الأزموري المغربي استكشف أميركا... لا يذكره التاريخ مثل كولومبوس

خاض أهم مغامرة وكان من أهم المستكشفين الأفارقة

رسم متخيل لمصطفى الازموري (مواقع التواصل الاجتماعي)

لدى الحديث عن اكتشاف العالم الجديد يطرح اسم كرستوفر كولومبوس فقط، لكن روايات تاريخية تروي بطولات مغربي كان له دور محوري في الاستكشافات الإسبانية للقارة الأميركية خلال القرن السادس عشر. وعلى الرغم من أن مصطفى الأزموري كان أكثر ذكاءً ومروءة وإنسانية من كولومبوس، تبدو مسيرة حياة المستكشف المغربي غريبة لكونه نجا من محن عدة خلال الحملات الاستكشافية التي شارك فيها. ولم ينجُ خلال إحداها إلا هو وثلاثة من رفاقه من أصل 600 ممن كانوا في الرحلة.

لكن تحقق بعض المؤرخين من تفاصيل حياته، إضافة إلى وجود شهادات مكتوبة لبعض رفاقه، تؤكد إلى حد كبير مسار حياة الأزموري أعظم المستكشفين الأفارقة.

العبودية

ولد سعيد بن حدو، المعروف بمصطفى الأزموري واستيباِنكو وغيرها من الألقاب، عام 1503 في مدينة آزمور الواقعة على بعد حواالى 200 كلم جنوباً من العاصمة المغربية الرباط. تقع المدينة على ضفة نهر سبو في القرب من مصبه على المحيط الأطلسي، وقد سقطت عام 1513 في قبضة الجيش البرتغالي، وعرف المغرب أقسى مجاعة في تاريخه خلال عامي 1520 و1521 بسبب موجة جفاف أهلكت المحاصيل الزراعية وقطعان الماشية، وأرغمت  بعض الأهالي على بيع أولادهم. وكان الأزموري، وفق إحدى الروايات، من بين هؤلاء، وقد اشتراه أحد البرتغاليين. وتقول رواية أخرى إن البرتغاليين خطفوه وباعوه عبداً.

ويقول الكاتب المغربي مصطفى واعراب، صاحب كتاب "استيبانكو الأزموري... مغامر مغربي في أرض الهنود الحمر"، إن سرديات التاريخ الأميركي والكتابات المواكبة لمرحلة الفتوحات الاستعمارية الأوروبية في القارة الأميركية تذكر لقبه الإسباني، استيبانكو، فحسب. وهو لقب يعني إستيبان الصغير. وأطلق عليه بعد إكراهه على التنصّر من جانب أحد نبلاء البلاط الإسباني (القائد العسكري الإسباني أندريس دورانتيس) فعمّده باسم استيبانكو وأصبح عبده وخادمه الشخصي.

استكشاف العالم الجديد

أرسل الإمبراطور الإسباني بعثة عسكرية ضمّت استيبانكو وسيده لاستكشاف بعض المواقع في أميركا الشمالية. يروي واعراب تفاصيل تلك الرحلة في كتابه "رحل الأزموري مع سيده ضمن بعثة أوفدها الإمبراطور شارل الخامس عام 1527 لاستكشاف أدغال شبه جزيرة فلوريدا، وتعيين المغامر الدموي بانفيليو دي ناربايز حاكماً عليها، ولكن البعثة تعرّضت لسلسلة من الكوارث خلال عشر سنوات (1526- 1536) ولم ينجُ من أصل 600 مشارك سوى أربعة أفراد كان الأزموري أحدهم. وخلال عشر سنوات تالية كان الناجون الأربعة بلا سلاح ولا طعام في مواجهة طبيعة متوحّشة واستعبدهم الهنود الحمر سنوات، أكلوا خلالها جيادهم وجيف رفاقهم الهالكين ثم لحم الكلاب نيئاً وجذور نباتات وأوراقها".

يضيف أن تلك الرحلة كانت واحدة من أعظم الملاحم الاستكشافية التي شهدتها حركة استكشاف القارة الأميركية، إذ تمثّل صمود إرادة الإنسان أمام قسوة الطبيعة والبشر في رحلة تيه طويلة بلغت ألوف الأميال من شرق الولايات المتحدة إلى جنوبها الغربي سيراً على الأقدام... وجرى إيفاده عام 1536 مع اثنين من الرهبان للبحث عن مملكة سيبولا أولى المدائن السبع لمملكة الذهب، بحسب مُعتقدات الهنود الحمر، مستغلاً سمعته الحسنة بينهم.

البحث عن الذهب

تمكّنت الحملة من الرسوّ في شمال خليج بامبا في فلوريدا يوم 12 أبريل (نيسان) من عام 1528، قامت قبيلة من صيادي الأسماك من الهنود الحمر بالترحيب بالوافدين الجدد، لكنهم رحلوا ليلاً وتركوا لهم شباك صيد عثر بها المستكشفون على قطع ذهبية، وبذلك أيقن أصدقاء استيبانكو بوجود الذهب بوفرة في تلك المناطق.

على إثر ذلك انقسم أفراد الحملة إلى قسمين، ظل القسم الأول يحرس السفن، بينما قام القسم الثاني بالتوجه لاستكشاف اليابسة بحثاً عن مناجم الذهب، لكن قائد الحملة دي نالافاييز قرر العودة إلى مرفأ باميا هرباً من الجحيم الذي لاقوه خلال تحركهم، إلا أنه فوجئ بعدم وجود المراكب والفريق الأول الذي اتجه إلى المكسيك هرباً من احتمال التعرّض للقتل في تلك الأرض من طرف الهنود الحمر، قام الأزموري بالمساعدة في صنع قوارب بمواد بدائية مدة 6 أسابيع، لكنهم عانوا خلال إبحارهم في مياه نهر الميسيسبي من الجوع والعطش بعد نفاد مؤونتهم. لكن حظهم كان أحسن من رفاقهم الذين لقوا حتفهم بعد غرق سفنهم باستثناء سفينة أخرى.

ابن الشمس

لم يبقَ من البعثة التي ضمّت المئات إلا أربعة أشخاص من ضمنهم الأزموري حيث مات الآخرون إما غرقاً أو جوعاً أو قتلاً على يد الهنود الحمر، انتهى المطاف بالرفاق الأربعة في جزيرة اليفسطون، أحسن السكان الأصليون معاملة المجموعة على الرغم من كونهم ظلوا أسرى عندهم مدة 5 سنوات، إلى أن قرر الأربعة الهرب عام 1534 أثناء غياب أهل القرية.

وتمكّن الأزموري خلال رحلتهم تلك من علاج بعض مرضى الهنود الحمر بتلاوة بعض الأدعية باللغة اللاتينية، كما تمكّن من إنقاذ حياة أحدهم، وبذلك شاع صيته نظراً لقدراته الخارقة في علاج الأمراض، كما عُرفَ الأزموري بخبرته في اللغات الهندية، حيث كتب أحد رفاقه الثلاثة كابيثا دي باكا في مذكراته "كان الرجل الأسود (استيبانكو) يتحدث دائماً إلى الهنود ويستخبر عن الطرق والقرى وكل شيء كنا نريد معرفته"، وبذلك أُطلق السكان الأصليون على المغربي لقب ابن الشمس.

ويقول الكاتب المغربي شعيب حليفي "وصل الأزموري إلى المكسيك عام 1536، عاد رفاقه الثلاثة إلى إسبانيا بعد ثلاث سنوات من ذلك، فيما ظل هو هناك ليبدأ أهم رحلة مغامرة في تاريخ الاستكشافات الأميركية غير الدموية بهدف البحث عن مدن الذهب".

نيل الحرية

كان يتمنّى الأزموري أن يسمح له اكتشاف العالم باستعادة حريته التي فقدها منذ صغره، وهو ما حصل عليه عام 1536 عندما لاحظ قواده الخدمات الكبيرة التي منحها للعرش الإسباني، بعد ذلك بسنوات قليلة كان نائب ملك مكسيكو يبحث عن رجل نزيه وقويّ وله خبرة بحياة الهنود الحمر، وذلك من أجل قيادة رحلة استكشافية في المكسيك الجديدة وأريزونا بعد تواتر أخبار عن وجود مناجم كبيرة للذهب فيها، كانت تلك المهمة على مقاس استيبانكو نظراً لخبرته التواصلية وحدة ذكائه وقدرته الكبيرة على التأقلم مع أقصى الأوضاع المعيشية، المناخية والتضاريسية.

وفاته

إذا كان هناك إجماع ولو نسبي حول تفاصيل حياته، فإن طريقة وفاة الأزموري يختلف بشأنها العديد من الروايات التاريخية، حيث تقول الرواية الإسبانية إنه خلال الحملة الثانية التي انطلقت عام 1539، فضّل الأزموري الابتعاد عن بقية رفاقه من أجل استكشاف مدن الذهب السبع الأسطورية، لكون ذلك سيزيد من شعبيته لدى الآخرين، وكان كلما مرّ على قرية التحق به بعض سكانه ظناً منهم أنه سيحميهم من كل المخاطر، لكن زعماء قبيلة سيبولا ظنوا أنه جاسوس لقبيلة أخرى تريد أن تغير عليهم، كما أنهم لم يصدقوا روايته باعتباره رسولاً (أسود) من عند البيض فقرّروا قتله.

للهنود الحمر أكثر من رواية تخصّ مقتله، حيث تقول إحدى الروايات الخاصة بقبيلة تسمى زوني إنهم قرّروا قتله عندما رأوا أن جِرابه الطبي مصنوعٌ من ريش طائر البوم، الذي يعتبرونه طائر الموت ونذيره، فيما تقول رواية أخرى إن زعيم قبيلة سيبولا أمر بقطع أطراف استيبانكو وأرسل قطعة منها إلى زعماء القبائل الأخرى حتى يؤكد لهم بأن استيبانكو مجرد إنسان وليس ابناً للشمس.

لكن حليفي يرجّح رواية أخرى توحي بأنه توفي بشكل عادي قائلاً إن "الاحتمال الأكثر واقعية هو كونه طلب اللجوء من سكان قرية سيبولا هرباً من العمل لمصلحة الإسبان الذين سفكوا الدماء وخربوا الديار من أجل أطماع مادية، بدليل أن قبيلة زوني لا تزال حتى الآن تُقدّسُ الملاك القديسَ استيبانكو وتجعل منه رمزاً دينياً في عبادتهم".