Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة تأكل أسماكاً غير صالحة بسبب الصيد الجائر

حصة الفرد 2.5 كيلوغرام سنوياً وهي أقل مما حددته الـ "فاو"

حصة الفرد في غزة من استهلاك الأسماك 2.5 كيلوغرام وهي أقل مما حددته "فاو" بحوالى 13 كيلوغراماً للفرد (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

مع ساعات الصباح الأولى أشعل الصياد الفلسطيني مفلح أبو ريالة فتيل محرك مركبته كبيرة الحجم والمعروفة محلياً باسم "لنش الجر"، ومن دون أن تتحرك من مكانها داخل ميناء غزة ألقى بمساعدة زملائه شباك الصيد ذات اللون الأحمر، وبعدها شرعت السفينة بالإبحار.
وصل "لنش الجر" إلى مسافة تقارب الـ 10 أميال بحرية، لكنه لم يمكث في مكان لمواصلة رحلة الصيد، بل بدأ أبو ريالة بالتجول في البحر، مرة باتجاه الشمال وأخرى صوب الجنوب، واستمر ذلك لنحو 12 ساعة متواصلة، ثم عزم على العودة لشاطئ غزة، وفور وصوله الميناء جمع الشباك ليلتقط صيده الوفير من الأسماك.

خطوة اضطرارية

فعلياً كل ما قام به الصياد غير قانوني وفيه تهديد للحياة البحرية ويعد من ممارسات "الصيد الجائر"، فعملية رمي الشباك داخل الميناء ممنوعة لأنها تتسب في صيد أسماك ملوثة بوقود المراكب، واستخدام الشباك الحمراء ذات فتحات لا تزيد على أربعة ميلمترات محرم دولياً، وكذلك عدم مكوثه في مكان محدد داخل المياه يعني أنه كنس جميع أشكال الحياة البحرية، وليس السمك وحسب.
يقر أبو ريالة كما جميع الصيادين بأنهم يمارسون الصيد البحري الجائر، لكنه يبرر أفعاله هذه بأنها "خطوة اضطرارية"، وهو مجبر على استخدام فتحات شباك ضيقة بسبب ندرة الأسماك في المساحة الصغيرة التي تسمح إسرائيل بالعمل فيها.

وعلى الرغم من علم الصيادين بخطورة ممارساتهم إلا أنهم لا يفكرون بالعواقب المترتبة على هذه الأنشطة، ويقول الصياد الفلسطيني إن "الفقر وقلة الدخل جعلا تفكيرنا محصوراً في قوت يومنا، كما أن البحر تغير، إذ في السابق كنا نخرج بعشرات الصناديق الممتلئة بالأسماك، أما اليوم فبات وجودها شحيحاً في المياه".


أسماك غير صالحة للأكل

داخل سوق السمك الذي يعرف بمصطلح "الحسبة"، يكتمل مشهد الصيد الجائر، إذ تنتشر الأسماك صغيرة الحجم (البذور) بجميع أنواعها بكميات كبيرة وبأسعار متدنية، مما يجعلها تجد إقبالاً جيداً من السكان، أما الأسماك ذات الحجم القانوني المسموح صيده فقليلة جداً عند مقارنتها بالكميات المعروضة.

وتُعد "أسماك البذور" صغيرة الحجم نتاجاً لعملية الصيد الجائر، وتبعاً لمفلح فإن هذه النوعية لا تزال محافظة على وجودها بكثرة، وهي لا تحتاج إلى مسافات طويلة في عرض البحر للوصول إليها، لكنه يشير إلى أن حجمها تغير خلال العامين الماضيين.
ويؤكد مسؤول لجان الصيادين زكريا بكر أن تغيراً طرأ على حجم "سمك البذور" وبات غير صالح للأكل ولا توجد فيه الفائدة الغذائية المطلوبة، إذ يتراوح وزن الواحدة منه ما بين غرام وخمسة غرامات، وقطرها لا يزيد على 10 ميليمترات، لافتاً إلى أن "صيدها ممنوع ويجب تركها، وإذا جرى ذلك فبإمكان هذه الأسماك أن تتكاثر لتصل إلى نحو 12 طناً".

استهلاك غزة معظمه غير صالح

ويبلغ حجم الاكتفاء السكاني في قطاع غزة من الأسماك 20 ألف طن سنوياً، ولكن العوائق والصعوبات التي تواجه الصيادين بسبب قيود إسرائيل تجعلهم غير قادرين على اصطياد أكثر من 3 آلاف طن، مما جعل حصة الفرد من استهلاك الأسماك لا تتجاوز 2.5 كيلوغرام سنوياً، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الذي حددته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) بحوالى 13 كيلوغراماً للفرد.

وأكثر من نصف الكمية التي تستطيع غزة صيدها تصنف بأنها غير صالحة للأكل البشري، إذ لم تبلغ الأسماك الحجم القانوني، في حين أن الموافقة على المعايير لا تتجاوز الـ 48 في المئة. ويتنافى ذلك مع توصية "فاو" التي جاء فيها "إذا بلغ معدل الأسماك غير القانونية من مجموع الصيد لأي نوع 30 في المئة فيجب إيقاف أنشطة الإبحار لثلاث سنوات حتى تتعافى الثروة السمكية".
ويشير بكر إلى أن "صيد الأسماك الصغيرة بهذه الكمية يضر بالثروة السمكية ويؤدي إلى تدهور واستنزاف مخزون البحر، وهذا يُعرف بالتصحر البحري، وبناء على كميات الصيد في غزة يمكن القول إن موارد البحر أصابها التصحر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


إقبال كبير على السمك الصغير

في "الحسبة" يبدو مظهر "سمك البذور" مغرياً بالنسبة إلى السكان، إذ يوجد في الصندوق الواحد نحو 10 كيلوغرامات تباع بقيمة 15 دولاراً، وبسبب توافرها بكثرة وتدني ثمنها بات السكان يفضلونها على باقي الأسماك، ويؤكد مفلح أن الظروف الاقتصادية العامة دفعت شريحة واسعة من الناس إلى تفضيل "البذرة"، وهذا ما دفعنا إلى ممارسة الصيد الجائر بكثافة ومن دون تفكير".

وتعددت الأساليب غير المشروعة في الصيد الجائر والتي تتلخص في استخدام "لنش الجر" والشباك الحمراء المحرمة دولياً والتي يقدر قطر عيونها بأربعة ميليمترات، وكذلك الصيد في فترة تكاثر الأسماك.


القانون لا يُطبق تقديراً لأوضاع الصيادين

ووفقاً لقانون مصائد الأسماك الفلسطيني يمنع استخدام الشباك من نوع الجرافات الشاطئية ولكن من دون تحديد مدى فتحاتها، فيما تشير المواصفات العالمية إلى أنه يتوجب أن يكون قطرها 10 ميليمترات.

ويقول مسؤول لجان الصيادين زكريا بكر إن "جميع الصيادين بحاجة إلى استبدال معداتهم لأنها مخالفة للمعايير، إلا أن ذلك غير ممكن لعدم سماح إسرائيل بدخول أي مستلزمات جديدة للمهنة"، مشيراً إلى أن "لنشات الجر" وعددها 13 في غزة تعمل 22 ساعة يومياً، وتصطاد الأسماك من القاع باستخدام الشباك الحمراء التي لا تميز بين سمك صغير أو بيض الأسماك أو حتى الأعشاب البحرية.

كما ينص القانون على تنظيم مهنة الصيد وتحديد أوقاتها ومواسمها، ويشدد بكر على ضرورة وقف أنشطة الصيد في فترة إخصاب وتكاثر الأسماك الممتدة بين الـ 15 من يونيو (حزيران) وحتى الـ 15 من سبتمبر (أيلول)، لكنه يؤكد أن الصيادين في غزة لا يلتزمون بذلك.

من جانبه، يقول نقيب الصيادين نزار عياش إنهم حاولوا إصدار قانون ينهي ظاهرة الصيد الجائر وطلبوا من الجهات الحكومية ذلك، لكن المجلس التشريعي لم يصادق على الأمر، إذ جرى تعطيله بقرار رئاسي.

أما في الجانب الحكومي فيقول المدير العام للثروة السمكية في وزارة الزراعة وليد ثابت إن "سبب عدم حظر الصيد الجائر هو سوء أوضاع الصيادين الاقتصادية"، مشيراً إلى أنهم يتخذون إجراءات للحد منه من طريق منع دخول الشباك الحمراء إلى غزة ومصادرتها، إذ قامت وزارته بتنفيذ عمليات دهم لمخازن وقوارب صيادين ومصادرة الشباك، مبرراً وجوده بأنه "نتيجة عملية تهريب بطريقة غير شرعية".