Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تضييع الفرص والثورات: ربح الانتخابات وخسارة السلطة

لماذا تخسر القوى السيادية والتغييرية بعد أن تربح؟

يشهد لبنان ارتفاعاً كبيراً في موجة التغيير رداً على المافيا السياسية والمالية والميليشياوية (أ ب)

اللعبة تتكرر منذ عام 2005 على المسرح السياسي في لبنان. عام شهد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام "ثورة الأرز" وانسحاب القوات العسكرية السورية وإجراء انتخابات نيابية من دون اليد الثقيلة للوصاية السورية. ولعبة مختصرها: تفوز القوى السيادية بالأكثرية في معركة الانتخابات، وتخسر الحرب في إعادة تكوين السلطة. عام 2018، ربح "حزب الله" وحلفاؤه الأكثرية في الانتخابات ضمن المد الإيراني في المنطقة. كان تعليق اللواء قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري"، الذي اغتيل على يد الولايات المتحدة الأميركية، في بغداد، هو: "لبنان انتقل من دولة فيها مقاومة إلى دولة مقاومة وحكومة مقاومة".

عام 2022 كان المناخ في الحملة الانتخابية يوحي بأننا على الطريق إلى انتخابات ينطبق عليها قول ألكسيس دو توكفيل "الانتخابات ثورات دستورية، وكل جيل هو شعب جديد". وبالفعل، ربحت القوى السيادية والتغييرية الأكثرية في مواجهة "حزب الله" وحلفائه رافعةً شعار التخلص من السلاح خارج الشرعية، والذي يتم التسويق له على أساس أنه سلاح المقاومة في حين أن دوره في سوريا والعراق واليمن، لكن هذه القوى خسرت في الامتحان الأول معركة رئاسة البرلمان ونيابة الرئاسة وأمانة السر، بحيث بدا المشهد عبثياً: الأقلية تحكم والأكثرية تعارض. وأبسط ما فاخر به السيد حسن نصر الله في بلد مفلس وضعيف ومأزوم، هو أنه "منذ عام 1982 حتى اليوم لم يكن حزب الله أقوى مما هو عليه اليوم عسكرياً وأمنياً وسياسياً وشعبياً ومادياً ومعنوياً". لا، بل أوحى أن المقاومة ثابتة ولبنان زائل، إذ قال بمنتهى التحدي: "ليبقَ بلد ودولة لمطالبتنا بنزع سلاحنا". أما نائبه الشيخ نعيم قاسم، فإنه تحدث عن "القلعة الشيعية" التي بقيت عصية على الاختراق. وأما في الاتجاه الآخر، فإن هذه "القلعة" تعمل على اختراق كل الطوائف، وهو ما كرّست الكثير من جهودها وأصواتها له في الانتخابات لتكبير حجم "التيار الوطني الحر"، تيار الرئيس ميشال عون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والسؤال، منذ "ثورة الأرز" الشعبية السلمية عام 2005 و"ثورة 17 أكتوبر" عام 2019 الشعبية السلمية، وصولاً إلى "الثورة الدستورية" المفترضة عام 2022، هو "لماذا تخسر القوى السيادية والتغييرية بعد أن تربح، وسط ارتفاع كبير في موجة التغيير رداً على المافيا السياسية والمالية والميليشياوية التي سطت على المال العام والخاص وأوقعت لبنان في أعمق أزمة والللبنانيين في الإفلاس والجوع؟ هل تعاني هذه القوى من معطوبية وسوء تقدير ونزعات فردية أم أن البلد معطوب بالوصاية الإيرانية التي أخذت مكان الوصاية السورية؟ هل المشكلة هي التهافت على السلطة والتفاهم مع الخصوم تحت عنوان "ربط النزاع" من جهة، و"تنظيم الخلاف" من جهة أخرى؟ وكم ثورة شعبية يجب أن تقوم في لبنان لكي يتحرر بالفعل من المافيا في الداخل والوصاية الخارجية؟

ما لاحظه البنك الدولي في تقريره الأخير هو أن "لبنان يضيع الفرص كالعادة"، ولا يعبأ بكون التأخر في إجراء الإصلاحات يزيد من التكلفة يومياً. وما تسجله الوقائع فوق تضييع الفرص هو فن تضييع الثورات، لكن ما يردده الجميع هو أن لبنان بلد حروب أهلية لا ثورات ولا انقلابات. بلد لا يحكم إلا بالتسويات. بلد يراد له أن يكون "صندوق بريد" لتبادل الرسائل الحارة والضاغطة بين القوى الإقليمية والدولية. حتى التسويات، فإنها ليست تسويات عادلة بمقدار ما هي تسويات ناقصة يفرض فيها القوي والمستقوي به شروطه على الضعيف والمستضعف.

والامتحانات على الطريق. امتحان الحكومة، امتحان رئاسة الجمهورية، امتحان القدرة والحكمة في توظيف الربح بدلاً من خسارته، وامتحان استرداد السيادة واستعادة لبنان والدولة من الخاطفين.

المزيد من تحلیل