"وفاة محمد مرسي" و"مأزق الإرهابية"... هل يواجه تنظيم الإخوان "أزمة وجود"؟

نائب مرشد الجماعة: معنيون ببقاء الأفكار لا التنظيم... ولا توجد مبادرات صلح مع الحكومة المصرية

الرئيس المصري محمد مرسي مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في القصر الرئاسي بالقاهرة (أ.ف.ب.)

مر نحو شهر ونصف الشهر على إعلان الإدارة الأميركية عزمها العمل على تصنيف جماعة الإخوان المسلمين "تنظيما إرهابياً أجنبياً" في الثلاثين من أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة من شأنها توجيه ضربة موجعة إلى الجماعة، التي تعاني انقساماً حاداً منذ سنوات، تبعها اليوم وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، أول رئيس مدني ذي خلفية إسلامية، أثناء جلسة محاكمته، لتبقى التساؤلات حائرة بشأن تحرك الجماعة ذاتها، وتعاطيها مع مستقبلها، لا سيما أنها لا تزال تتشارك الحكم في عدد من الأنظمة القائمة كما هو الحال في الأردن والكويت وتونس وتركيا، وبصورة غير مباشرة في دول مثل المغرب والسودان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المتابع عن كثب لتبعات التحرك الأميركي يجد أن "المياه الراكدة" جرت مجددا ضد الجماعة، مع تبني برلمان طبرق في الشرق الليبي في 14 مايو (أيار) الماضي، وهي خطوة كانت دول عربية أخرى (مصر والإمارات والسعودية) قد اتخذتها منذ سنوات، وتتمثل في تصنيف الجماعة على قوائمها "الإرهابية"، ليعود التساؤل مجددا بشأن احتمالية اتساع الخطوة وتبنيها من قبل دول أوروبية وغربية أخرى، أم ستتمكن الجماعة من احتواء الموقف، لا سيما مع اتساع نشاط الجماعة بشكل ملحوظ في دول أوروبية وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، سواء على مستوى التنظيم أو عبر مؤسساتها المالية الضخمة.

الفكر باقٍ رغم تفتت التنظيم

"العنصر الأهم لدى الإخوان هو بقاء الفكر واستمراره وليس بقاء التنظيم، مررنا بعصور ومِحن أشد قسوة مما نعانيه في الوقت الراهن، لكن ذهبت كل هذه الظروف والمحن وبقيت الجماعة"، يقول نائب مرشد الإخوان، إبراهيم منير.

منير المقيم في بريطانيا منذ عقود، والذي يعتبره البعض في الوقت الراهن، العقل المُسيِّر لأمور الإخوان المسلمين، أوضح في حديث لـ"إندبندنت عربية"، "أن الجماعة وخلال الأسابيع الماضية، التي تلت الخطوة الأميركية، انتهجت حملة موسعة لطرق مراكز ودوائر صناعة القرار في أبرز العواصم الغربية، للتأكيد على موقفهم الثابت من الجماعة، والتأكيد على اعتبارها ضامنا ضد انتشار التطرف والعنف" في المنطقة، على حد وصفه.

وبحسب منير، "فإن الخطوة الأميركية لا تزال غير واضحة أو مفهومة الأبعاد والتبعات"، وفق تعبيره، إلا أنه "لم يستبعد مضي الإدارة الأميركية في تصنيف الإخوان في القريب تنظيما إرهابياً"، لكنه وفي الوقت ذاته، استبعد أن تقدم أي دولة غربية أخرى، على انتهاج نفس الخطوة، قائلاً: "لدينا اتصالات واسعة مع دوائر صناعة القرار في الغرب، وبعد القرار الأميركي بادروا بالتواصل معنا والتأكيد على عدم انتهاج أي خطوة مماثلة لتلك الخطوة الأميركية في المستقبل"، مشيرا إلى "تحرك دبلوماسي واسع موازٍ للاتصالات مع دوائر الحكم الغربية، لتوضيح الصورة"، وفق تعبيره. وتابع: "الكثير من الدول الغربية لديها قناعة كاملة بالدور السلمي لجماعة الإخوان"، دون تسمية أي دول يقصد. وقال: "لا أتوقع اتساع الأمر خصوصا بعد أن أصدرت الحكومة البريطانية تقريرها الشهير عام 2015 والذي جاء فيه أن فكر الإخوان حاجز ضد التطرف".

وتتمتع جماعة الإخوان بحضور كبير في 52 دولة عربية وأوروبية وآسيوية وأفريقية، وفي دول أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا، عبر انتشار فكري وخيري، أو هياكل تنظيمية لمؤسسات أو أحزاب أو جماعات، وأيضا مؤسسات مالية، وفق تعبير منير.

وفاة مرسي... هل تغير في المعادلة؟

وبعد وفاة الرئيس محمد مرسي، المنتمي إلى الإخوان، والذي كان رقما مربكا في مبادرات تصالح الجماعة مع الحكومة المصرية، قال منير "إنه لا توجد الآن أي مبادرة على الطاولة بشأن المصالحة في مصر"، واعتبر "الأمر غير معقد". وتابع "نحن منفتحون على أي مصالحة، ومن لديه مبادرة فليتقدم بما لديه من حلول دون أن يستنفد طاقته بعيدا عن هدف حل الأزمة، الذي لا يعترض عليه أحد، ولا يستهلك طاقاته في الحديث عن خلافات داخل الجماعة أو غيرها".

وبينما يقر منير بأن "الجماعة في مصر، والتنظيم الدولي بشكل عام، يواجه ضربة يمكن أن تكون الأقسى في تاريخها، ولكن نعيد التأكيد للجميع أن هذا هو الطريق لأي داعية أو مصلح يسعى إلى خير وطنه".

كيف ترى الجماعة مستقبلها؟

وفق منير، ومصدر إخواني آخر من القاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، "تواجه الإدارة الأميركية انقساما بشأن عزمها تصنيف الجماعة تنظيما إرهابياً أجنبياً"، مشيرين إلى "أنه وخلال اتصالات الجماعة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، بدءا من إدارة الرئيس جورج بوش الابن (2002 ــ 2008) وإدارة الرئيس باراك أوباما (2008 ــ 2016)، حاول البعض أن يضغط باتجاه تصنيف الإخوان "إرهابية"، إلا أنهما رفضا، وحتى في ذروة "الأزمة" التي واجهتها الجماعة، بعد الإطاحة بها من حكم مصر، عام 2013، والتي كانت إدارة الرئيس أوباما هي من تحكم البيت الأبيض".

منير والمصدر الإخواني الآخر تتطابقا في حديثهما: "كنا متوقعين مع قدوم الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض، أن يتم تسريع خطوة تصنيف الإخوان إرهابية"، وبحسب منير "توقعت شخصيا أن يكون أول قرار متعلق بمنطقتنا من ترمب هو تصنيف الإخوان تنظيما إرهابياً". لكن وبحسب منير أيضا، "كان هناك كبح لمسعى ترمب من البنتاغون (وزارة الدفاع) وعدد كبير من الدبلوماسيين وأعضاء الكونغرس في هذا الشأن"، مضيفاً: "أعتقد توقيت الخطوة مرتبط بصورة أو بأخرى، بخطة السلام الأميركية للقضية الفلسطينية والمعروفة إعلاميا بـ(صفقة القرن)، ودعم الحكومة المصرية وتوجهاتها في المنطقة".

أذرع الجماعة المشاركة في الحكم

وبسؤاله عن تبعات الخطوة الأميركية في حال مضيها قدما وإقرارها، وتأثيرها على المنتمين للإخوان بشكل مباشر أو المنخرطين في الحكم في بلدانهم، قال منير "لا أتصور أن ينعكس هذا القرار عليهم،  لعدة أسباب أولها أن كل دولة حرة في سياساتها الداخلية، وكذلك كل فرع للجماعة في تلك الدولة"، وتابع: "كتنظيم عالمي للإخوان، ليس لدينا الآن أي تدخل في أي عمل سياسي أو إداري في أي قطر من الأقطار".

كما نفى احتمالية أن يهدد المنتمون للجماعة المصالح الأميركية حال وضعها على قائمة الإرهاب، معتبرا على حد وصفه، أن "نهج الجماعة وسلوكها بعيد عن العنف ما جعل البعض يتهمنا بالتقاعس والضعف وبالردة"، في إشارة لتنظيمي "داعش" و"القاعدة" الإرهابيين.

ووفق منير، فإن أعضاء الجماعة، ورغم الضربات الواسعة التي تلقتها على مستوى هيكلها التنظيمي في عدد من الأقطار العربية، إلا أن أعضاءها لا يزالون يمارسون عملهم، لكن بصورة وصفها "مثل أيام حكم الرؤساء جمال عبد الناصر (1956-1970) وأنور السادات (1970-1981) وحسني مبارك (1981-2011)"، وذلك في إشارة إلى حالات استهدف فيها رؤساء مصر السابقين الجماعة. ولاحقوا أعضاءها وانتهجت الجماعة العمل السري. وتابع "يختلف الأمر بالتأكيد عن الدول الأخرى، فهناك حرية في الحركة والتعامل".

وأوضح منير قائلاً: "اتساقا مع الإرث التاريخي لجماعة الإخوان، ذهب كل من حاول ملاحقتها وبقيت الجماعة وفكرها وأنشطتها قائمة". وتابع: "تدار الجماعة الآن بمبدأ التوصية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يهمنا في النهاية بقاء الفكر وليس التنظيم"، وتساءل: "هل الفكر أضير، لا، التنظيم هو ما أضير، وليس هناك إشكالية لدينا في ذلك".

هل تتسع وصمة "الإرهابية" في الغرب؟

وفيما يتساءل البعض بشأن احتمالية إقدام أي من الدول الغربية (كألمانيا والمملكة المتحدة، وفرنسا) التي ينشط فيها الجماعة بشكل واسع على عزمها تصنيف جماعة الإخوان "إرهابية" على غرار المسعى الأميركي، ينفي السفير الألماني في القاهرة، يوليوس جيورج لوي، أي نية لدى برلين لحظر الإخوان المسلمين، طالما "تعمل بشكل شرعي، وتنتهج السلمية، وتراعي القوانين"، وفق تعبيره، موضحا على هامش مؤتمر صحافي عقده بمناسبة قرب انتهاء عمله بالقاهرة: "أن المنظمات داخل ألمانيا يجب أن تعمل بشكل شرعي وتنتهج منهج السلم وتراعي القوانين وطالما أن المنظمات تفعل ذلك فإن ألمانيا تجيز عملها". وتابع: "لكننا نراقب أنشطة كل المنظمات في ألمانيا والعالم، وإذا اتضح أي نوايا تحريضية أو انتهاج العنف فسنأخذ الإجراءات اللازمة".

وبحسب تعبير السفير الألماني "فإن بلاده ليس لديها حالياً نية لحظر جماعة الاخوان المسلمين"، موضحا أن هذا الموقف "يتواءم مع المواقف الأوروبية وقوانين مكافحة الاٍرهاب". وأردف "نراقب الإخوان وكل الجماعات الدينية، وطالما لا تنتهج العنف فهي مسالمة ومباح عملها لدينا".

دبلوماسي أوروبي آخر، يتطابق موقف بلاده مع التوجه الألماني، قال "على الرغم من تقديم نحو 50 برلمانيا فرنسيا طلبا بحظر الجماعة في بلدهم قبل أيام، فإن هناك توجها في بلاده لعدم تصنيف الجماعة إرهابية، فضلا عن عدم التأكد بعد من ممارسة الجماعة تطرفا واضحا"، ومعتبرا على حد وصفه "أن يبقى الإخوان صماما ضد التطرف في منطقة تموج بالجماعات الإرهابية والمتطرفة ممارسة أفعالها باسم الدين".

وتأسست جماعة الإخوان في مارس (آذار) 1928 بمدينة الإسماعيلية على يد حسن البنا بعد أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية، وسرعان ما انتقلت إلى القاهرة وبقية أنحاء مصر، ثم إلى أجزاء كبيرة من العالمين العربي والإسلامي.

وانبثقت عن الحركة أحزاب سياسية قادت وتقود حكومات بالمغرب وتركيا والسودان وتونس، وتشارك في السلطة والمجالس النيابية في دول أخرى منها الأردن والكويت وموريتانيا وليبيا.

وفي العام 2012، وصلت الجماعة إلى السلطة في أعقاب سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، إبان أحداث ثورة الـ25 من يناير (كانون الثاني) 2011، إلا أنه سرعان ما خرجت مظاهرات حاشدة في الشوارع المصرية، على حكم الرئيس المنتمي إليها محمد مرسي، قادت إلى تدخل الجيش وعزله وتولية الحكم إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا، عدلي منصور حينها، وفق ما نص عليه الدستور.

وخلال السنوات الأخيرة، قضت محاكم مصرية بأحكام مختلفة على أغلب قيادات الجماعة، المصنفة إرهابية، بعد إدانتهم وتورطهم في تفجيرات إرهابية استهدفت قوات الشرطة والجيش، ومؤسسات الدولة وراح ضحيتها المئات في أنحاء مصر.

المزيد من سياسة