Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تحرير الخيال" مقولة تحث الابداع على تخطي الحواجز

صلاح بو سريف يدعو الى شعرية الكثافة والغموض ومواجهة الثوابت النقدية

الخيال المتحرر لدى الرسام دالي (متحف دالي)

منذ البداية، نحن حيال هذا العنوان الصادم "تحرير الخيال"، إذ كيف يكون تحرير خيالنا، الذي نتصور وندعي أنه "محرر"، بل الأكثر تحرراً في حياتنا، فهو وسيلتنا للخروج من عالم الواقع؟ فهل ثمة خيال مقيد؟ أي خيال هو هذا السجين؟ هل ثمة لغز أم سر لاختيار صلاح بوسريف هذا العنوان؟ لا شك أنه ليس عنواناً مجانياً، خصوصاً حين يأتي من شاعر وناقد صاحب تجربة مشهود لها بالرصانة. ونسأل: أي خيال يعني، والخيالات تختلف من كائن إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى؟

الخيال والمخيال والتخييل والمخايلة والتخيل، هي عوالم تجعلنا نتوقف ملياً مع العنوان، حيث يبدو لنا وكأنه ينطوي على مفارقة غريبة، بل غرائبية. وباختصار، يريد بوسريف تخليص الخيال من الموروث، من الأسلاف، من الراكد والراسخ والمتكلس، سعياً وراء الجديد والمختلف، فلندخل في بعض "كواليس" هذا التحرير وأسراره. وكثيرة هي المحاور والأسئلة التي يقف القارئ حيالها، فكتاب بوسريف يدفع قارئه إلى التساؤل.

لن يكون هذا الأمر سهلاً، فقد يتطلب قراءة الكتاب الجديد كاملاً لمعرفة سر العنوان. فكتاب صلاح بوسريف هذا "تحرير الخيال... شعرية الكثافة والغموض" (فضاءات، عمان، 2022)، يتكشف تدريجياً، مع السير في القراءة، مع الفصول القصيرة، ولكن كلمةً وراء كلمة، وفقرة على أثر فقرة، بحيث يصوغ المؤلف أفكاره حول "الخيال"، ويوزعها هنا وهناك، في علاقته مع العناصر التي يتناولها، الشعر والإبداع والفكر والماضي والحداثة، وغير ذلك من محتويات البحث ومكوناته.

خيال وفكر وإبداع

قبل البدء، لا بد من التوقف عند الخيال وعلاقته بعناصر الإبداع والفكر، عناصر تتشابك وتتجادل على نحو يقرر مكونات عملية الإبداع، وتفاعلاتها التي تجعل المبدع مبدعاً، وتجعل هذا المبدع أعمق وأعظم وأهم، لكن هذا يتطلب الوقوف على محطات من هذا الكتاب الغني بالمقولات والخلاصات الفكرية، المرتبطة جذرياً بمكونات الخلق والإبداع الأساسية، فما موقع الخيال من هذه العملية، وما علاقته بالمكونات الأخرى فيها؟

ينظر بوسريف في الفكر والإبداع، ودورهما في تأمل الأشياء وقراءتها بعين جديدة، تأمل عبر الأعمال الفنية، حيث يعتقد أن الفكر هو الإبداع، وهو الشعر، وهو سؤال مفتوح على اللانهائي، على ما لا نفكر فيه. والفكر أساسه الخيال، بل هو الخيال، والشعر هو ما نخلقه هنا والآن، وليس ما هو مكرس. وهو ما نستدرج به الخيال والآتي. كما لا يستثني النصوص الدينية من الإبداع الذي يتناوله، فضلاً عن نصوص بعض المتصوفة.

وهكذا، فنحن حيال كتاب في "تاريخ" الشعر والشعرية، تطورها والتحولات التي طرأت عليها، بدءاً من أقدم الشعر العربي، وصولاً إلى شعر "الرواد العرب" ومنجزهم الشعري الذي لم يقطع مع شعر الأسلاف الأقدمين، بل هو، بحسب محاكمة بوسريف له ولهم، اكتفى بتغييرات لا تشكل ثورة، لأنه احتفظ بالعروض والقوافي التي هي من مكونات "القصيدة" التي ينبذها بوسريف، ويفضل عليها مفهوم "العمل الشعري/ الكتاب".

حتى في هذا المجال لا بد من جدال. فالقصيدة بنت عصرها وزمانها وظروفها ومحيطها، بنت تقاليد "سادت وبادت"، وقد تم الخروج عليها وتجاوزها، كما يقول المؤلف نفسه. فقصائد أبي تمام وخياله ليس كمن سبقوه، فخيال أبي تمام "خيال المساحات الشاغرة" كما يؤكد بوسريف، وهو الذي قال عنه البحتري إنه "الرئيس الأستاذ". وكذلك بشار وأبو نواس، فهما مختلفان تماماً. وقصائدهما ليست قصائد امرئ القيس وابن كلثوم. ولا هي قصائد شوقي والجواهري، لذلك فمفهوم القصيدة هو مفهوم متحول ومتطور. وكذلك الأمر في قصائد رواد قصيدة التفعيلة والشعر الحر، فما من شاعر يشبه شاعراً، ولا قصيدة من قصائدهم تشبه قصيدة غيرها، على الرغم من النظام العادي لشعر التفعيلة.

شاعر... ناقد ولغتان

وما بين لغة نقدية تنظيرية، وبين تأملات بلغة شعرية وفكرية، في الخيال والفكر والإبداع، وخصوصاً الكتابة، والشعر على نحو أشد خصوصية، وفي الذات والوجود والكون والنمط والتجاوز، يسير بوسريف لتقديم رؤاه وآرائه في تفاصيل العمل الإبداعي، ولعل المطلع على "عمل" هذا الشاعر والناقد، في كتابه الجديد هذا، وبعد عدد من المجاميع الشعرية، والدراسات النقدية والفكرية، وفي مواجهة "خطاب"، بل "خطابات"، على قدر من التقليدية والقدامة والنمطية، يرى كيف يطلق بوسريف "الخيال" فيجعل هذا الخيال يفكر.

إننا هنا نراه يفكر بالخيال والعقل معاً، تفكيراً واضح الأسس والمنطلقات، يرى إلى الحداثة كونها محكومةً بالقديم وتنهل منه. ويرى إلى الخيال بوصفه أهم أسس الإبداع والتجديد، شعراً وإبداعات فنية شتى، وهو لا يهادن في طرح وجهة نظره، لأنه يكتب عن الإبداع عموماً، وعن الشعر بصورة خاصة، كتابة تتوخى "التجديد" والثورة على السائد والنمطي والقار والمكرس. لذا، فنحن حيال فكر وإبداع يجادلان فكراً وإبداعاً مختلفين، جدالاً لا هوادة فيه ولا مهادنة، فهو يفكك النص "الآخر" حد التفتيت، ويتصدى لخطابه وأدواته بعمق، ولكن سيلحظ القارئ أن المؤلف يلجأ أحياناً إلى شروط وأحكام صارمة لا جدال فيها. وهو ما سنتوقف لمجادلة المؤلف فيه.

الخيال أساس بارز

إن اعتبار الخيال "أهم أسس الإبداع والتجديد"، هو أمر ينطوي على قدر من المبالغة غير المرغوب فيها، وفي تقديرنا أن الفكر والخيال يعملان معاً، في سياق الإبداع، وليس آلياً أو ميكانيكياً بالطبع، وهما لا ينفصلان، أو نقرأ، في الكتاب، أن القول واللغة هما أساسان في الشعر، ثم نقرأ بوسريف يقدم اللغة على القول أحياناً، وهو ما نراه تقديماً غير صحيح، فالقول واللغة في الشعر لا ينفصلان، ولا يكون الشعر بتقديم اللغة على القول، كما لا يجوز عكس ذلك، بل هما شريكان في "بناء" العمل الشعري وخلقه، فالقول هو إبداع الشاعر كما هي لغته إبداع خاص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصحيح قول أرسطو الذي ورد في افتتاحية كتاب بوسريف هذا، إنه "لا يكفي أن يعرف المرء ما يجب عليه قوله، بل عليه أيضاً أن يعرف كيف يقوله، وهذا يسهم كثيراً في جعل الكلام يظهر بطابع معين"، ولكن صحيح أيضاً أن "العمل الإبداعي" هو كل متكامل، لا يجوز القول بتقديم عنصر على آخر، وأهمية أي عمل هي في اجتماع عناصره كلها معاً. فاللغة في أي عمل إبداعي، تنبع من الفكرة التي تنطوي عليها، وهما تتلاحمان، لا بالصورة التقليدية، أي شكلاً ومضموناً، بل فكرة وكلمة تصنعان نصاً إبداعيا. ولذا، فالمبدع صاحب لغة من جهة، وصاحب أفكار مبتكرة من جهة ثانية، ولا يستطيع "خلق" نصه من دون اجتماعهما. وليس بالضرورة أن يكون مفكراً أو فيلسوفاً ليبتدع فكرة، كما ليس بالضرورة أن يكون فقيهاً في اللغة ليبتكر عبارات مدهشة.

هذه بعض المحاور والأسئلة في كتاب بوسريف، وهي كما قلت كثيرة، وتتطلب قراءات، بل دراسات عدة لإحاطة بها، لكن أختم بما ختم به هو كتابه، حيث يختم بعنوان "الشعر في بداياته"، حيث "الشعر ليس لقية، أو أثراً من آثار الماضين... الشعر تعبير عن كينونة الإنسان، عن وجوده، وعن علاقته باللغة التي ابتكرها ليقول بها هذه الكينونة وهذا الوجود، ولتكون هي تاريخه، وما كان يحسه ويراه و... إلخ". وفي الحديث عن أول ملحمة شعرية، عن ملحمة "غلغامش"، يرى أن أهم ما فيها هو أن كاتبها غير معروف، وأنها تعبير جماعي، وهي عمل مؤسس، فاتح طرق في الشعر عند الإغريق والرومان والفرس والهنود. ويصف بوسريف الحضارة والثقافة العربية بأنها كانت غنائية، وأن الصوت الواحد فيهما هو الغالب. وهنا لي وقفة للتذكير بأن الشاعر العربي/ الجاهلي كان صوت قبيلته المعبر عن حالها، دون أن أقصد الفخر أو المديح والهجاء، في هذا التوصيف. ولي سؤال، هو الأخير أيضاً، وليس انتقاصاً من آراء أخرى، وهو حول ما إذا كانت الغنائية في الشعر أقل قدراً من الملحمية؟

المزيد من ثقافة