Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أول رواية مكتوبة بالعربية من جزر القمر وعنها

الكاتب أواديه حافظ واجه تحديات اللغة والهوية وكسر عزلة البلاد البعيدة

منظر من جزر القمر البلاد شبه المنسية عربياً (صفحة فيسبوك)

تكشف رواية "وجوه القمر الأربعة" الصادرة عن دار صفصافة - القاهرة عن فضاء ثقافي جديد، لم تقربه الرواية العربية من قبل. وتدور أحداثها في أرض بكر تقع في قلب المحيط الهندي وعلى الجهة الجنوبية من خط الاستواء، تغطيها المسطحات الاستوائية من أشجار مثمرة ونباتات نادرة فواحة.

يقول ناشر الرواية محمد البعلي "هي أول رواية عربية من جزر القمر وعنها".  تبدو الرواية أقرب ما يكون إلى كنز حقيقي مكتنز حافل بالأساطير والحكايات القادمة من عالم نجهله تماماً. ومؤلفها هو الصحافي أواديه حافظ، مواليد 1977 في مدينة ميسامهولي شمال عاصمة جزر القمر، ويقيم في القاهرة منذ أكثر من عشرين عاماً بعد أن أنهى دراسته للقانون في جامعة السوربون الفرنسية، ويعمل حالياً في مجال الإعلام. يكتب بالفرنسية والإنجليزية واللغات السواحلية ويتحدث العامية المصرية بطلاقة.

يقول أواديه: "إن معضلة الكتابة باللغة العربية هي أول التحديات التي واجهتني، ولكن تمكنت من تخطيها بعد كتابة المسودة الأولى بمعاونة أحد الأصدقاء". ويشير مؤلف "وجه القمر الأربعة" إلى أنه واجه صراعاً يتعلق بحاجته للبحث عن مفردات تتسع للمعاني التي أراد أن يقربها ويعبر عنها. ويوضح أن التعثر الحقيقي كان عند كتابة المسودة الأولى، لأنه أراد التعبير عن أشياء كثيرة، لولا أنه فضل التركيز والكتابة بشيء من التكثيف ومن دون الذهاب إلى ورطات أكبر.

ينحاز أواديه في الكتابة إلى السرد التقريري المبسط ولا يراهن على اللغة الشعرية، لكنه يبلغ هذا الفضاء من خلال الحكايات التي تجمع بين الطابع الأسطوري المستمد من الحكايات الشعبية وطابع الحياة اليومية.

كسر العزلة

ينفي صاحب "وجوه القمر الأربعة" أن يكون الحنين دافعاً لكتابة الرواية، مرجحاً أن يكون الهدف هو كسر عزلة جزر القمر وإتاحتها أمام القارئ العربي. يقول: "كنت أفهم بفضل دراستي للقانون دوافع انتماء جزر القمر للعالم العربي، وأظنها دوافع سياسية وعاطفية. لكنني حين شرعت في الكتابة أدركت أن صلتنا بالثقافة العربية أعمق من ذلك بكثير، فقد كانت الرواية هي إجابة بمعنى ما عن سؤال الهوية الذي انشغلنا به في بلادنا البعيدة الغارقة في صمتها وسكينتها".

قبل هذه الرواية امتلأ الفضاء الثقافي في جزر القمر بروايات مكتوبة بالفرنسية والكثير من اللغات المحلية، لكن أواديه يرجح أن تكون روايته هي أول رواية مكتوبة بالعربية ويتابع: "أن تصدر رواية عربية من القاهرة، فذلك يعني الكثير، لأن عملك سيكتسب حياة وقراء جدداً، لديهم القدرة على ربطك بميراث طويل من التقاليد الروائية التي سعيت لأن أكون جزءاً منها. وقدمت لناشري أربع مسودات قبل أن أهتدي إلى الصيغة النهائية التي وصلت للقارئ.

تدور أحداث الرواية حول "جعفر" البطل المتمرد الذي غادر بلاده واستقر وعاش في مدينة "صور" العمانية، لكنه يضطر إلى العودة بعد أن بلغه خبر موت والده الذي طعنته سمكة السيلاكانت. وهذه السمكة لها مواصفات خاصة وتختبئ في كهوف بعيدة ولا تظهر إلا في الليل. وبينما يعمل جعفر على وراثة مكانة والده، تحل بالقرية كارثة بيئية، مع سقوط طائرة يمنية فيها ما يدفعه لتحمل تبعات إدارة الأزمة، مدعوماً من عائلة "مونا مينه" الطبيبة التي يقترب منها ويتزوجها. وذلك بعد أن تحول إلى "بطل شعبي" استنفر طاقات الناس.

تراهن الرواية على بكارة العالم الجغرافي الذي تنطلق منه وتركز على حجم الإضافة المعلوماتية التي تقدمها للقارئ، أكثر مما تشتغل على تقنيات سردية تشير إلى خبرة كاتبها بهذه التقنيات. يأتي السرد مثقلاً بالكثير من المعلومات عن عادات الزواج وقواعده، وما يمكن للموت أن يخلفه من أثمان. وفي مساحات كثيرة كان من الممكن تكثيفها وتجنب ما فيها من تكرار.

عوالم اسطورية

تشتغل الرواية كذلك على الحكايات الشعبية وعوالمها الأسطورية وترسم صورة لبطلها في طفولته حين كان يحادث النباتات والطيور ويكتشف أسرار زهور الفانيليا. ويستطيع قارئ "وجوه القمر الأربعة" تلمس "طابعها الطوطمي" وعوالمها الأنثروبولوجية التي تعتد بالروايات الشفهية وفاعلية المنامات وغيرها من الطقوس الملهمة، والتي كان بالإمكان تطويرها وتضفيرها مع مصائر الأبطال وتأسيس تاريخ شخصي لهم يبرر خياراتهم الحياتية.

وتتناول الرواية المأثورات الشعبية والعادات والتقاليد، ومكانة المرأة في هذه المجتمعات البعيدة عن مخيال القارئ العربي. وشأن كل الروايات التي تؤسس عوالمها على صهر مثل هذه الحكايات، تكون المرأة هي حامل الحكاية وبطلتها الأولى التي تستطيع "فك شفرات" هذا المجتمع. فالجدة فاطمة هي صاحبة الحكمة والمشورة، وهي الأكثر تأثيراً في توجيه دفة الأمور لأنها تعرف كيف أن الحكاية تستلب مجتمعاً بأكمله. وبفضل دفتر حكايات الجدات، يصدق القمريون على زعامة الجدات بإجماع نادر، فهن المرشدات إلى مسارات الطقوس والتقاليد. يعجز جعفر في البداية عن الانسجام مع محيطه، لولا دعم شقيقته "مونا عرفة" وكذلك حبيبته التي تقوده إلى رحلة "عبور ثقافي" يسترد معها هويته التي يفهم عبرها دلالات حكايات الحب القمرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليست رحلة جعفر في دروب القرى داخل جزر القمر بعد عودته، إلا استعادة بمعنى ما لرحلة البطل الإغريقي، أوديسيوس، لبلاده بعد سقوط طروادة. فعندما يكتمل طقس الزواج يكتمل معنى الانتماء لدى البطل، إلى عالم "الأغلبية المحصنة" ليكتسب مكانته الاجتماعية الفريدة.

 لذلك يمكن أن تقرأ الرواية في مجازها البعيد كما ينظر لـ "الأوديسة " كرحلة ملحمية يحل فيها جعفر محل أوديسيوس. وتحفل الرواية بالكثير من العلامات الثقافية التي تبرر النظر إليها كأحد أشكال الاستجابة لتحدي الهوية، سواء بإدانة الراوي المتكررة لما فعله المرتزقة الفرنسيون أو بتأكيد النص حضور الإسلام كدين وفاعل ثقافي، سواء عبر صوت قراء القرآن الكريم، وبخاصة القارئ عبد الباسط عبد الصمد، أو عبر الحديث المتكرر عن صور الإغاثة.

وتبرز كذلك إشارات عدة حول مكانة الطرق الصوفية وتأثيرها داخل هذه المجتمعات التي تبتكر فضاءات للتعبير عن تصور شعبي عن الدين. فهو أكثر من تصور رسمي يمكن عبره تمرير الكثير من القيم الروحية، ونظم إدارة المجتمع قبل تجلي كيان الدولة. فالمسجد هنا هو الفضاء الأهم لإدارة الأزمة والرائحة هي العنوان على براءة العالم.

المزيد من ثقافة