الرقص المعاصر في فلسطين بين الحرية والقيود

تحديات وضغوطات تتوزع بين المجتمع والدين والصور النمطية

"أرقص لأنني أشعر بالحرية، وأخلق لغة مشتركة بين كل شعوب العالم على الرغم من كل الاختلافات"، تقول ماريا دله (28 سنة) من قرية كفر ياسيف في الجليل، عضو فرقة ستيريو 48 للرقص المعاصر، التي أسستها مجموعة من الشبان في مخيم عسكر للاجئين شرق نابلس عام 2013، لتكون لرقص الـ "هيب هوب"، وتتطور لاحقاً لفرقة تقدم عروضاً في الرقص المعاصر في فلسطين وخارجها.

أمير صبرا (24 سنة) وهو مصمم رقص ومؤسس لفرقة ستيريو 48، بدأ بالتعرف على هذا الفن قبل 10 سنوات، حين أعجب براقص يُلقب بأبي مصلح في إحدى حفلات الشوارع في مخيم عسكر، ما دفعه للانضمام إلى مركز دار الفنون هناك، ويتمرن شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى درجة الاحتراف.

حلم بالعالمية... ولكن

لأمير 12 زميلاً في الفرقة، ما بين مؤسسين وراقصين، ولكل منهم قصة مختلفة في احتراف الرقص، فحمزة ضمرة (22 سنة) عمل بشكل فردي وقدم مهاراته في عروض عدة أداءً منذ أن بدأ عام 2009، حتى انضم للفرقة حين تأسيسها، وفيها وثق علاقته أكثر بابن عمه عبود، وعلى ذلك، يتندران بأن الرقص أقوى من صلة القرابة، وكان عبود بدأ الرقص بعد إلحاح صديق له للانضمام إلى هذا الفن، فالأمر لم يكن مقبولاً له، بسبب تدين عائلته، لكنه جذبه بعد حين، وأصبح يمضي ساعات يتمرن في غرفته، حالماً بالعالمية والسفر، إلا أن الظروف اختلفت بعد إنهائه الثانوية العامة، وتغيرت طموحاته.

طريق الاحتراف ليست وردية

الراقصون في فلسطين سواء كانوا من فرقة ستيريو 48 أو غيرها، لم يصلوا إلى الاحترافية بطريق مليئة بالورود، فهذا الفن غريب عن الشارع الفلسطيني، الذي اعتاد على ألوان محددة كالدبكة والرقصات الشعبية، لذلك فإن ظهور راقصي الـ "هيب هوب" أو المعاصر، واجه مجموعة من الصعوبات والضغوطات اختلفت باختلاف بيئة كل واحد منهم، فماريا مثلاً تواجه مشكلة عدم تقبل المجتمع لممارستها هذا الفن كمهنة أساسية ومصدر معيشتها، إضافة إلى ضعف ثقافة الرقص والمسرح في فلسطين.

وعدم تقبل المجتمع هذا الفن لا يقتصر على كون المؤدي ذكراً أم أنثى، فوالد حمزة حاول ثنيه مرات عدة عن الرقص، وكان يمنعه أحياناً من الخروج من المنزل، لأن هذا الفن بنظره ليس مهماً ولا يمكن اعتباره مهنة يعتاش منها ابنه، أما عبود فكان والده يريده أن يتجه إلى الدراسة في الجامعة ويساعده في عمله التجاري، هذا عدا عن البيئة المتدينة التي جاء منها، لكن والديهما بدآ بتغيير وجهة النظر هذه بعد أن لاحظا أن الرقص فعلاً تحول لمصدر رزق لابنيهما.

ليس الأهل هم الصعوبة الأكبر، فالراقصون بدأوا بمسيرتهم في مرحلة المراهقة وحينها كان زيّهم هو زيّ الـ "هيب هوب" بحجمه الكبير والسلاسل على الرقبة والشعر الطويل، لكن هذا الأمر جوبه بالاستهزاء سواء في مجتمع المخيم الذي جاؤوا منه أو مدينة نابلس ذاتها، التي كان أصحاب بعض المحال يستدعون الشرطة إذا رأوهم يتدربون قريباً منهم، عدا عن الانتقادات التي تصل إليهم إذا ما ضمّ عرضهم الراقص فتيات.

الرقص وسيلة تفريغ وتعبير

للرقص فوائد جمة تتجاوز كونه أحد أشكال الفنون، إذ يقول أمير إن المخيم حاضنة لمثل هذا الفن التعبيري، فسكان المخيم يعانون من العديد من الممارسات العنصرية أو ضغوط الحياة، وبالتالي، فإن الرقص يساعد في عملية التفريغ النفسي، هذا عدا عن الصداقة التي تشكلت بين أعضاء الفرقة وبات كل منهم يشجع الآخر على الاستمرار قدماً، إضافة إلى العروض الناجحة والمديح الذي يسمعونه بعد عروضهم، التي يقدمون فيها كل مرة رسائل مختلفة قد تتعلق بالهوية الفلسطينية أو بقضية اجتماعية ما، كعلاقة الرجل بالمرأة والعكس، أو الجماعة بالفرد، والمجتمع المحافظ الذي جاؤوا منه، ولكنهم يدركون تماماً أن المشاهد سيفهم هذه الرسائل بحسب طريقة تفكيره والبيئة الاجتماعية والدينية التي جاء منها، لذلك فإنهم يرقصون لأنفسهم قبل كل شيء، محاولين تعميق ارتباطهم بفلسطين، خصوصاً بعد تغير الظروف الاقتصادية والسياسية، والدور الذي لعبه ويلعبه الشباب في القضية الفلسطينية.

الراقص مسؤول اجتماعياً

وبالنسبة إلى الفرقة، فإن جانباً من المسؤولية الاجتماعية يقع على عاتقهم، إذ يوضح عبود أهمية الرقص في التفريغ النفسي وزيادة الثقة بالنفس، فهو يعمل في مجال تدريب الأطفال منذ عام 2016، ويتنقل بين العديد من المخيمات في فلسطين والأردن ليعطي الأطفال فرصة التفريغ عن أنفسهم وظروف الحياة التي يعيشونها، والقضايا المختلفة التي تمرّ بهم، في محاولة للتخفيف منها وإعطائهم فرصة تجربة الرقص للمرة الأولى.

هل ستعلم طفلك أو طفلتك الرقص؟

يتباين الناس في نظرتهم إلى الرقص، فمنهم من قسّمه جندرياً كأن يكون الباليه للفتيات، والدبكة للفتيان، ومنهم من يفضل الأماكن المغلقة غير المختلطة، في حين رفض البعض الرقص المعاصر والشرقي، باعتبار الأول فاضحاً في الحركات واللباس والمعاني، والثاني يقلّل من رجولة الشاب وخشونته، ومنهم من رأى فيه مخالفة للعادات والتقاليد والدين.

وعلى النقيض، هناك من اعتبر الرقص بكل أشكاله وسيلة للتفريغ النفسي ونوعاً من أنواع الرياضة وإيصال رسالة وطنية بخاصة الدبكة التي هي شكل من أشكال الفلكلور الفلسطيني، هذا عدا عن الأثر الذي يتركه تعلم الرقص في نفوسهم من ثقة عالية وقوة شخصية، كما أن الرقص وسيلة للاندماج مع الطبيعة من حيث السيطرة على حركة الجسد مع الموسيقى.

مهرجان سنوي للرقص

ولأن الرقص يعتبر وسيلة للتعبير وإيصال الرسائل إلى العالم في فلسطين، فإنه يقام كل عام في مدينة رام لله مهرجان للرقص المعاصر يمتد إلى ما يقارب الأسبوع بتنظيم من سرية رام الله الأولى، وهذا العام جاء بنسخته الرابعة عشرة بعنوان "ع وين" ضاماً عروضاً لـ 15 فرقة فلسطينية وعربية وأجنبية، وعروض أفلام راقصة.

المزيد من فنون وأضواء