Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على حزب العمال أن يتطلع إلى ما وراء الطبقة العاملة

انشغال هذا الحزب البريطاني بالطبقية وشؤونها تركه يعاني من مشكلة في صورته

الطبقة الاجتماعية لا تقدم أي دليل على كيفية تصويت الناس (أنتوني ديفلن/غيتي)

نمت مجموعة من الأساطير حول علاقة حزب العمال بالطبقة العاملة البريطانية. يقال لنا إن دور الحزب التاريخي يتمثل في دعم مصالح العمال وأن يكنّ الولاء لهم. غير أنهم لم يقابلوا هذا الولاء بمثله بصورة منتظمة على امتداد الـ120 عاماً الماضية.

في ستينيات القرن الماضي، حين كان 70 في المئة من الناخبين يُصَنفون على أنهم من الطبقة العاملة، نصح بعض منظمي استطلاعات الرأي، مثل مارك أبرامز كلاً من هيو غايتسكيل وهارولد ويلسون بوجوب تغيير علاقة حزب العمال بالفئات العاملة. وفي الوقت نفسه استمر أكاديميون مثل بيتر بولتزر بالتأكيد على أن "الطبقة هي أساس السياسات الحزبية البريطانية، كل ماعدا ذلك هو زخرفة وتفاصيل".

لو صنف معظم الناخبين على أنهم من الطبقة العاملة، ستظن أن حزب العمال لن يخرج من السلطة على الإطلاق. بيد أنه كان خارج السلطة وهو كذلك حالياً. هكذا، هناك شيء ولا يزال يحدث بشكل خاطئ في مكان ما.

ولعل التصريحات الجدلية من قبل أكاديميين قد ساعدت على تعزيز الاعتقاد لدى أعضاء حزب العمال التقليديين بأن "الصراع الطبقي" كان حقيقياً ومن الممكن الفوز به، كما لو أن ثقافة قرية المنجَم [تبنى بالقرب من منجم فحم حجري للعاملين فيه] يمكن تطبيقها في كل الأماكن. كانت تلك الصورة بمثابة القيد الذي شد حزب العمال إلى الماضي، ليس فقط من الناحية الأيديولوجية، بل أيضاً في ذهن الناخب.

تغير الناخبون ومضوا إلى الأمام. إلا أن حزب العمال لم يبرح مكانه، باستثناء فواصل قصيرة في تاريخه. وقد فضل حزب العمال لفترات طويلة الماضي على المستقبل. وفي عهد جيريمي كوربين أصبح الحزب مشلولاً ومصاباً بالحنين.

وهذا هو السبب الذي يجعل تقريريّ بيتر كيلنر حول توجهات الناخبين وعنوانهما "من الجدران الحمراء إلى الجسور الحمراء"، والآن "الجدران الحمراء إلى الجسور الحمراء – السياسة في حقبة ما بعد الطبقية" الذي نشره "معهد توني بلير" اليوم، يأتيان في الوقت المناسب. فهما يُظهران أن الطبقة العاملة لم تعد كما كانت من قبل. وهي لم تكن على عادتها منذ بعض الوقت. وفي حين يُصنف اثنان من أصل كل خمسة حسب وظائفهم بأنهم منتمين للطبقة العاملة، فإن ثلاثة من أصل كل خمسة يعرّفون أنفسهم على أنهم كذلك، وهو رقم كان منتظماً منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وهذا قد يعطي بعض الأمل لأولئك الذين يرون أن ثمة قيمة للصراع الطبقي، إلا أن الناخبين أكثر تحفظاً من ذلك بكثير حيال هذا النهج. وهم لا يزالون يرون أن الغاية من حزب العمال هي تمثيل العمال ومن حزب المحافظين تمثيل الطبقة الوسطى. وفيما تجتاح أزمة تكلفة المعيشة العائلات، فإنهم يبقون في ذروة الوعي للانقسامات في المجتمع. وفي الوقت نفسه، فإن الخط الفاصل بين الطبقات الاجتماعية يصبح أقل وضوحاً فيما تنظر بشكل مفصل أكثر على ما يجري بالفعل.

إن هناك مجموعة من العمال أصحاب الياقات الزرقاء [العمال الذين يؤدون الأعمال اليدوية] الذين تدفعهم وظائفهم بتصنيفهم كطبقة عاملة، غير أنهم يعتبرون أنفسهم من الطبقة الوسطى. ويشكل هؤلاء ما يزيد بقليل على عُشر الناخبين. وقد صوتوا بنسبة 54 في المئة لحزب المحافظين و22 في المئة لحزب العمال في الانتخابات العامة لسنة 2019. وهناك مجموعة أخرى، ممن يؤدون وظائف محسوبة على الطبقة الوسطى، ويعرفون أنفسهم بأنهم من الطبقة العاملة، ويمثلون ثلث الناخبين. ولقد صوت هؤلاء بنسبة 44 في المئة لحزب العمال و39 في المئة لحزب المحافظين. أما الناخبون الأخرون الذين عرفوا أنفسهم كأعضاء في الطبقة التي تحددت بموجب وظائفهم، فصوتوا بأعداد كبيرة لصالح حزب المحافظين في انتخابات عام 2019.

وبالنسبة إلى كلا الحزبين، لكن خصوصاً لحزب العمال، فإن الطبقة الاجتماعية لا تقدم أي دليل على كيفية تصويت الناس.

في الوقت الذي ينكب فيه السياسيون ومنظمو استطلاعات الرأي على معاينة البيانات الانتخابية بصورة دقيقة على أساس الطبقة، فإن الناخبين أنفسهم ليسوا مهتمين حقاً بتعريفهم الطبقي. ويكشف تقريرا كيلنر أن الغالبية قد تصنف نفسها على أنها طبقة عاملة، بيد أنهم يعتقدون أن انتماءهم إليها مهم بالنسبة إلى آبائهم أكثر منه لهم. بالنسبة للناخبين، العائلة والمكان الذي نشأوا فيه علاقتهم أقوى بهم، وكذلك لكونهم بريطانيين. كذلك مؤهلاتهم المهنية مضافة إلى مهاراتهم التعليمية، ومؤشرات الطموح، كانت كلها بين ثلاث أعلى إجابات. واعتقد واحد فقط من كل أربعة أن كونه من الطبقة العاملة أو الوسطى كان مهماً له. وكان التطوع وحتى هوايات الشخص مؤشراً أكثر أهمية على هويته من نوعية الطبقة الاجتماعية التي ينتسب إليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تمثل الطبقة العاملة مفهوماً متعدد الأبعاد في بريطانيا في القرن الـ21. وهو يرضي الجميع ويجعلهم مسرورين. وخلافاً لما كانت عليه الحال عند ولادة حزب العمال، لم تعد المهنة مؤشراً رئيساً لكيفية رؤية الناس لأنفسهم في المجتمع. سيستمر هذا مع تقدم القرن، ويُنظر إلى الأصول الصناعية لحزب العمال على أنها عبارة عن تاريخ قديم.

إن قدرة حزب العمال على التكيف مع اهتمامات الناخبين المتصدعة والمجزأة بشكل متزايد، بدأت بالتراجع في سنوات العقد الثاني من هذه الألفية، خصوصاً خلال جنون حقبة كوربين، حين كانت رؤية الحزب تتلخص بعجلات عربات المناجم وبوابات المصانع. إن ذلك الآن بات خلفنا، وكير ستارمر [زعيم حزب العمال] يضخ في حزب العمال جرعة جيدة من الذوق، والمبدئية والكفاءة. وهو يريد أن يفوز.

إن انشغال حزب العمال بالطبقية قد تركه يعاني من مشكلة في صورته، التي تساعد على استمرارها لغة حزب العمال اليومية. ولدى سؤال مجموعات التركيز في سياق بحث كيلنر المتعلق بتقصي الأراء، عن وجهات نظرهم حول كلمات من قبيل "التضامن" و"رفيق" كانت الإجابة واضحة بأن هذه كلمات من "المدرسة القديمة" وهي "متطرفة". وهذا لا يشبه التحيات التي تسمعها في الحانة.

أما بالنسبة لتحية القبضة المشدودة، أو الشعار، الذي تستعمله فصائل جناح اليسار وهو يظهر في قاعات مؤتمر حزب العمال، فقد قال المشاركون إن الصورة كانت "عدوانية" و"تماثل روسيا السوفياتية في عشرينيات القرن الماضي"، ما عكس رأيهم في حزب العمال بايحاءات من القرن الماضي. إن انطباع الناخبين عن حزب العمال لن يتبدل ما لم يواصل تغيير صورته عن نفسه.

ترعرت في مجمع سكني تابع للمجلس البلدي تم بناؤه خصيصاً لعمال المناجم وعائلاتهم. وكانت القرية المحاطة بمناجم الفحم وأكوام من المواد المحفورة، وشكلت جزءاً من حقول درهام للفحم الحجري. وعلى الرغم من أن مناجم الفحم كانت تتجه للإقفال النهائي، فقد بقي استخراج الفحم مصدراً كبيراً للوظائف. هكذا، كانت كل البيوت على طول شارعنا مساكن لعمال مناجم الفحم، باستثناء واحد منها. عمل والدي في منجم الفحم طوال الشطر الأكبر من 40 عاماً. ولم تكن الطبقة من الأشياء التي كانت تجري مناقشتها في نوادي الرجال العاملين وفي النوادي الاجتماعية الخاصة بعمال المناجم، وفي خنادق الكُراث [حيث تُزرع هذه الخضار] وعند بيوت الحمام. كان الأمر مفروغاً منه. نحن انتمينا إلى طبقتنا. وكان الجميع في حزب العمال. كان ذلك مفروغاً منه أيضاً.

وإذا اعتقدت أنني كنت أنتمي إلى الطبقة العاملة قبل كل تلك السنوات، ففي هذه الأيام يبدو أن الناس يتماهون فقط مع الطبقة العاملة. وكما ذكرت كلير إنزلي في كتابها المعنون "الطبقة العاملة الجديدة" أنه "نظراً لتشرذم شخصية الطبقة العاملة الجديدة، لا يمكن النظر إلى العبارة نفسها على أنها تشجع الناس على توحيد الصفوف والعمل معا، لأنه ليس هناك انتماء جماعي قوي بما فيه الكفاية فيها لجعلها مفيدة في الاتصالات السياسية".

وإذا لم تعد الطبقة العاملة كلاً متجانساً، فلماذا التظاهر بأنها كذلك؟ إن هذا عبارة عن مفارقة تاريخية. وثمة شيء واحد مؤكد، وهو أن الطبقة العاملة الجديدة ستتطلع إلى حزب العمال فقط إذا توقف الحزب عن الظهور بمظهر الطبقة العاملة القديمة.

وإذا كان حزب العمال سيحاول استهداف الطبقة العاملة فقط على أساس التعريف الاقتصادي الذي استعمله منظمو استطلاعات الرأي منذ الحرب العالمية الثانية، فإن استراتيجية الحزب الانتخابية ستكون محكومة بالفشل لأن الطبقة العاملة تُعرّف كأقلية كما أن ثلثها سيصوتون لحزب المحافظين على أي حال.

وإذا كان لحزب العمال أن يجد بعض العزاء في تعريف الـ62  في المئة من الناخبين لأنفسهم كطبقة عاملة، فإن على الحزب أن يفكر مرة ثانية. فمجموعة الناس نفسها تبدي اهتماماً أكبر بأن يجري تعريف [كل من أعضائها] على أساس هواياته بدلاً من أن يكون رقماً في الطبقة التي يدعي حزب العمال أنه يمثلها.

تأسس حزب العمال كجناح سياسي للحركة العمالية. وهو تحالف كان قوياً ومهماً قبل قرن من الزمان، لكنه فشل في الإصلاح على مر السنين، الأمر الذي جعله عبارة عن نصب تذكاري أكثر منه حركة. وهناك اليوم عضو واحد فقط في نقابة عمالية بين كل عشرة أشخاص عاملين في القطاع الخاص، ومع ذلك فإن نقابات العمال المنتسبة إلى حزب العمال تحتفظ بنصف أصوات المؤتمر السنوي للحزب.

إن الانتماء الراسخ إلى الطبقة العاملة الذي شعرت به وأنا أترعرع، لم يعد موجوداً. صحيح أن الناس تماهوا مع عائلاتهم والمكان الذي كانوا يعيشون فيه في ذلك الوقت أيضاً، بيد أن وظائفهم اليوم، وطموحاتهم، وانتماءهم البريطاني، واستعدادهم للتطوع، تعطيهم مزيداً من الهويات، ليختاروا منها تلك التي تتمتع بعلاقة أقوى بحياتهم. ويبدو هذا على أنه انتماء إلى مجتمع أكثر منه إلى طبقة.

عندما تأسس حزب العمال في عام 1900، كانت هناك تحركات لضمان أن "أعضاء الطبقة العاملة" وحدهم هم من يستطيعون أن يمثلوا الطبقات العاملة في البرلمان، وهو أمر لا يزال يدعو إليه جناح اليسار في حزب العمال اليوم. كانت تلك المناورات المبكرة قد هزمت بأغلبية ساحقة. ولحسن الحظ أن هذا حصل، وإلا لكان حزب العمال قد منع الفائزين الثلاثة الكبار بالانتخابات، أي كليم أتلي وهارولد ويلسون وتوني بلير، من الترشح عن حزب العمال. وقال فرانسيس وليامز، مؤرخ الحزب، إن "الباب أمام حزب اشتراكي لا طبقي قد تُرك مفتوحاً".

ربما ستكون لحظة البند الرابع المقبلة بالنسبة لحزب العمال [بند في دستور حزب العمال يحدد أهداف وقيم الحزب، والعبارة تستخدم للدلالة على الحاجة لإعادة صياغة جوهرية لمبادئ أو مواقف الحزب السياسي] هي نزع قيود الطبقية واحتضان معنى المجتمع وذلك كخطوة أولى يخطوها عبر الباب. وبالنسبة للجزء "الاشتراكي"، فإن ذلك أيضاً هو شيء يتعين علينا أن نعيد ابتكاره من دون "الرفيق" والقبضة المشدودة.

القيم تقودنا بعيداً عن طريق الأيديولوجيا المسدود لأن المجتمع، وليس الطبقة، هو الانتماء الجديد.

*فيل ويلسون كان عضو البرلمان عن دائرة سيدجفيلد حتى عام 2019.  

© The Independent

المزيد من آراء