرات البلاد يوم استقالة بشارة الخوري".

 

وبدأت "التهيئة لانتخاب فؤاد شهاب" ثم الخلافات فالصدامات معه، وصولاً إلى ندم سلام على ذلك لكونه أطلق يد الاستخبارات ولكونه كان يسعى إلى دب الفتنة بين المسلمين وفق سلام، لكن على الرغم من معارضته شهاب وعهده بعدما كان رئيساً للحكومة في البداية، إلا أنه لم يتحالف مع خصوم شهاب في الحلف الثلاثي، شمعون ورئيس حزب الكتائب وعميد حزب الكتلة الوطنية ريمون إده.

ما لا يذكره

والغريب في هذه المرحلة هو أن صائب سلام لا يذكر في صفحاته الطويلة شعاره الذي ذهب مثلاً ابتداء من تلك المرحلة "لا غالب ولا مغلوب"، وقد رفعه بعيد أحداث 1958، وكذلك لا يتطرق لمداخلته المهمة في الندوة اللبنانية خلال أبريل (نيسان) 1961، وحملت عنوان "لبنان واحد لا لبنانان"، وجاء فيها أن هناك "ثلاث حقائق اجتمع عليها اللبنانان وانبثق منهما لبنان الحديث، الأولى أن لبنان لم يبق لطائفة أو طوائف معينة من أبنائه، فباعتراف الفريق الآخر به أصبح للجميع على السواء، وانتفت عنه حكماً صفة الملجأ الديني واكتسبت معنى الوطن، والثانية أن لبنان الذي استقل بفضل الميثاق الوطني ونتيجة له دولة حرة سيدة، فأرضه كل لا يتجزأ ولا يجوز لأحد أن يخرق حرمة حدوده أو يعبث بكيانه، والثالثة أن لبنان عضو في الأسرة العربية الكبيرة ويتعاون مع سائر أعضائها في كل ما يؤول إلى خيره ودفع الشر عنها، وقد كرس لبنان هذه العضوية بانضمامه إلى جامعة الدول العربية سنة 1954".

ويعتبر سلام في تلك المداخلة التي قال فيها إن "الطائفية تفرقنا والدين يجمعنا"، أن "الهدفين اللذين ينبغي أن نضعهما نصب عيوننا هما "أولاً خلق المواطن اللبناني الواحد، وثانياً خلق المواطن اللبناني المختص".

والغريب اللافت أيضاً أن صائب سلام الذي كان لا يزال حاضراً بقوة في المشهد السياسي اللبناني، في 1966، لا يتطرق إلى أزمة "بنك إنترا" التي هزت لبنان مالياً وسياسياً واجتماعياً إلا من باب الحديث عن "هشاشة الوضع الاقتصادي" إزاء ظروف سياسية محلية وإقليمية معقدة، ومصدر الغرابة هو أن هناك أبحاثاً ومصادر تاريخية تشير إلى دور ما لسلام في تلك الأزمة، فهذا الباحث كمال ديب يكتب في مؤلفه "يوسف بيدس إمبراطورية إنترا وحيتان المال في لبنان"، "إضافة إلى (رئيس الجمهورية شارل) حلو، كانت لائحة أعداء بيدس طويلة، إذ قال عنهم بيدس" (صائب) سلام يهددني وانضم إلى أعدائي بعدما رفضت تسليفه 3 ملايين ليرة، فقام بتوزيع 8 آلاف منشور مليء بالأكاذيب عن إنترا والممولين، وسلام دعم الرئيس اليافي بعدما كان خصمه السياسي شرط أن يأتيه برأسي" (ص 400).

المزيد من كتب