Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران وإسقاط ما تبقى من رموز الخمينية (الجزء الرابع)

النظام يستعيد المبادرة ويوحد السلطات

استفاد النظام الإيراني من مرحلة الإصلاحات وتولي محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، والخطاب الذي قدمه للمجتمع الدولي الذي أعاد ترميم العلاقات الخارجية الإقليمية والدولية (أ ف ب)

ما من شك أن النظام استفاد من مرحلة الإصلاحات وتولي محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، والخطاب الذي قدمه للمجتمع الدولي الذي أسهم في تخفيف حدة التوتر، وأعاد ترميم العلاقات الخارجية الإقليمية والدولية، إلا أن هذه المرحلة كانت مرهقة على المستوى الداخلي، لجهة استنزاف الطاقات والجهود التي بذلها في محاصرة نتائج هذه المرحلة وانعكاساتها الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية في الداخل، لذلك يمكن القول، إنه كان من أكثر الفرحين بانتهاء هذه الحقبة، التي وظفتها لترميم قواه، والتخطيط لاستعادة السلطة والسيطرة على مفاتيح ومراكز القرار بشكل مطلق.

الخطوة الأولى على هذا الطريق، كانت بتمهيد الأرضية لإيصال محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية، في انتخابات حصرت في مرحلتها الثانية بينه وبين الشيخ هاشمي رفسنجاني الذي يعد واحداً من أهم أقطاب وأعمدة الثورة والنظام والسلطة، وهي معركة أريد لها من النظام أن تشكل بداية مسار جدي لإخراج رفسنجاني من دائرة القرار ومحاصرته، بما يساعد على تكريس أحادية القطب في قيادة النظام والانتهاء من مراكز القوى إلى جانب سلطة المرشد الأعلى، وقد نجحت أجهزة النظام في تحقيق هذا الهدف، وإلحاق الهزيمة بجنرال الثورة والنظام أمام جندي دخل ميدان السباق على السلطة من خارج السياقات الطبيعية  التي تنسجم مع تاريخ الشعب الإيراني.

بإضعاف رفسنجاني، ومحاولة محاصرته، يكون النظام قد استطاع التخلص وإبعاد أحد أهم مراكز التأثير التاريخية في مسار الثورة والسلطة، بعد أن نجح في إدخال التجربة الإصلاحية في حالة من انعدام الوزن والفشل في الدفاع عن الشعارات التي رفعتها وقدمتها كأطروحة لإعادة بناء الثقة بين النظام والقاعدة الشعبية، على أسس بناء مواطنة حقيقية وإزالة الحواجز والمعوقات أمام الحقوق الدستورية للمجتمع بحرية الرأي والتعبير، بخاصة في مسألة إعادة النظر في تعريف صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية كحام للدستور، التي شكلت حينها مصدر قلق للنظام وأجهزته لما لها من تداعيات قد تفتح الطريق أمام إعادة النظر في صلاحيات المرشد وولي الفقيه المطلقة التي تقع فوق الدستور وخارجه.

وصول أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية، وقبله وصول علي لاريجاني إلى رئاسة السلطة التشريعية، مكنت النظام من استعادة المبادرة بالتحكم في مراكز ومؤسسات الدولة الدستورية وتوحيدها في قبضته، ما يعني قدرته على ترجمة كل توجهاته بالطريقة التي يريد ويرغب من دون أن يخشى وجود أصوات في داخل المؤسسات قد ترفع صوتها بالاعتراض.

وقد انطبعت الدورة الأولى لرئاسة أحمدي نجاد، أنها شهدت حملة واسعة لتنظيف الإدارة من العناصر غير المرغوب بها، أو التي توصف بأنها على خلاف أو اختلاف مع التوجهات الثورية والفكرية والعقائدية مع النظام والثورة، وحملة التطهير هذه لم تقتصر على إدارات الدولة، بل شملت أيضاً الكادر التعليمي في الجامعات الإيرانية المختلفة، فضلاً عن طرد الطلاب الناشطين في الحركات الطلابية، أو الذين يعارضون توجهات النظام والحركة الطلابية التي سبق أن استعاد النظام السيطرة عليها من خلال تشتيت صفوف قياداتها الإصلاحية وملاحقتهم وسجن بعضهم ولجوء آخرين إلى دول خارجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى مستوى إدارات الدولة، وتحت شعار إعادة "تثويرها"، تخلص أحمدي نجاد وفريقه من جميع العناصر غير الموالين للتيار المحافظ من الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة في السلم الوظيفي، إلى جانب زرع أشخاص موالين كمحافظين وقائمقامين ورؤساء نواح ومناطق في كل إيران من المحسوبين على التيار المحافظ أو الضباط المتقاعدين من حرس "الثورة الإسلامية".

هذه الإجراءات التي قامت بها حكومة أحمدي نجاد، نظر لها النظام بأنها خطوات تصب في سياق إعادة ترميم سيطرته على مفاصل السلطة والمؤسسات، وإبعاد شبح الأصوات المعارضة أو الإصلاحية عن جميع مراكز القرار، بما يسمح له بالتحكم في الآليات الدستورية والديمقراطية التي حافظ على فعاليتها شكلياً واستخدمها في خدمة مصالحه وأهدافه.

مع الأحداث التي رافقت إعادة انتخاب نجاد لدورة رئاسية ثانية عام 2009، وما شهدته إيران من حراك عرف باسم "الحركة الخضراء" نتيجة الاعتراض على شبهات تزوير في نتائج الانتخابات على حساب المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، وانتهت بوضعه مع الشيخ مهدي كروبي في الإقامة الجبرية المستمرة منذ نحو 13 سنة، دخل النظام في مواجهة مع المنظومة الإدارية والفكرية التي أسسها نجاد وفريقه بعيداً من أعين النظام وقيادته، مستغلاً الحالة التي أنتجته كحاجة للنظام، بخاصة أنه انتقل من سياسة تنفيذ أجندة النظام في الإدارة إلى تنفيذ أجندته الخاصة التي لا تعترف بموقع ولي الفقيه، بل تربط نفسها بما هو أعلى وأسمى ضمن العقيدة الشيعية، من خلال العمل على تكريس مفهوم استمداد سلطته من الإمام الثاني عشر لدى المذهب الشيعي الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، وأنه لا يدين لولي الفقيه والمرشد بأي ولاء طالما أن سلطته مستمدة من سلطة المعصوم وممثلة لإرادته.

وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يتفرغ النظام لإعادة بناء قواعده الشعبية، وترميم سلطته وتكريسها، والتخلص من هاجس وقلق بروز ظواهر سياسية وفكرية جديدة قد تشكل له تحديات هو بغنى عنها، بعد أن استطاع تحجيم وتفكيك منظومة الخطاب الإصلاحي ومحاصرتها، اصطدم بالجرأة التي دفعت نجاد للدخول في تحد مباشر وعلني مع سلطة المرشد وولي الفقيه، وصلت إلى حد إعلان العصيان على قرارته والتهديد بسلسلة من الفضائح التي تطال قيادات كبيرة في هرم النظام لم يسلم منها المرشد نفسه، إضافة إلى مسؤولين كبار في مكتبه ودائرته الخاصة.

المزيد من تحلیل