Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موقف متشدد لمجلس الشيوخ الأميركي من الحكم العسكري في السودان

رسائل عدة حملها مبعوثو الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية والقرن الأفريقي إلى البرهان بأن المساعدات للخرطوم مرهونة بتسليم الحكم للمدنيين

حاول المجلس العسكري ممارسة سيادة مباشرة على المدنيين بدأ بعدها بتقييد الحريات وتجاهل الاستعداد للتنازل عن السلطة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

منذ أن أقر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إجراءات 25 أكتوبر (تشرين الأول)، ظل المكون العسكري يحاول إقناع المدنيين والشعب السوداني بأن ما تم هو نتيجة متوقعة وحتمية لانعدام الاستقرار السياسي وزيادة حالات الانفلات الأمني والتوتر الاجتماعي والاقتصادي وضعف النظام السياسي، وهو قول صحيح في أحد جوانبه خصوصاً في ظل عدم تنظيم الأحزاب والقوى السياسية ما وفر فرصة نادرة لإجراء التغييرات التي تمكن المكون العسكري من الحكم إن لم يكن منفرداً، فبأغلبية تحل محل القوى المدنية، في ما أطلق عليها وصف "إجراءات"، وتتحاشى الحكومة إشارة الآخرين إليها بأنها انقلاب.

وبعد إقرار مجلس الشيوخ الأميركي، الأربعاء 11 مايو (أيار)، بكامل عضويته وإجماعهم عبر تصويت سريع لم يشبه أي اعتراض "مشروع قرار إدانة الانقلاب العسكري في السودان ودعم الشعب السوداني في تطلعاته الديمقراطية"، دعا إلى إطلاق سراح جميع المسؤولين الحكوميين المدنيين وأعضاء المجتمع المدني، كما دعا القوى الأمنية إلى احترام حق التظاهر السلمي وتحميلها مسؤولية استعمال القوة المفرطة وأي انتهاكات بحق المتظاهرين، وكانت لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي قد أقرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مسودتين لفرض عقوبات على المسؤولين عن زعزعة الاستقرار في السودان، وصوتت لإدانة الانقلاب وإقرار فرض العقوبات.

نظر في العقوبات

في جلسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، مطلع فبراير (شباط) الماضي، سأل السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية مولي فيي عن عدم فرض عقوبات على قادة الانقلاب في السودان، فردت عليه، "نحن ننظر في المسألة، وسنتعاون مع الكونغرس في هذا الشأن"، ووفقاً له، جاء القرار الأخير مفصلاً لأغلب التجاوزات التي ارتكبت خلال الفترة الانتقالية، على عكس القرارات السابقة التي كانت تختصر بإدانة إجمالية لأي تجاوزات بما فيها الوضع القائم، فمقابل محاولة المكون العسكري توجيه البلاد إلى أن تكون عسكرية بالكامل، لما تمتلكه القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى من سلطة عسكرية استطاعت أن تقود التأثير وتوجه سياسة البلد، خصوصاً في ظل غياب سلطة سياسية مدنية، ذكر القرار أن "الكونغرس حث المجلس العسكري على التوقف عن كل المحاولات لتغيير التركيبة المدنية للحكومة والمجلس السيادي ومؤسسات حكومية أخرى، واحترام بنود الوثيقة الدستورية".

قطع المساعدات

رسائل عدة حملها مبعوثو الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية والقرن الأفريقي، من واشنطن إلى رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان، بأن المساعدات الأميركية والدولية للسودان مرهونة بتسليم الحكم للمدنيين، ورفع حال الطوارئ، والإطلاق الفوري لجميع الناشطين المدنيين المعتقلين. وفي ما يخص هذا المحور، طلب مشروع القرار الذي أصدره مجلس الشيوخ "تحديد أسماء قادة الانقلاب والتنسيق مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لوقف كل المساعدات غير الإنسانية إلى السودان حتى عودة النظام الدستوري الانتقالي"، كما ذكر أنه "يحث حلفاء الولايات المتحدة ودول الترويكا على الانضمام إليها في فرض عقوبات فردية على أفراد المجلس العسكري وشركائهم، وتعليق مشاركة السودان في كل المنظمات في المنطقة حتى عودة العملية الانتقالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختار القرار بند المساعدات باعتباره العنصر الأكثر فاعلية، لما له من تأثير مباشر في حياة الأفراد والدولة بمؤسساتها المختلفة، فحرمان السودان من المساعدات الدولية والمنح والقروض يعرقل قابلية الدولة على إدامة الاقتصاد القوي في حالتي السلم والحرب على حد سواء لما للعامل الاقتصادي من قوة في التأثير في العلاقات الدولية، كما أن التهديد بقطع المساعدات الاقتصادية أو بفرض العقوبات الاقتصادية سيضطر المجلس العسكري إلى الرضوخ للشروط، وعلى الرغم من أنه ليست هناك مساعدات أميركية حقيقية على أرض الواقع إلى السودان، إذ لا تزال في مرحلة الوعود، فإن الولايات المتحدة تمتلك تأثيراً عالياً على مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. أما بالنسبة إليها، فقد أعلنت الولايات المتحدة عن تعليق المساعدات الاقتصادية التي كان الكونغرس الأميركي أقر تقديمها للسودان والبالغة 700 مليون دولار، في إدانة مباشرة لإجراءات البرهان، وكانت تلك المساعدات، حسب الخارجية الأميركية، تستهدف دعم الانتقال الديمقراطي في السودان، ويمكن القول إن استراتيجية السودان في الحصول على المساعدات بعد ثورة ديسمبر 2018، قد تعثرت تحت عبء التغيير السياسي وإعاقته، إذ لم يفضِ إلى الديمقراطية وإقامة دولة مدنية بعد.

تلاشي الشراكة

حاول المجلس العسكري ممارسة سيادة مباشرة على المدنيين بدأ بعدها في تقييد الحريات بالداخل وتجاهل الاستعداد للتنازل عن السلطة، وخلال الأشهر الأخيرة منذ أكتوبر الماضي، تلاشت مظاهر الشراكة المدنية - العسكرية، وبتعطيل الوثيقة الدستورية تلاشى مبدأ القبول المشترك لكل من المكونين العسكري والمدني لإطار قانوني يوضح مسؤوليات كل منهما، وعلى الرغم من محاولات العسكر الإيحاء بأن إجراءات البرهان نابعة من واقع مسؤولية الجيش عن الأمن القومي، فإن فشلهم في الحفاظ عليه كان واضحاً بل زاد تفاقم المشكلة الأمنية، ولم يستفد العسكر من الخصائص المعروفة عن الجيش مثل المركزية والانضباط والتنسيق بين القادة والأفراد، كما لم يحافظوا على بيروقراطيتهم وذابوا في مواجهة الحالة الثورية، وذلك نابع من دخول الحركات المسلحة والقوات النظامية الأخرى في حالة تنافس معهم، فظهر قصور قدرات العسكر في إدارة الدولة.

مواقف متضاربة

ويواجه السودان في هذه الفترة الانتقالية احتمال فرض ديكتاتورية عسكرية غير منتمية لحزب معين بخلاف الديكتاتوريات السابقة، ولكن في الحالتين، تعمل السلطة على تصفية الحسابات مع المعارضين المحتملين أياً كان توجههم، فهناك قوى سياسية داعمة لإجراءات البرهان وأخرى معارضة، وكلها تربطها حلقة وصل بمستوى السلوك السياسي العسكري، فعندما كان المكون المدني شريكاً في الحكم كان أشبه بجماعة ضغط إزاء محاولة العسكر التأثير في سير الحكومة، ولكن اتسمت فترة الشراكة بالصراعات بين المكونين من جهة، وداخل المكون المدني من جهة أخرى.

ويمكن ذكر ما جاء في كتاب صمويل هنتنغتون، "النظام السياسي في مجتمعات متغيرة" بهذا الخصوص من أنه "إذا كبر عدد الأحزاب المتصارعة علـى السلطة فهذا يعني كثرة احتمالات تعرض الحكومة القائمة لانقلاب عسكري، وتنطبق الحال أيضاً على النسق السياسي الذي لا توجد فيه أحزاب سياسية فعالة، وحينما تقل الأحزاب السياسية في البلاد تصبح القوات المسلحة واحدة من التنظيمات أو التنظيم الوحيد القادر على الفعل الانضباطي على المستوى القومي".

وفي الوقت الذي أكد فيه الكونغرس الأميركي في وقت سابق "ضرورة إجراء إصلاح شامل للمؤسسات الأمنية والعسكرية السودانية وإخضاعها لرقابة مدنية قوية"، وأشار إلى أنه "سيستمر في دعم المبادرات التي تعزز السلام الدائم والديمقراطية في السودان من خلال حكومة انتقالية يقودها مدنيون"، جاء مشروع القرار ليعكس التغير في موقف إدارة الرئيس جو بايدن التي تحفظت من قبل عن وصف إجراءات البرهان صراحة بأنها انقلاب، وذلك ربما للإبقاء على قناة تواصل مع العسكر، وعدم التسرع بفرض العقوبات التي عزلت السودان في ظل النظام السابق، مع ضرورة أخذ قضاياه ضمن أزمات القرن الأفريقي، بالنظر إلى إسهامه في مكافحة الإرهاب وتجارة البشر، ومع ذلك، ربما لا تخرج سياسة موحدة من الإدارة الأميركية تجاه السودان ويظل تضارب المواقف قائماً فيدفع السودان ثمن ذلك مرتين.

تقاطعات جيوسياسية

لا يزال التحفظ قائماً حيال الاستفهام عن السلطة المفوضة من الكونغرس الأميركي في مجال السياسة الخارجية، ومدى الالتزام بها، وهل للسودان مركزية لدى الإدارة الأميركية أم أن هذه المواقف المتخذة بدافع من توترات الوضع الإقليمي؟ ولماذا لا تواجه الولايات المتحدة صعوبات داخلية أو خارجية عند استخدام أداة العقوبات ضد السودان، بل تتم بكل يسر؟

يوضح التلويح بهذا القرار ثم إصداره أخيراً أن هناك العديد من التقاطعات الجيوسياسية والأمنية والإنسانية في ما يتعلق بوضع السودان بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، والتزمت الحكومة السودانية الصمت بشأن هذا الموقف المتردد، ولم تحاول في تلك الفرصة التي أتيحت لها خلال الأشهر الماضية مراجعة أخطائها، ما أدى إلى تعزيز هذا الموقف ضدها.

وإذ تنادي الولايات المتحدة دول الترويكا وأصدقاء السودان لإيجاد موقف مشترك من عقوباتها المزمع تطبيقها ضد السودان، يمكن تحديد ما وراء المواقف المختلفة التي من شأنها صياغة القرارات المتداخلة في ديناميات المجال الحيوي للسودان الذي يتأثر بثلاثة تفاعلات مختلفة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ويسهم في تحديد مصير البلاد ورسم حدود حضورها الإقليمي والدولي، يمكن بناء ذلك على محددات داخلية معلومة تقف وراء اتخاذ هذا القرار، مع عدم إغفال المحددات الخارجية، وتدور كلها في فلك متداخل الأبعاد.

المزيد من تحلیل