Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البجا وأزمة التأطير السياسي في شرق السودان

أي محاولة للعمل الجاد لا تأخذ في اعتبارها المتغيرات الخطيرة التي أحدثها تجريف "الإخوان المسلمين" بالهوية ستتعثر بمزيد من الفشل

انقسم مؤتمر البجا إلى أكثر من 7 أحزاب على نحو نال من هويتهم السياسية   (اندبندنت عربية – حسن حامد)

منذ قيام مؤتمر البجا الأول في 11 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1958 كأول إطار سياسي لهم في التاريخ السوداني الحديث، كان التعبير العميق للاستنارة الذي عرف به طه عثمان بليه (أول رئيس للمؤتمر)، هوية البجا أكثر من دالٍّ على الطبيعة المواطنية للأسس التي قام عليها، فقد امتد التعريف ليشمل كل السودانيين الذين يعيشون ويقيمون بشرق السودان من جميع أطراف البلاد، أي إن الرؤية الشاملة لتعريف جميع مواطني شرق السودان بوصفهم بجا كانت بمثابة إضافة لهم تعكس الحميمية التي اتسم بها ذلك التعريف. ولولا انقلاب الجنرال عبود بعد شهر واحد من قيام مؤتمر البجا، ووفاة طه عثمان بليه بعد عامين من تدشينه، من ناحية، وتكالب بعض بيوت الطائفية السياسية بشرق السودان على المشروع التنويري لـ"بليه"، من ناحية ثانية، لكان لهذا المؤتمر شأن آخر في تحويل مجتمع شرق السودان إلى وجهة أخرى. بدلاً من الوجهة التي ظل مرتهناً فيها لأحزاب الطائفية السياسية منذ الاستقلال، تلك الأحزاب التي لم تقدم لأهل الشرق سوى النزر القليل جداً مع الكثير من الإهمال والتهميش وخذلان قبائل البجا في مثلث المرض والجهل والفقر، الذي أراد مؤتمرهم بقيادة طه بلية ورفاقه إخراجها من ذلك المثلث الرهيب، حيث لا تزال حتى اليوم للأسف.

اليوم، انقسم مؤتمر البجا إلى أكثر من 7 أحزاب، بطريقة دلت على الانحراف العميق الذي ضرب الهوية السياسية للبجا، ناهيك بالاتجاهات العنصرية التي ولغت فيها بعض الكيانات السياسية لشرق السودان، كـ(المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة) الذي يدعي بعض قادته انتماء زائفاً لمشروع طه عثمان بليه، فيما مشروعه بريء منهم، فلا الآفاق السياسية والوطنية لقادة مؤتمر البجا الأول (بشقيهم، الناطقين بالبداويت والناطقين بالتقراييت) تشبه التأويلات العنصرية الضيقة لشعارات المجلس، ولا القدرات الثقافية والفكرية لقادة المجلس الأعلى لنظارات البجا ترتقي إلى قدرات الآباء المؤسسين لمؤتمر البجا الأول، في مفارقة تكشف لنا اليوم، إلى أي مدى دمر نظام "الإخوان المسلمين" وجرف الحياة السياسية في السودان على مدى ثلاثين عاماً.

ومنذ أن نشطت الثورة المضادة متخذةً من شرق السودان خاصرةً رخوة لاستهداف الثورة السودانية، كان واضحاً أن انكشاف القوى السياسية للبجا وعجزها عن تدبير أي مشروع سياسي قابل للحياة هو السبب الرئيس لمدبري الثورة المضادة من استخدام البجا وتنظيماتهم السياسوية الهشة مطية لأغراضهم السياسية الخبيثة، وهذا ما حدث.

اليوم، يعاني شرق السودان خواءً سياسياً غريباً، فلا الأحزاب السياسية التي تدعي تمثيلاً قومياً كـ"الاتحادي الديمقراطي"، و"الأمة"، و"الشيوعي"، و"المؤتمر السوداني"، قادرة على الاستقطاب والتأثير السياسي في الناس، ولا ما يسمى جبهة قوى الحرية والتغيير قادرة على ذلك، إلى جانب الفشل الذريع الذي أصاب كيان ما سمي (المجلس الأعلى لنظارات البجا) والكيانات الأخرى. وفي ظل واقع مُزرٍ كهذا، نرى أن أي محاولة للعمل السياسي الجاد لا تأخذ في اعتبارها المتغيرات الخطيرة التي أحدثها التدمير والتجريف الشامل للساحة الحزبية ولجميع القوى الحزبية والسياسية على يد نظام "الإخوان المسلمين"، على مدى ثلاثين عاماً، ولا تستصحب تقييماً نقدياً في أصل الجدوى من أحزاب مرحلة ما بعد الاستقلال، ستتعثر في مزيد من الفشل ولا يمكنها أبداً أن تقترح تصوراً جاداً للخروج من الأزمة.

للنظر أولاً: ماذا فعل نظام "الإخوان المسلمين" بقواعد اللعبة السياسية وميدانها الحزبي في السودان لكي ندرك، ثانياً، ما هي فرص وإمكانية الخروج من المأزق الذي خلفوه، لا سيما في شرق السودان، حيث إن نظام تسييس الإدارة الأهلية الذي اتخذه "الإخوان المسلمون" وسيلةً سياسيةً لاستقطاب الأتباع ونظار القبائل، كان هو الوصفة المسمومة لتدمير نسيج البنية السياسية لميدان العمل الحزبي العام، فعلى مدى ثلاثين عاماً تم توظيف تلك الوصفة لتخلق آثارها اليوم ما يشبه امتناعاً أمام أي عودة للعمل الحزبي السوي، وفق معناه العام القائم على صيغة الأحزاب المركزية، بخاصة في شرق السودان الذي كان الأكثر تضرراً من نظام تسييس القبائل، لأن الشرق هو الأكثر قابلية للانخراط في ذلك، نظراً لقوة وهيمنة القبيلة على أفرادها هناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا أحد اليوم من عوام الناس في الشرق يكاد يؤمن بتلك الأحزاب المركزية إيمانه بقادته القبليين ونظار القبائل، الأمر الذي يضعنا أمام تحول خطير لفهم الواقع السياسي بمنظور القبيلة، وهو فهم رأينا آثاره الكارثية في الواقع السياسي لشرق السودان بعد الثورة، ولا يزال هذا الفهم للسياسة باعتبارها ميداناً لعمل نظار القبائل قائماً في وعي الكثيرين من عوام الناس في شرق السودان، مما يجعلنا بالفعل أمام واقع تم تكريسه ليكون بمثابة انسداد أمام أي مستقبل على المدى القريب والمتوسط للعمل الحزبي السياسي العام وفق صيغة الأحزاب المركزية كما كان الأمر من قبل مرحلة الإنقاذ.

ولمعرفة مدى ما أصبح الوضع السياسي عليه من تعقيد اليوم نتيجة للتدمير الذي لحق بالمجال الحزبي والسياسي على يد "الإخوان المسلمين"، حين أصبحت السياسة ميداناً للقبائلية، يمكننا أن نقارن وضع اليوم بما كان عليه الوضع السياسي في الخمسينيات والستينيات، فعلى الرغم من أن الطائفية السياسية التي هيمنت على السياسة آنذاك كانت أوسع إطاراً من القبلية الضيقة، إذ إن الطائفية كان تجمع أطيافاً مختلفة من المواطنين، فإنه مع ذلك لم يجرؤ أي من زعيمي الطائفتين السياسيتين آنذاك (الطائفة "الختمية" بزعامة علي الميرغني، وطائفة "الأنصار" بزعامة عبد الرحمن المهدي) على أن يكون رئيساً مباشراً للحزبين الذين كانا يمثلان الطائفتين، حزب الأمة ممثلاً لطائفة "الأنصار"، وحزب الشعب الديمقراطي، ممثلاً لطائفة "الختمية" ولم يكن ذلك عن عدم قدرة منهما كزعيمين، ولا خشيةً منهما في عدم الفوز الكاسح بأصوات الأتباع، وإنما كان عدم خوض كل من الزعيمين في السياسة المباشرة من أجل الحفاظ على وقارهما باعتبارهما رمزي إجماع واحترام من جميع الشعب السوداني، وكذلك لإدراك كل واحد منهما أن طبيعة الزعامة والرعاية الروحية المستندة إلى الدين تتنافى مع الخوض في مجال سياسي هو بطبيعته مجال للانتقاد والمؤاخذة.

ومع ذلك كله لم تنجح الطائفية السياسية في نهاية المطاف في قيادة العمل السياسي وعجزت عن الاحتفاظ بأتباعها أمام إغراء الأحزاب الحديثة آنذاك كالحزب الشيوعي والحركة الإسلامية (التي على الرغم قدامة محتواها بدت حديثةً تنظيمياً) بمعنى آخر: أن ما سوغه نظام تسييس الإدارة الأهلية في تخطيط "الإخوان المسلمين" كان مخططاً خبيثاً للإجهاز على سوية الميدان السياسي للقوى الحزبية بحيث سوغ لنظار القبائل ما لم يجرؤ عليه حتى زعيما الطائفتين اللتين ضمّتا في لوائحهما جميع قبائل السودان خلال الخمسينيات.

ولعل آخر زعيم أدرك خطورة ما أقدم عليه من جمع بين الإمامة والسياسة هو الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، الذي، ولإدراكه العميق بما أقدم عليه من الجمع بين النقيضين كان يتقبل بأدب جم وخلق كريم كل انتقاد سياسي يأتيه من جميع الأطراف.

هكذا، وبعد ثلاثين عاماً من توهم نظار القبائل في شرق السودان بأنهم قادة سياسيون يبدو واقع شرق السودان اليوم هو الأسوأ تعبيراً عن الوضع السياسي، بدخول بعض نظار القبائل في ممارسة السياسة عبر كيانات تنظر للسياسة بمنظور قبائلي كالكيان الذي يسمى "المجلس الأعلى لنظارات البجا" فرأينا طبيعة الخراب والفتن الأهلية التي تسببت فيها تلك الممارسة.

إزاء هذه الورطة الخطيرة يتبين لنا أن ثمة امتناعاً باتجاهين، الأول امتناع ظرفي يحد من أي إمكانية لعودة هيمنة الأحزاب المركزية على المجال السياسي العام على المدى القريب والمتوسط (كما كان الحال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي)، والأخير امتناع الواقع السياسي عن الاستجابة للمنظور القبائلي للسياسة الذي تسبب في ضرب النسيج الاجتماعي بالفتن التي ولدتها تلك الممارسة السياسوية المعطوبة لنظام تسييس الإدارة الأهلية، كما تجلى في ممارسات ما سمي "المجلس الأعلى لنظارات البجا".

ما الحل؟

يمكن القول: إذا كان مؤتمر البجا التأسيسي عام 1958 طريقة ذكية في تأطير العمل السياسي بعيداً من النظار والقبائل، فإن وضع أحزاب مؤتمر البجا المنقسمة على نفسها اليوم لا تصلح للسياسة لأنها جزء من واقع عام تم فيه تخريب السياسة بداء القبائلية الذي كرسه نظام "الإخوان المسلمين".

ولهذا من الأهمية بمكان في ظل الامتناعين السابقين، أن يفكر سكان شرق السودان في أطر حزبية جديدة يكون في برامجها السياسية حلول جادة لواقع المشكلات التي يعانيها سكان شرق السودان عموماً، والبجا خصوصاً.

هل يعني هذا أن تكون مجموعتا البجا حزبين كبيرين، كل على حدة، في شرق السودان ضمن تفاهم بينهما وضمن برامج وطنية ومطلبية تتوافق مع الدستور وبتنسيق مع جميع القوى السياسية في شرق السودان، كاستجابة موضعية مؤقتة لامتصاص فائض الفوضى الذي ضربت الوعي السياسي والميدان السياسي لثلاثين عاماً بتحزيب القبائل على يد نظام "الإخوان المسلمين"؟ أم يعني الأمر، التفكير في طرائق أخرى متجاوزة للامتناعين اللذين ينهضان أمام نشاط الأحزاب المركزية في شرق السودان وفي الوقت ذاته أمام الرؤية القبائلية للعمل السياسي؟

الأمر متروك لتفكير النخب السياسية للبجا بشرق السودان ولجميع مواطني الشرق.

بطبيعة الحال، غني عن القول إن التفكير السياسوي الفقير والمحدود لأحزاب وكيانات مؤتمر البجا أثناء مفاوضاتها مع نظام البشير التي أدت إلى اتفاقية أسمرا عام 2006 ربما هو الذي أدى إلى ظهور ما سمي آنذاك "كيان الشمال" في شرق السودان، كرد فعل على الطبيعة القبائلية في ممارسة السياسة التي فرضها نظام الإنقاذ. وربما لو كانت هناك ممارسة للسياسة بطريقة موضوعية كالتي أسس لها نظام مؤتمر البجا الأول في عام 1958 حين أعاد لهم تعريفاً مواطنياً شاملاً جميع مواطني شرق السودان (بكل انتماءاتهم لجهات السودان الأربع) في مسمى البجا، لما رأينا وضعاً حرجاً وخطيراً كالوضع الذي أصبح عليه شرق السودان اليوم.

المزيد من آراء