Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرحلة إلى العالم الآخر بين المعري والإيرلندي سانت براندان

الباحثة المصرية منى طلبة في دراسة جديدة لأدب الرحلة إلى العالم الآخر

أبو العلاء المعري ورحلته (موقع فلاسفة العرب)

ما الذي يجعل من أبي العلاء المعري حاضراً إلى الآن؟ وما الذي يجعل عمله الشهير "رسالة الغفران" قابلاً للتأويل من عصر إلى آخر ويتعذر في الوقت نفسه على التأويل النهائي؟ من هذا المنطلق يصبح سؤال الدكتورة منى طلبة "ما الذي كان يعنيه أبو العلاء على وجه الدقة من رسالته؟" ذا صدقية واضحة، وذلك في كتابها "أبو العلاء وبراندان – دراسة مقارنة لأدب الرحلة إلى العالم الآخر" (الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة).

وفي محاولتها للإجابة عن هذا السؤال تسعى إلى النظر لـ "رسالة الغفران" بوصفها نموذجاً لأدب الرحلة للعالم الآخر، بادئة بالتعريف بهذا النوع الأدبى وتحديد مصادره وتطوره ومناهج درسه، وأخيراً تأتي هذه المقارنة الذكية بين "رسالة الغفران" و"رحلة القديس براندان" بوصفها نصاً موازياً.

دراسة شاملة

واللافت أن منى طلبة لم تتوقف وحسب أمام العملين المشار إليهما، بل استفاضت على مدار الكتاب الذي يضم ستة فصول، في إشارات تفصيلية إلى معظم نصوص أدب الرحلة إلى العالم الآخر التي نجد لها تمثيلاً في مختلف الأديان والحضارات بوصفها مقتضى إنسانياً. "فالإنسان يرفض الموت ويطمح إلى تجاور الزمان إلى اللازمني"، وتظل معضلة الخير والشر تؤرقه، وبمقتضاها أراد أن تنتظم حياته وفق منظومة أخلاقية من الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي، ولهذا كثرت أخبار الأخرويات في كتب التفاسير حول الآيات الخاصة بالجنة والنار في القرآن الكريم، أو "حديث الإسراء والمعراج" لابن عباس الذي وصل إلى 46 صفحة، ثم توزعت نصوص أدب الرحلة إلى العالم الآخر بين المتصوفة مثل ابن عربي في "الإسراء إلى المقام الأسرى"، والفلاسفة من أمثال ابن رشد والفارابي وابن سينا، وكذلك نجدها عند بعض الفقهاء مثل حجة الإسلام أبى حامد الغزالي في "الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة"، والإمام حلال الدين السيوطي في "بشرى الكئيب بلقاء الحبيب".

 

وإجمالاً يمكن القول إن النصوص قد تكون أسطورية، بخاصة في الحضارات القديمة مثل "ملحمة جلجامش" أو دينية سواء كانت يهودية أو مسيحية أو إسلامية، وأخيراً يأتي الصنف الثالث الذي تنتمي الرسالتان موضوع الكتاب إليه، وهو أدب الرحلة إلى العالم الآخر الإنساني الخيالي.

رسالة أبي العلاء 

تندرج "رسالة الغفران" كما أشرنا إلى الصنف الثالث، ولهذا فإنها تدل مثل غيرها من هذا الصنف على قلق العصر الذي كتبت فيه وأزمة البحث عن الهوية واضطرابها، ولا شك في أن شخصية أبي العلاء المعري نفسه كانت تمثيلاً لعصره، فهو كما وصفه النقد الموجه إليه "متناقض" أو "زنديق وشاك وضال وزاهد ومتصوف وولي من أولياء الله موحد بالله ومسلم، حكيم ومفكر حر"، وتعد "رسالة الغفران" أول قصة خيالية عربية، وهى أشبه ما تكون بدائرة معارف موسوعية وأعظم أثر في النثر العربي، وفيها يتخيل أبو العلاء أن "ابن القارح" قد رحل إلى الآخرة حيث يلتقي في الجنة والنار بالشعراء واللغويين، ولهذا فإن مواضيع العقيدة ترتبط باللغة والأدب ارتباطاً وثيقاً، ويمكن القول إن فلسفة أبي العلاء متأبية على كل تصنيف، فلا هى خاضعة لمقاييس الزندقة استهتاراً وتحرراً، ولا لمقاييس الزهد عزلة وخلاصاً فردياً ذاتياً على عادة المتصوفين، وإذا نظرنا إلى "رسالة الغفران" لوجدناها ثلاثة أقسام، رسالة ابن القارح وقصة الغفران وجواب أبي العلاء، وفيها نجد حواراً يتخلله قص.

وفي هذا يقول الأكاديمي المصري الراحل شوقي ضيف، "كانت المناظرات والمحاورات لغة العصر الفكرية، مناظرات وسجالات في كل مكان وفي موضوع علمي أو فلسفي أو أدبي، والمناظر قد ينتصر تارة وتارة ينهزم في تلك الساحة الفكرية الكبيرة".

 

وكان دأب أبي العلاء أن يلجأ إلى أسلوب المراسلة والحوار المعروفين في الثقافة العربية، ولكنه يخرج على هذه الثقافة ويتمرد عليها بصبغه المراسلة والحوار بغايات جديدة.

رحلة القديس براندان

تحكي منى طلبة أن براندان كان رجل دين وكان أيضاً يجوب البحار، ومن هنا ذاعت شهرته ولم ترتبط سيرته بالمعجزات والكرامات كما كان الأمر عند نظرائه من القديسين في بلاده، وهناك اعتقاد قوي أن القديس براندان قام بالفعل برحلة بحرية إلى اسكتلندا، كما اعتقد بعضهم أنه كان من أوائل المكتشفين للقارة الأميركية، وهو ينتمي إلى سكان الجنوب الشرقي لإيرلندا ويعد من الجيل الأول الذي اعتنق المسيحية في هذه البلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد أتاح له الجمع بين كونه قديساً وبحاراً المزج بين الديانة المسيحية والثقافة الفلكلورية البحرية الإيرلندية، ويرجع نسب براندان إلى سلالة ملوك إيرلندا ولكنه زهد في الملك ونذر حياته للرهبنة وترقى في المناصب الكنسية حتى صار يكفل برعايته آلاف الرهبان الذين اتخذوا من صلاحه مثلاً وقدوة.

وذات يوم شعر براندان برغبة قوية في رؤية الجنة / مقر آدم الذي طرد منه لخطيئته، ويرى المكان المخصص للكفار وللمؤمنين في الآخرة، ولأن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بعد الموت فقد عكف على دعاء الله ليحقق له هذه الأمنية، وعندئذ أنبأه القس "بارنت" أنه يمكنه الوصول إلى الجزيرة / الجنة المخصصة للقديسين وحدهم وهي كما يقول تقع قريبة من جنة الآخرة التي سيدخلونها بعد الموت، وعندها تهيأ براندان للرحلة وجهز إحدى السفن بمعاونة 14راهباً اختارهم لمرافقته، وهكذا تبدأ حكاية الأهوال التي لاقوها وكيفية التغلب عليها أثناء تلك الرحلة حتى الوصول الأخير.

بين أبي العلاء وبراندان

كتب القديس براندان رحلته في القرن السادس الميلادي، وهو ما يعنى أنه قد سبق أبا العلاء المعري بستة قرون، ومع ذلك فإن منى طلبة تستبعد إمكان التأثير والتأثر بين النصين وذلك لعدم وجود أي وثيقة تاريخية تؤكد مثل هذا الافتراض، لكن يظل يجمعهما الانتماء إلى العصر الوسيط، مع الأخذ في الاعتبار ازدهار الحضارة الإسلامية في هذا العصر وتأخر الحضارة في أوروبا، وكذلك استفادتهما من مصادر الأدب الأخروي الأسطوري والديني، كما أنهما ينتميان إلى ما أطلقت عليه منى طلبة النصوص الأدبية الإنسانية الخاصة بمؤلف معين يقدم رؤية ذاتية للرموز الأخروية في الأساطير، كما يشترك النصان في خصيصة تميزهما عن سائر نصوص الرحلة إلى العالم الآخر، وهي ازدواج الحياة الواقعة بالحياة المتخيلة، فالجنة "العلائية" تصف مجالس الشعراء والأدباء في العصر العباسي، كما تذكرها كتب التاريخ.

وكذلك نجد الأماكن التي زارها براندان أثناء رحلته قد وردت أسماؤها على الخريطة الأوروبية في العصور الوسطى، لكننا أمام نص شفاهي في الأصل وهو نص أبي العلاء، والآخر كتابي وهو نص براندان الذي كتب بناء على طلب ملكة إنجلترا، كما تجمع رحلة القديس براندان بين كونها قصة مغامرة بحرية وحلماً بالعالم الآخر كما تمثله الثقافة الغربية.

أما رحلة الغفران فتجمع بين كونها قصة مغامرة لغوية وحلماً بالعالم الآخر كما تمثله الحضارة العربية، لكنهما معاً تعنيان بالتنبؤ بالمستقبل وتقدمان رؤى غير تقليدية للعالم الآخر، وأخيراً يقدم النصان صورة نموذجية للفكر في العصور الوسطى. لكن من داخل هذه التشابهات الداعية للمقارنة بين النصين هناك العديد من الاختلافات في الرؤية وفي الأسلوب وفي الحلول التي تطرحها كل ثقافة لتغيير العالم المعيش إلى عالم آخر.

وهكذا تضعنا منى طلبة أمام نصين بالغي الأهمية في الثقافتين العربية والغربية، وشديدي الجاذبية والقابلية للتأويل المستمر، ولا شك في أن هذا سر بقائهما في الذاكرة الإنسانية.  

المزيد من ثقافة