Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رفع الفائدة قد لا ينقذ الاقتصاد الأميركي من الركود

دراسة في هارفارد تحذر من نتيجة تزامن التضخم المرتفع والبطالة المنخفضة

انهيار أسواق الأوراق المالية عقب رفع الفائدة الأميركية (أ ف ب)

يأمل مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) من خلال رفع سعر الفائدة على الدولار بمقدار نصف نقطة مئوية، وهي الزيادة الثانية من بين سبع مخطط لها، في إبطاء ارتفاع الأسعار وترويض التضخم السريع، من دون التسبب في ارتفاع البطالة أو دفع الاقتصاد إلى حالة من الركود. ومع ذلك تشير دراسات أجراها باحثون في جامعة هارفارد الأميركية إلى أن هندسة ما يسمى "الهبوط الناعم" لخفض التأثيرات السلبية التي تنشأ مع رفع الفائدة، أمر بعيد الاحتمال وأن توقع حدوث ركود في المستقبل المنظور لا يزال قوياً.

صعوبة الهبوط الناعم

وتعد عمليات الهبوط الناجحة من الارتفاعات مهمة للغاية بالنسبة للاعبي "الجمباز" خلال محاولاتهم تحسين الأداء وفي الوقت نفسه تقليل الإصابات، لكنهم يعرفون أيضاً أن الهبوط الناعم أمر صعب للغاية، وهو ما يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يسعى إليه الآن في عالم الاقتصاد بحيث يكون قادراً على ترويض التضخم السريع من دون أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع البطالة أو التسبب في ركود. فبعد ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى له خلال 40 عاماً، رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة نصف نقطة الأربعاء الماضي، وهي أكبر زيادة له منذ 22 عاماً بعد زيادة ربع نقطة في مارس (آذار) الماضي، لتصل الفائدة إلى نطاق يتراوح بين 0.75 و1 في المئة، أملاً في تهدئة طلب المستهلكين وإبطاء ارتفاع الأسعار، حيث يتوقع أن ينحسر التضخم إلى أقل من 3 في المئة، وأن تظل البطالة أقل من 4 في المئة خلال العام المقبل 2023.

ومع ذلك، يشير الأستاذان في كلية كينيدي في جامعة هارفارد الأميركية أليكس دوماش ولورانس سومرز في دراسة لهما، إلى أن هندسة الهبوط الناعم أمر بعيد الاحتمال، وأن هناك احتمالية كبيرة بحدوث ركود في المستقبل غير البعيد. ذلك لأن التجارب التاريخية تنبئ بأن التضخم المرتفع والبطالة المنخفضة، سوف يقودان إلى الركود في المستقبل، إذ إنه منذ خمسينيات القرن الماضي، كلما تجاوز التضخم 4 في المئة وكانت البطالة أقل من 5 في المئة، دخل الاقتصاد الأميركي في حالة ركود خلال عامين. وبالمقارنة مع الوضع الحالي، فقد بلغ معدل الركود الآن في الولايات المتحدة 8.5 في المئة، ووصلت البطالة إلى 3.6 في المئة، ما يشير إلى أنه سيكون من الصعب للغاية تجنب الركود.

قلق وترقب

وعكس انهيار أسواق الأوراق المالية عقب رفع الفائدة الأميركية، حجم القلق والتوتر الذي يشعر به الاقتصاديون والأسواق المالية، من أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يدفع الاقتصاد إلى الركود على الرغم من محاولات الاحتياطي الفيدرالي الوصول إلى نقطة الهبوط الناعم والآمن. لكن الأسوأ من ذلك، هو شعور البعض بالقلق من أن المعدلات المرتفعة قد تؤدي إلى السيناريو الأسوأ الذي يُعرف باسم الركود التضخمي.

ولكن كيف يسيطر بنك الاحتياطي الفيدرالي على ارتفاع الأسعار؟ وهل يمكنه تجنب كلمة الركود المخيفة؟ وما مشكلة التضخم المصحوب بالركود التي يسعى بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تجنبها في أكبر معركة تضخم يخوضها منذ جيلين؟

تبريد الاقتصاد

أداة السياسة النقدية الرئيسة للاحتياطي الفيدرالي هي معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية، الذي يعمل كمعيار أساس لكل سعر فائدة آخر في الاقتصاد الأميركي، من معدلات الاقتراض، إلى الرهون العقارية، ومن القروض الشخصية إلى قروض الأعمال والمشاريع، كما أنه يساعد في تحديد عديد من أسعار الفائدة الأخرى حول العالم، وعندما يرتفع سعر الفائدة في إطار سياسة تبريد الاقتصاد الهادفة أساساً إلى تقليل الطلب، فإن تأثيرها يتجاوز إبطاء معدل التضخم، إذ ينتهي الأمر بالمستهلكين والشركات إلى دفع المزيد للحصول على قروض من أجل شراء منزل جديد أو اقتناء سيارة أو إقامة مشروع أو بناء مصنع. ونتيجة لهذه التكاليف الإضافية، فإنهم يشترون أشياء أقل ويقومون باستثمارات أقل، ما يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد، كما يوضح رودني رامشاران، الذي درس كيفية تأثير السياسة النقدية على الاقتصاد لعقود عدة أثناء عمله في الاحتياطي الفيدرالي وصندوق النقد الدولي.

ولكن مع ارتفاع معدل التضخم إلى 8.5 في المئة على أساس سنوي، لا أحد يعرف على وجه اليقين ما هو ارتفاع أسعار الفائدة المناسب الذي يمكن أن يعيد التضخم إلى المستوى الذي يفضله بنك الاحتياطي الفيدرالي وهو 2 في المئة.

مطاردة متأخرة

 يرى الباحثان في جامعة هارفارد أن ناقوس الخطر كان يدق منذ فترة مصحوباً بعدد من الدلائل، مثل نمو الطلب القوي، وتناقص المخزونات، وارتفاع الأجور، التي بدأت جميعها في الظهور طوال عام 2021. لكن آلية العمل الجديدة التي اعتمدها الاحتياطي الفيدرالي في أغسطس (آب) 2020 منعته من اتخاذ إجراءات حتى مع استمرار ارتفاع التضخم، ونتيجة لذلك، تأخر الاحتياطي الفيدرالي عن مطاردة منحنى التضخم والاستجابة لعلاج الاقتصاد المحموم. والآن يمكن للزيادة الناتجة في تكاليف الاقتراض أن تساعد في إبطاء النشاط الاقتصادي عن طريق تثبيط رغبة المستهلكين والشركات عن القيام باستثمارات جديدة، ما قد يتسبب في اضطرابات اقتصادية كبيرة ودفع الاقتصاد إلى الركود، وهو عكس خطة الهبوط الناعم حيث يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة وينخفض الطلب بدرجة كافية لخفض التضخم، بينما يواصل الاقتصاد النمو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هندسة غير مشجعة

ومع ذلك، فإن تاريخ هندسة عمليات الهبوط الناعمة غير مشجع، ففي كل مرة يضغط فيها بنك الاحتياطي الفيدرالي على الفرامل بقوة كافية لخفض التضخم، يدخل الاقتصاد في حالة ركود. فبينما يجادل البعض بأن هناك العديد من الأمثلة على عمليات الهبوط الناعمة على مدار الأعوام الـ 60 الماضية، مثل أعوام 1965 و1984 و1994، يشير تحليل دراسة جامعة هارفارد إلى أن هذه الفترات لا تشبه بأية حال اللحظة الحالية التي يمر بها الاقتصاد الأميركي.

وفي جميع السنوات الثلاث، كان الاحتياطي الفيدرالي يعمل في اقتصاد يعاني من بطالة أعلى وتضخم أقل ونمو أجور أقل، وفي هذه الأمثلة التاريخية، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أيضاً أسعار الفائدة إلى مستوى أعلى بكثير من معدل التضخم، على عكس الحال اليوم، حيث بلغ التضخم 8.5 في المئة، وليس من المتوقع أن ترتفع أسعار الفائدة إلى 3 في المئة حتى عام 2023.

تحدي سوق العمل

أحد الأسباب التي تجعل بنك الاحتياطي الفيدرالي في تحد صعب اليوم، هو أن سوق العمل ضيق بشكل غير مسبوق، حيث أصبح الطلب على الموظفين والعمال أعلى بكثير من العرض المتاح لهم، ويعني هذا أن الشركات بحاجة إلى رفع الأجور والرواتب من أجل جذب عمال وموظفين جدد. وعلى الرغم من انخفاض معدل البطالة التي يتوقع الاحتياطي الفيدرالي أن تنخفض أكثر خلال الأشهر المقبلة، إلا أن الضغط الحالي لرفع أجور العمال والموظفين أعلى مما يشير إليه معدل البطالة، لأن عدد الوظائف الشاغرة وصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق، ولا تزال استقالة العمال والموظفين سارية بمعدلات قياسية، وكلاهما يشير إلى مزيد من رفع الأجور والرواتب.

ولأن الأجور هي المقياس النهائي للتضخم الأساسي، بالنظر إلى أن أكثر من ثلثي تكاليف الأعمال تعود إلى العمالة، فإن ارتفاع الأجور الذي وصل إلى معدل تاريخي بلغ 6.6 في المئة، يضع ضغوطاً تصاعدية كبيرة على التضخم، وهو الأمر الذي لا يدعو للتفاؤل حول إمكانية أن يتباطأ التضخم إلى 2 في المئة الذي يستهدفه بنك الاحتياطي الفيدرالي، حيث يشير تحليل الباحثين في جامعة هارفارد إلى أن نمو الأجور الحالي يعني ضمناً استمرار التضخم فوق 5 في المئة، وأن تباطؤ نمو الأجور لم يحدث تاريخياً إلا مع وجود زيادات كبيرة في معدلات البطالة والركود.

احتمالات الركود

ويواجه الاقتصاد الأميركي اليوم ضغوطاً تضخمية إضافية من ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة بسبب حرب أوكرانيا ومزيد من الاضطرابات في سلسلة التوريد، إذ يفرض "كوفيد -19" عمليات إغلاق جديدة في الصين، الأمر الذي يهدد بتفاقم التضخم بشكل أكبر خلال العام المقبل، وهي مشكلة ليس من المرجح حلها من دون تباطؤ اقتصادي كبير. وبشكل عام فإن الجمع بين اقتصاد متدهور، وارتفاع الأجور، وتأخير خطوات تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي، وصدمات العرض الأخيرة، تعني أن الركود في العامين المقبلين سيكون بالتأكيد أكثر ترجيحاً.

سيناريو الكابوس

تقودنا هذه المخاوف إلى ما يسمى "سيناريو الكابوس"، وهو أن تؤدي سياسات الاحتياطي الفيدرالي إلى إبطاء النمو الاقتصادي مع الفشل في خفض التضخم بشكل هادف، وهو ما يطلق عليه "الركود التضخمي" الذي يعد أسوأ السيناريوهات كما توضح فيرونيكا دولار، الخبيرة الاقتصادية في جامعة نيويورك أولد ويستبري، نظراً لأن طرق محاربة أي من هاتين المشكلتين، ينتهي بها الأمر عادة إلى جعل المشكلة الأخرى أكثر سوءاً. وهذا يعني أن حل المشكلة قد يعتمد ببساطة على ظروف خارجة عن سيطرة صانعي السياسة في الولايات المتحدة، مثل إنهاء الأزمة في أوكرانيا أو إيجاد طرق لزيادة إمدادات النفط على الفور، وكلاهما خياران من الصعب بلوغهما في الوقت الحالي على الأقل.

ولكن كيف يحدث الركود التضخمي؟ لكي يحدث الركود التضخمي، ينبغي فهم متغيرات الاقتصاد الكلي الثلاثة الكبرى، وهي الناتج المحلي الإجمالي والبطالة والتضخم، ومعرفة التداخلات التي تجري بينها طوال الوقت.

لا أخبار جيدة

 في ظل الظروف العادية، لا يمكن أن تكون هناك وتيرة قوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي مع بطالة منخفضة، من دون المعاناة من آلام ارتفاع التضخم. وإذا أمكن إبقاء معدل التضخم منخفضاً، فعادة ما يأتي ذلك على حساب الناتج المحلي الإجمالي الضعيف وربما ارتفاع معدل البطالة، لذلك عادة ما يكون هناك بعض الأخبار الجيدة وبعض الأخبار السيئة، غير أنه مع الركود التضخمي، لا توجد أخبار جيدة، لأن الركود التضخمي يحدث عندما يعاني الاقتصاد من ركود اقتصادي حين يتوقف أو يتراجع الناتج المحلي، بينما يرتفع التضخم، ويؤدي الاقتصاد المتعثر إلى ارتفاع معدلات البطالة، وبعبارة أخرى تسير مؤشرات الاقتصاد الكلي الثلاثة في الاتجاه الخاطئ.

أزمات تاريخية

وتعود آخر أزمة مشابهة في الولايات المتحدة، إلى فترة السبعينيات التي كانت فيها أسعار الطاقة ترتفع بشدة نتيجة للحظر النفطي الذي فرضته منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، ما أدى إلى تضاعف سعر النفط الخام بين عامي 1973 و1975. وعانت دول مثل الولايات المتحدة التي استوردت كثيراً من النفط من ارتفاع معدلات التضخم والركود، إذ تجاوز مؤشر أسعار المستهلك 10 في المئة للمرة الأولى منذ الأربعينيات، وقفزت البطالة من 4.6 في المئة عام 1973 إلى 9 في المئة عام 1975، كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي.

وبعد سنوات قليلة مع اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، تكررت الأحداث نفسها، حين ارتفعت أسعار النفط وصاحبها تضخم مرتفع، واقتصادات تغرق في الركود، وارتفاع معدل البطالة وانخفاض النشاط التجاري الذي كان يعني أن كل شخص أصبحت لديه أموال أقل، بينما كان ارتفاع التضخم يعني أن كل دولار كانت قيمته أقل قليلاً مع كل يوم آخر ترتفع في الأسعار.

وعلاوة على ذلك، أدت هذه التجربة من الركود التضخمي إلى تغيير طريقة حياة الأميركيين بشكل أساسي، وبشرت بعصر من الحفاظ على الوقود وتقنينه لم تشهده أميركا منذ الحرب العالمية الثانية. ولأن النفط هو أحد المدخلات الرئيسة في إنتاج عديد من السلع والخدمات، فإن أحداث مثل الهجوم الروسي على أوكرانيا، تؤدي إلى انخفاض العرض، بالتالي ارتفاع سعر النفط، ومن ثم تواجه الشركات في الولايات المتحدة التي تنتج البنزين والإطارات والعديد من المنتجات الأخرى، ارتفاعاً في تكاليف النقل، ما يجعل بيع الأشياء للمستهلكين أو الشركات الأخرى أقل ربحية بغض النظر عن السعر.

ونتيجة لذلك، يقلل عدد كبير من المنتجين إنتاجهم، ما يقلل العرض الكلي، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى انخفاض الناتج القومي وزيادة معدل البطالة مع ارتفاع الأسعار الإجمالية، وهذا هو الركود التضخمي الذي يحاول البنك المركزي الفيدرالي تجاوزه.

المزيد من تقارير