مشاريع عملاقة بكلفة 120 مليار دولار لتحقيق استقلال أوروبا في تصنيع البطاريات

السيارات الأوروبية ستصبح كهربائية بالكامل ومستقبلها مرهون بإنتاج الأحجام الأكبر  

تتحضّر السويد لبناء مصنع ضخم لإنتاج البطاريات على مساحة شاسعة من الأرض الرمادية بحجم 60 ملعباً لكرة القدم (رويترز)

بات إتقان صناعة البطاريات الكهربائية ضرورياً لاستمرار قطاع تصنيع السيارات الأوروبية. لكن الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبات في تجميع القوى في هذا المجال وتنسيق المبادرات. وتتحضّر السويد لبناء مصنع ضخم لإنتاج البطاريات لـ"اتحاد نورثفولت" الأوروبي، على مساحة شاسعة من الأرض الرمادية بحجم 60 ملعباً لكرة القدم. المدة المقدرة للبناء هي 5 سنوات، ويُتوقع له أن ينافس مصنع "تسلا" في نيفادا، وهو الأكبر في العالم حتى الآن. وتسعى أوروبا إلى خوض معركة البطاريات الكبيرة المقبلة وسط مواجهة اقتصادية واسعة على نطاق القارات، يمكن أن يكون لها عدد من العواقب في القرن الحادي والعشرين، شبيهة بالسباق على إمدادات النفط منتصف القرن الماضي.

الكربون والتحوّل

ويرتبط بهذا الصراع الضخم مستقبل السيارات التي ستصبح كهربائية بشكل لا يقبل الجدل. ففي أوروبا وآسيا وبدرجة أقل في أميركا الشمالية، تدفع حالات الطوارئ المناخية بالحكومات إلى وضع خطط لاستبدال محرك الاحتراق الداخلي، بالمحرك الكهربائي المدعوم ببطارية. وفي الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، ستُفرض على مصنعي السيارات غرامات تصل إلى مئات ملايين الدولارات لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 37.5٪ بين 2021 و2030، ما يعني حكماً وجوب التحول إلى إنتاج سيارات كهربائية.

ويقول الخبير في تكنولوجيا صناعة السيارات برنارد إليو لـ "إندبندنت عربية" إن "دراساتٍ استشارية أظهرت قبل نحو عامين، أنه تم تزويد 5٪ من السيارات المباعة في جميع أنحاء العالم ببطارية دفع، سواء كانت هجينة أو كهربائية بالكامل". وأضاف أنه "في السنة 2025، قد ترتفع هذه النسبة إلى 25٪، ثم إلى 50٪ في السنة 2030"، وأشار إلى أن هذه الظاهرة إلى تسارع بعدما أعلنت شركة "تويوتا" اليابانية العملاقة مطلع هذا الشهر أن نصف إنتاجها سيتكون من المركبات الكهربائية، بما في ذلك الهجينة مع حلول السنة 2025، وتتطلع إلى إنتاج كهربائي كامل في السنة 2030.

سيطرة آسيوية

وبالنسبة إلى أوروبا وحدها، يمكن أن يصل الطلب على استهلاك البطاريات الكهربائية إلى 400 غيغاوات ساعة بحلول عام 2025، ما يوازي إنتاج 10 مصانع عملاقة. ومع ذلك، في السيارة الكهربائية الكاملة، تمثل البطارية 40٪ من سعرها النهائي. وبحسب دراسة أجريت أخيراً لمركز الطاقة التابع لـ "المعهد الفرنسي للعلاقات الدوليةIFRI "، فإن الكيمياء الكهربائية للخلايا تمثل 70٪ من القيمة الإجمالية للبطارية، بمعنى أنها ستكون عاملاً رئيساً في سلسلة قيم السيارات المستقبلية. وكان الوضع حتى السنة 2019 مختلفاً تماما. فالإنتاج الصناعي لخلايا بطاريات السيارات الكهربائية، الذي يعتمد الآن على تكنولوجيا "ليثيوم أيون" هو في أيدي الشركات المصنّعة الكورية والصينية واليابانية. وتسيطر القارة الآسيوية بنسبة 89٪ على الطاقة الإنتاجية حتى العام 2018. والمصانع الكبيرة خارج آسيا تنتمي إلى شركة "LG Chem" الكورية أو "SK Innovation" أو "Panasonic" اليابانية.

صحوة أوروبية

ويرى الخبير إليو أن "الاعتماد الحصري على اثنين أو 3 من المورّدين الآسيويين خطر على السيادة وعلى مستقبل السيارات الأوروبية. ففي حال عدم وجود خلايا عالية الأداء، يمكن أن تفقد صناعة السيارات الأوروبية معركة السيارة الكهربائية"، واستند إلى دراسة أجراها "المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية" مفادها أن "هاجس أوروبا في الوقت الراهن هو توفير بطاريات من صنع دول الاتحاد"، وفي هذا الإطار أكدت شركة "فولكسفاغن" الألمانية أنها ستستثمر قرابة مليار و100 مليون دولار في مشروع "نورثفولت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الصعيدين السياسي والصناعي، يدرك الجميع الوضع الملحّ، ويعمل المفوض الأوروبي للطاقة السلوفاكي، ماروس سيفكوفيتش، على توحيد الطاقات في هذا الاتجاه. ويقول إنه "بالنسبة إلى القارة، فإن سوق البطاريات ستصل إلى نحو 285 مليار دولار في سنة 2025، ويحتمل أن يتفاوت عدد الوظائف ما بين مليونين و3 ملايين وظيفة"، وأضاف "سنكون أكثر دينامية في البطاريات مما كنّا عليه في الإلكترونيات الدقيقة في الماضي. يجب أن نستلهم نجاح إيرباص مثالاً ليس للتعاون الصناعي فحسب، ولكن أيضاً المالي والسياسي والمؤسسي والدبلوماسي".

تحالف ومشروع ومصنع

ونتيجة هذا المنحى كانت إنشاء "التحالف الأوروبي للبطاريات"، الذي انضمت إليه 260 شركة، مع إمكانات استثمار محتملة مقدارها 114 مليار دولار. وهناك مشروعان ناشئان بالفعل. فمن ناحية، يهدف الكونسورتيوم، الذي تم جمعه حول "نورثفولت" السويدية، إلى التحكم في سلسلة إنتاج البطاريات بأكملها، من المواد الخام إلى التصنيع، إلى إعادة التدوير. وتم في منتصف يونيو (حزيران) جمع نحو مليار يورو من "فولكسفاغن" و"بي أم دبليو" و"أيكيا" وبنك "غولدمان ساكس" الأميركي.

أما المشروع الآخر فهو فرنسي ألماني، أطلقه وزيرا الاقتصاد برونو لومير وبيتر ألتماير، اللذان أكدا على أهمية قطاع البطاريات في الاستقلال التكنولوجي والاستراتيجي للقارة. ورأى الوزير الفرنسي أن "القيمة هي في البطاريات، وإذا فُقدت فسنفقد معها صناعة السيارات والوظائف التي تعمل في إطارها"، ويُعد مشروع الوزيرين أصغر من "نورثفولت، "فهو يقدّم 5 مليارات و700 مليون دولار، منها 1.68 مليار عبارة عن تمويل عام في إطار مشاريع المصلحة الجماعية للاتحاد". وتشارك فيه 7 دول، هي: ألمانيا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا وإيطاليا وبولندا والسويد. وتم التخطيط بموجبه لإنشاء مصنعين في السنة 2020، أحدهما في ألمانيا، والآخر في فرنسا.

وعلى الجانب الفرنسي، تتصدر شركة "سافت" التابعة لـ "توتال" منذ العام 2016، تحالف 20 شركة بما فيها "سولفاي" و"مانز" و"أوميكور و"سيمنز". وأعلنت شركة "بي أس إي" علناً عن رغبتها في الانضمام إلى المشروع، لكنها لم توقع بشكل رسمي بعد. ويأمل الوزير لومير، الذي يشارك بقوة في المحادثات المتعلقة بهذا المشروع، في وضع حجر الأساس لمصنع فرنسي رائد لصنع البطاريات قبل نهاية هذا السنة.

العقبات المالية

ويشير الخبير برنارد إليو إلى أنه "بشكل عام، يتفق الجميع على وجوب المضيّ بسرعة في هذه المشاريع، لكن عند الدخول في التفاصيل، تبدو الأمور أقل وضوحاً. فالمشكلة الرئيسة تتمثل في الحجم الهائل للاستثمار. وتتفاوت تقديرات الدفعة الأولى لإنتاج 10 غيغاوات ساعة من التخزين سنوياً بما بين مليارين و4 مليارات يورو".

ويقول مدير إحدى الشركات المتخصصة في مجال تصنيع بطاريات الحافلات والدراجات البخارية إن "إنتاج خلايا البطارية هو صناعة مكلفة"، وهو يفضّل العمل على تأهيل الخلايا بدلاً من إنتاجها. وأوضح أن "العمل الكيميائي طويل ومكلف ويحتاج من 10 سنوات إلى 15 سنة من البحث لتطوير الخلية الصحيحة من المواد المناسبة. وهذا يشبه صناعة المعالجات الدقيقة، مع عمليات صعبة  للغاية"، وتطالب الشركات المعنية بأنه "كي تكون هناك إرادة صناعية، يجب تأمين مساعدات ضخمة من الاتحاد الأوروبي"، ويرى هؤلاء أن المنافسين الآسيويين ليس لديهم الالتزامات البيئية والاجتماعية نفسها كالشركات الأوروبية. لذلك من الضروري تسهيل الوصول إلى تمويل من الاتحاد.

الجيل المقبل

يضاف إلى هذه التحفظات الاختلافات المحتملة في الاستراتيجية التكنولوجية التي سيتم تبنيها. فبالنسبة إلى مراقبين ألمان، يتوجب التوقف عن اللهاث وراء الكوريين والصينيين الذين يتقدمون على الأوروبيين بأكثر من 10 سنوات، ويجب الذهاب مباشرة إلى الجيل التالي من البطاريات، التي يجب أن تكون "شديدة الصلابة" وأكثر إحكاما وأماناً وأقل تلويثاً للبيئة، مقارنةً ببطارية تعمل بالـ(ليثيوم أيون)".

وفي هذا الإطار، قررت شركة "بوش" أكبر متعاقد مع شركات السيارات، عدم الاستثمار في مصنع لخلايا البطاريات، معتبرة أن ألمانيا ارتكبت خطأ عندما اعتقدت أنه يمكنها إنتاج الألواح الشمسية محليا. فقد تفوّق  الصينيون والكوريون واليابانيون في هذا السباق.

المزيد من اقتصاد