سجن رجال الأعمال المتورطين مع نظام بوتفليقة يثير خشية من "ثورة مضادة"

أسئلة تُطرَح حول مصير عشرات آلاف العمال وشراكات مع جهات أجنبية

طلاب جزائريون يتظاهرون الثلاثاء في العاصمة الجزائرية (أ. ب.)

عاد النقل الجامعي إلى الكليات الجزائرية اليوم الثلاثاء بعد إضراب مفاجئ نُفّذ الإثنين، على خلفية سجن مالك الشركة التي تتولى هذا القطاع، رجل الأعمال، محي الدين طحكوت، إثر تحقيق قضائي كبير في قضايا فساد. ووجهت وزارة التعليم تهديداً حاداً إلى مؤسسة النقل الجامعي بعد حبس مالكها، في أول مظهر لردات فعل عمالية، يتريث محللون في وصفها "ثورةً مضادة". 
وأعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن حافلات نقل الطلاب التابعة لشركة طحكوت استأنفت نشاطها بشكل عادي الثلاثاء، كونها مطالَبة بمواصلة توفير خدمة عامة، تطبيقاً لدفتر الشروط الموقع مع الدولة الجزائرية. 
ووجد طلاب جزائريون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى الكليات الاثنين، بعد إضراب مفاجئ وغير مفهوم لسائقي الحافلات. وكان مبررهم أن إدارة المجمّع رفضت مغادرة الحافلات لمواقفها، في رد فعل، يُعتقد أنه على علاقة بحبس رجل الأعمال محي الدين طحكوت، المستثمر الكبير في مجال النقل الجامعي وتركيب السيارات بالشراكة مع العملاق الكوري الجنوبي "هيونداي"، إضافة إلى مشاريع أخرى.

أسماء كبيرة تسقط

وقال وكيل الجمهورية لدى محكمة سيدي امحمد الثلاثاء بخصوص التحقيق الذي طال محي الدين طحكوت، إنه "جرى التحقيق مع 56 شخصاً متورطين في وقائع ذات طابع جزائي وعند استجوابهم حول ما هو منسوب إليهم، فُتح تحقيق قضائي ضد 45 شخصاً طبيعياً بتهم ارتكاب جرائم ذات طابع مالي". وحدد وكيل الجمهورية تلك الجرائم بـ "تبييض الأموال وتحويل الممتلكات الناتجة من عائدات إجرامية ناجمة عن جرائم الفساد بغرض إخفاء وتمويه مصدرها غير المشروع ضمن إطار جماعة إجرامية، وتحريض موظفين عامين على استغلال نفوذهم الفعلي والمفترض بهدف الحصول على مزية غير مستحقة".
وتابع في بيان رسمي أن التهم تشمل أيضاً "الاستفادة من سلطة وتأثير موظفي الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري أثناء إبرام العقود والصفقات من أجل زيادة الأسعار وتعديل نوعية المواد والخدمات والتموين"، وفي قائمة التهم أيضاً "تبديد أموال عامة، إساءة استغلال الوظيفة عمداً بغرض منح منافع غير مستحقة للغير على نحو يخرق القوانين والتنظيمات، وتعارض المصالح بمخالفة الإجراءات المعمول بها في مجال الصفقات العامة المبنية على قواعد الشفافية والمنافسة الشريفة والموضوعية وإبرام عقود وصفقات وملاحق خلافاً للأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري العمل بها بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة للغير".
ثم كشف وكيل الجمهورية أن الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم جزائياً هم محي الدين طحكوت وابنه وأخوين له إلى جانب 38 موظفاً في مختلف الإدارات العامة والأجهزة الوزارية، وثلاثة عمال تابعين لمؤسسة طحكوت. كما وُجّه الاتهام لستة شخصيات معنوية، هي شركات ذات صلة بنشاط المتهم الرئيس.
كما أن قاضي التحقيق المكلف بملف القضية وبعد سماعه أقوال المتهمين في الجلسة الأولى، قرر وضع 19 متهماً رهن الحبس المؤقت، وسبعة متهمين تحت نظام الرقابة القضائية وترك 19 آخرين، فيما أحيل ملف رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى الملاحق في القضية ذاتها، إلى النائب العام، مع وزيرين سابقين ووزير السياحة الحالي عبد القادر بن مسعود وخمسة ولاة (محافظين) سابقين وواليين حاليين.

"ثورة مضادة" أم ارتدادات طبيعية

وبقدر ما تتوافق شعارات المسيرات الشعبية في الجزائر حول "محاسبة اللصوص" مع خطوات القضاء، إلا أن أسئلة كثيرة باتت تُطرَح حول مصير عشرات آلاف العمال، ما يؤدي إلى ردّات فعل ضمن الحراك، إما بتدبير من رجال الأعمال المعتقلين أم بشكل عفوي من الطبقة العاملة.
واعتقل القضاء، رجل الأعمال اسعد ربراب الذي يشغّل نحو 40 ألف عامل ورجل الأعمال الآخر علي حداد (18 ألف عامل)، ثم محي الدين طحكوت (14 ألف عامل) والأخوة "كونيناف" (عدد عمال شركاتهم غير متاحة).
وقال الكاتب الصحافي رضوان بوساق لـ"اندبندت عربية" إن "التخوف القائم حالياً هو تحول عمال وعائلاتهم الذين يعملون لدى المؤسسات التي يُلاحق مالكوها في قضايا فساد إلى ناقمين على الحراك في حد ذاته لأنه في النهاية أدى إلى قطع أرزاقهم". وأضاف "حتى الشركاء الأجانب سيتأثرون بشكل أو بآخر، فثلاثة من رجال المال الملاحقين حالياً تربطهم شراكة رسمية مع شركاء أجانب بتزكية من السلطات العليا السابقة".
وأوضح الناشط الحقوقي المحامي عمار خبابة أن "عمال المُجمعات العائدة لأشخاص داخل سجن الحراش محميون قانوناً… إن تأليب هؤلاء هو ثورة مضادة ضد التغيير والوقوف في وجه الإصلاح"، قاصداً أن التأليب أتى من رجال الأعمال المعتقلين أو الدوائر المحيطة بهم.
وشرح خبابة أن "المؤسسات والشركات لها شخصية معنوية واستقلال مالي عن مالكيها، فهي تسير وفق قانونها الأساسي الذي أُنشئت بموجبه، وعمّالها ومديروها يحكمهم النظام الداخلي للمؤسسة والقوانين المسيِّرة للنشاط التجاري أو الصناعي أو الحرفي الذي تنتمي إليه المؤسسة. ولا يتحكم فيها مالكو أسهمها". وأكد خبابة أن "هذه القراءة القانونية تجسّد روح دولة القانون، بعيداً من أي محاولات دنيئة لاستغلال العمال الوضع. وإن حدث ذلك، فما هو إلا التفاف على الثورة، بل ثورة مضادة ضد التغيير والوقوف في وجه الإصلاح".
أما الإعلامي محمد يعقوبي، فقال في هذا الشأن "عندما يكون اقتصادك على مدار ثلاثة عقود كاملة مبنياً على الاحتكار، ستكون النتيجة حتماً ما نراه من ليّ ذراع الدولة والضغط على العدالة للتأثير في أحكامها". وأضاف "كانت الدولة العميقة طيلة العقود الماضية تحطم وتسجن كل رجل أعمال يمكن أن ينافس ربراب في الزيت والسكر أو طحكوت في النقل أو بن عمر في المواد الغذائية، وتحطيم مستوردين كبار لمجرد أنهم فكروا في الدخول على خط استيراد بعض الواردات التي تسيطر عليها مافيا مرتبطة مباشرة إما بجنرالات الدولة العميقة أو بوزرائها". ونصح يعقوبي بالانتباه إلى "فخ خطير جداً تحاول بقايا العصابة أن توقعنا فيه، وهو ضرورة التفريق بين رجال الأعمال الذين تحوم حولهم شبهات الفساد والتحقيق جارٍ معهم، وبين عشرات آلاف العمال المنضوين في مؤسساتهم وتحت ذمتهم المالية".
وكان واضحاً أنه منذ سجن رجل الأعمال أسعد ربراب، حدث شرخ عميق في شعارات الحراك، وباتت شعارات عنيفة تُوجَّه ضد المؤسسة العسكرية، التي يعتقد بعض المشاركين في المسيرات أنها "تأمر" القضاء بملاحقة رجال أعمال بناءً على "قوائم انتقامية". ومع ذلك، لم يسبق للقضاء أن أكد ذلك، واكتفى نقيب القضاة بنفي هذه المعلومات والتنديد بأي أوامر من أي جهة خارج السلطة القضائية.

المزيد من العالم العربي