Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تستطيع الأمم المتحدة حل قضية أبيي؟

دخول عامل النفط في الأزمة يفاقم الصراع وهناك من يراهن على الحل الداخلي

قرار مجلس الأمن جاء مطابقاً لتفسير حكومة الجنوب لشرط الإقامة الدائمة للتصويت في الاستفتاء  (أرشيف موقع الأمم المتحدة)

ظلت قضية أبيي إحدى الأزمات الموروثة لدى حكومتي دولتي السودان وجنوب السودان منذ فترة ما قبل انفصال دولة الجنوب في عام 2011.

وتجد الحكومة الانتقالية ما بعد ثورة ديسمبر (كانون الأول) نفسها أمام هذه التركة متشعبة الأبعاد، إذ إن الخلاف الرئيس قبل أن يكون بين دولتين، نشب بين شريكي الحكم في "حكومة الوحدة الوطنية" المكونة من حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي الحكومة التي مهدت بمقتضى اتفاقية السلام في نيفاشا عام 2005 لانفصال الجنوب.

في 18 أبريل (نيسان) الحالي، أعلنت الأمم المتحدة استعدادها لتقديم الدعم اللازم للمساهمة في معالجة الأوضاع في منطقة أبيي المتنازع عليها بين دولتي السودان وجنوب السودان. وجاء ذلك تزامناً مع إصدار رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قراراً بتشكيل لجنة تقصي حقائق حول أحداث العنف التي وقعت في منطقة أبيي، خلال شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) بين سكانها من قبائل دينكا نقوك ودينكا ملوال في ولاية وأراب، إضافة إلى الصراع التقليدي الإثني المستمر بين قبيلتي دينكا نقوك والرحل من قبائل المسيرية.

تأسست عقدة أبيي كنتيجة طبيعية لبند تقرير المصير، الذي ورد في بروتوكول مشاكوس عام 2002، والذي اعترضت عليه الحكومة السابقة، ثم وافقت، إذ كان النظام وبتعرضه لإحكام الخناق الدولي عليه بعد فرض العقوبات، مستعداً للقبول بالحلول المؤقتة حتى يضمن استمراريته، فقبل من دون تمحيص ببند البروتوكول، الذي قرر أن تتبع أبيي إلى إدارة ولاية غرب كردفان أو إلى ولاية بحر الغزال، كشأن بعض المحليات التي خرجت من ولاية ما وانضمت إلى أخرى، ما اضطره إلى القبول بالتحكيم الدولي وحق المنطقة في الاستفتاء حول تقرير المصير لشعب جنوب السودان، على الرغم من أن أبيي خارج حدود الجنوب، ولم يكن من الضروري أن يشملها الاستفتاء. ثم حصلت أبيي على وضع خاص بموجب اتفاقية السلام الشامل من دون تبعيتها لأي من الولايات، وظلت على هذا الوضع بعد انفصال الجنوب.

تجاوز التفويض

لم يكن الإعلان، الذي حملته المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للقرن الأفريقي، هنا تيتية، هو الأول من نوعه للتدخل الخارجي في السودان ومنطقة أبيي خصوصاً، فقد أعلنت خلال زيارتها إلى الخرطوم، الأسبوع الماضي، على أثر فرار العشرات ولجوئهم إلى القاعدة الأممية بأبيي، عن استعداد المنظمة لتقديم الدعم اللازم للمساهمة في معالجة الأوضاع بمنطقة أبيي. وإذا كان التدخل الأجنبي موضوع خلاف رئيس بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في ظل شراكتها في الحكم قبل الانفصال، فإنه بعد ذلك أصبح مطية يحقق منها كلا الطرفين أغراضه، التي تغاضت عن حل القضية وتركزت حول ترسيخ كل حكومة لوجودها.

في تلك الفترة، فُوّض فريق من الخبراء الأجانب لتقديم خريطة موثقة لحدود منطقة أبيي التي ضُمت إلى الشمال عام 1905، ولما لم يجدوا أي وثيقة تثبت ذلك، قاموا بتتبع سكن العشائر، وقدموا تقريراً قلص مساحة المنطقة، إذ أخرج منها حقول هجليج الغنية بالنفط، واعتبرت الحكومة السودانية هذا الاجتهاد تجاوزاً للتفويض الممنوح لفريق الخبراء، ما أشعل خلافاً آخر انتهى باتفاق طرفي التفاوض على الذهاب إلى هيئة التحكيم الدولية في لاهاي.

تقرير المصير

تدخل فريق الخبراء أيضاً في تفاصيل أحقية التصويت في استفتاء تقرير مصير منطقة أبيي، فقد جاء بروتوكول أبيي مراعاة للموقع الجغرافي للمنطقة بين ولاية كردفان بشمال السودان، وولاية بحر الغزال بجنوبه.

ونص الاتفاق في فصله الرابع، على أن "هذه المنطقة تمثل تجمع مشيخات قبائل دينكا نقوك التسع، مع احتفاظ قبيلة المسيرية بحقوقها الرعوية والتحرك بحرية في المنطقة، مع بقاء الحدود الموروثة بين الشمال والجنوب وفقاً لما آلت إليه الأمور بعد استقلال السودان في عام 1956، وذلك لحين الاستفتاء على تقرير مصير المنطقة".

كما نص الاتفاق على "تقسيم عائدات النفط لهذه المنطقة، بحيث تحصل حكومة الخرطوم على نحو 50 في المئة منها، مقابل 42 في المائة لجوبا، واثنين في المئة لكل من بحر الغزال وكردفان ومنطقة أبيي ذاتها".

هذا يعني أن البروتوكول رسخ ما يفيد بأن منطقة أبيي هي ملك لقبائل دينكا نقوك التسع، التي حولتها الإدارة البريطانية في عام 1905 من مديرية بحر الغزال في الجنوب إلى مديرية كردفان في الشمال، ولكن البروتوكول أعطى سكان المنطقة حق تقرير المصير بنهاية الفترة الانتقالية عبر استفتاء شعبي، إما أن يظلوا تابعين للشمال كما هم حالياً وإما أن يعودوا لموطنهم القديم في الجنوب.

الحكومة السودانية عارضت هذا البروتوكول، إذ رأت أنه يخالف مادة الحدود بين الشمال والجنوب، التي تعود إلى الأول من يناير (كانون الثاني) 1956، ونصت عليها اتفاقية مشاكوس في يوليو (تموز) 2002.

ووفقاً للاتفاقية، فإنه يحق التصويت لدينكا نقوك والسودانيين المقيمين في المنطقة، من دون أي ذكر لقبيلة المسيرية. كان تعليق فريق التفاوض أن المسيرية رُحَّل ويقيمون في المنطقة لمدة لا تتجاوز عشرة أشهر مستمرة، قبل أن ينطلقوا شمالاً ثم يعودون إليها مرة أخرى بقطعان أبقارهم في موسم الأمطار، فاشترطت حكومة الجنوب أن تكون الإقامة دائمة، وهو ما يتعذر مع طبيعة نشاط القبائل الرعوية.

ووسط هذا الجدل جاء قرار مجلس الأمن رقم 2046 مطابقاً لتفسير حكومة جنوب السودان لشرط الإقامة الدائمة لمن يحق له التصويت في الاستفتاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عرقلة الاتفاقات

أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1990 في 27 يونيو (حزيران) 2011، الذي قضى بإنشاء قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، وذلك بعد اتفاق حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا، في العام ذاته، على إبدال بالكتيبة الزامبية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية «يونميس» في أبيي أخرى إثيوبية مؤهلة للتعامل بتفويض البند السابع الخاص بحماية المدنيين، ونزع سلاح أبيي والسماح للقوات الإثيوبية بمراقبة المنطقة.

واستمرت القوات الإثيوبية إلى أبريل (نيسان) الماضي إلى أن طلبت الحكومة الانتقالية في السودان، من الأمم المتحدة استبدالها، بسبب تصاعد حدة التوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا في منطقة الفشقة الحدودية، واشتداد حدة المفاوضات حول سد النهضة.

في الواقع، اضطرت الحكومة السودانية إلى القبول بالقرار لأن رفضه سيؤدي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاقيات التي توصلت إليها حكومة السودان مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي اتفاقية عبور نفط الجنوب عبر الشمال، واتفاقية التجارة البينية، وإعفاء الجزء الأكبر من ديون السودان الخارجية (نحو 60 مليار دولار) ورفع العقوبات الدولية عنه، وربما تطبيع علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية.

لم يكن أمام حكومة السودان خيارات أخرى، بل اضطرت إلى إرضاء وفد مجلس الأمن، الذي كان في زيارة إلى منطقة أبيي ومدينة كادوقلي، فسحبت والي جنوب كردفان أحمد هارون المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية من المنطقة. كما كفت عن عرقلة الاتفاق حتى لا تخضع لقرار مجلس الأمن رقم 2046 الذي توعد بمعاقبة الطرف الذي يعيق الاتفاقات، بما فيها اتفاق أبيي ومناطق الحدود الخمس المتنازع عليها بين الطرفين، وذلك تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز كل الوسائل بما فيها القوة المسلحة.

انعكاسات الوضع

مع تشعب الأرضية التي تأسست عليها قضية أبيي ثم تدويلها بعد ذلك، هناك من يراهن على أن الحل لا بد أن يكون محلياً، ويعود ذلك لما رسخ في الذهن الشعبي بأن نزاعات المنطقة التاريخية التي كانت منحصرة في أحقية الرعي والزراعة فقط، كان يحلها سلطان دينكا نقوك، دينق ماجوك، وناظر قبيلة المسيرية السلطان بابو نمر من تحت ظل شجرة كبيرة، إذ لم يكن النفط قد اكتُشف فيها بعد. ولكن التوتر الأخير يشير إلى دخول عامل النفط في تصاعد الصراع في المنطقة، ما قد يستحيل معه الحل الداخلي، خصوصاً إذا ثبت وجود أطراف إقليمية تؤجج هذا الصراع.

 وحال تدويل قضية أبيي المتجددة، يوضحها تبني مجلس السلم والأمن الأفريقي بالإجماع، وتأييد واشنطن، مبدأ الإقامة الدائمة للحق في الاستفتاء على وضع المنطقة، ولكن خلف هذا التبرير سبب آخر هو أن كثرة عدد قبيلة المسيرية مقارنة بدينكا نقوك، سوف ترجح نتيجة الاستفتاء بإبقاء أبيي تابعة للسودان الشمالي، وحرمان دولة جنوب السودان منها، وكان وقتها يعني استفادة النظام السابق من نفط المنطقة، وترسيخ حكمه في مواجهة العقوبات الدولية والتهديد الإقليمي لمصالح الولايات المتحدة.

الآن تزايد القلق الأممي والأميركي منذ أن أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في مارس الماضي، عن مواجهة قوة الأمن المؤقتة التابعة للأمم المتحدة (يونيسفا) لتجدد العنف في أبيي، واستهداف دوريات تابعة للبعثة الأممية في المنطقة، والهجوم على عدد من المرافق الصحية، معتبراً أن هذه الهجمات يمكن أن تشكل انتهاكاً للقانون الإنساني.

ويترتب على هذا القلق ردود فعل محتملة، ناتجة من الواقع الأمني المتدهور في دولتي السودان وجنوب السودان، ما يستوجب زيادة قدرة قوات "يونيسفا" الأمنية على المواجهة، خصوصاً بعد سحب القوات الإثيوبية. وإضافة إلى ذلك فإن انشغال حكومتي الخرطوم وجوبا بأزمة الحكم في البلدين، أعاق عمل اللجنة المشتركة في الوصول إلى مسارات لحل الأزمة، نسبة إلى تشابك العوامل الأمنية والاقتصادية والإثنية، ما ينبئ باحتمال اتساع رقعتها إلى خارج الدولتين والسماح بتدخلات إقليمية فضلاً عن الدولية.

المزيد من تحلیل