Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصابئة المندائيون أصحاب أقدم ديانة توحيدية يحتفلون بـ"عيد الخليقة"

ينشغلون في أعيادهم بالصلاة وتعبق ضفاف نهر دجلة برائحة البخور الممزوج بالتراتيل من أجل الرحمة والخلاص من الخطايا

يقول المندائيون إنهم أقدم ديانة سماوية على وجه الأرض (اندبندنت عربية)

"بسم الحي العظيم ربي" بهذه الكلمات يبدأ أبناء الصابئة المندائيين طقوس (الصباغة) في نهر دجلة، والصباغة هي أهم ركن من أركان الديانة الصابئية، وهي تعني تطهير البدن في الماء الجاري، وكذلك تطهير كل ما يستخدم في الأعياد من أوانٍ وملابس تمهيداً للبدء بالطقوس الدينية لعيد (الخليقة أو البرونايا)، ويستمر عيد الخليقة خمسة أيام تقام فيه الصلوات وتمنح الصدقات للفقراء ويوزع (طعام الغفران) استذكاراً وتكريماً للموتى.

عرف الصابئة المندائيون بارتباط طقوسهم بالماء، إذ نحت اسمهم من عملية الارتماس في الماء الجاري ويسمى (مصبتة) وهو مأخوذ من "صبأ" الآرامية، أي اغتسل، ويعيشون على ضفاف نهري دجلة والفرات منذ القِدم، يجاورون الأنهار ويتنسكون في مياهها. طقوس أعيادهم تجري بالقرب من الأنهار الجارية فهم يعتقدون أن المياه هي الشاهد على أعمالهم أمام الله ويرتدون لباسهم الديني الأبيض الذي يطلق عليه (الرستا) وهو لباس النبي يحيى بن زكريا، وهو شعار ممتد إلى النبي آدم ويضعون (الدرفش) راية النور والضياء راية النبي يحيى، التي تصنع من الحرير لتعلن البدء بطقوس إحياء أعيادهم.

الصابئة ديانة ضاربة في القدم

عاش المندائيون على أرض العراق وتوزعوا في محافظات بغداد والبصرة وميسان وسوق الشيوخ والناصرية، عرف عنهم بأنهم صاغة مهرة وكذلك يعملون في صناعة المينا (النقش على الفضة) والحدادة والنجارة ويصنعون القوارب وآلات الحصاد، كانت تلك المهارات حكراً على الصابئة المندائيين لفترة قد تمتد إلى ما قبل العصر العباسي.

يقول المندائيون "إنهم أقدم ديانة سماوية على وجه الأرض وإن كتبهم هي صحف سادة البشر الأولين آدم وشيث وإدريس ونوح"، ويرفع هذا الرأي بهم إلى مصاف بدايات الأديان والشرائع الموحدة في التاريخ والكل نهل من منهلهم، لهم حروف أبجدية خاصة بهم وهي اللهجة المندائية المتفرعة من اللغة الآرامية الشرقية ويقيمون شعائرهم وطقوسهم الدينية بهذه اللغة. 

عالم النور 

يؤمن الصابئة بوجود عالمين (عالم النور وعالم الظلام)، وهما عالمان موجودان في عداء دائم مع هيمنة وسيطرة عالم النور على عالم الظلام، والصابئة يعتبرون أنفسهم أسرة عالم النور، ولذلك فعليهم أن يتخلوا عن عالم المادة عالم الظلام.

يسرد رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق، ستار جبار حلو، لـ"اندبندنت عربية" التفاصيل الخاصة بعيد الخليقة قائلاً "إن للصابئة أربعة أعياد منها ما يختص بعوالم النور وهي العوالم الروحية وأخرى أعياد تختص بالعوالم المادية وهي الأرض والكواكب والشمس والقمر، وعيد الخليقة الذي يحتفل به الصابئة هذه الأيام خلقت فيه عوالم النور من جنات وأنهار وملائكة".

 

يكمل الحلو حديثه عن عيد الخليقة "إن كل يوم من أيام هذا العيد يحمل رمزية معينة، فاليوم الأول هو لصفة رب العظمة، والثاني هو الرب العلي، والثالث العليم، واليوم الرابع يحمل صفة رب الحق، أما اليوم الخامس والأخير فقد تفجرت فيه المياه والعيون الجارية وقبل أن يخلق آدم أمر الرب الملائكة جبرائيل أن يأخذ غرفة من الماء الحي ليرميها في الماء الآسن ليصبح مستساغاً لبني البشر".

ولأن عيد الخليقة ينتمي لأعياد عالم النور، فالصلاة التي تصلى في كل وقت من أيام هذا العيد هي صلاة الصبح فقط والصباغة (التعميد) "اصطبغ، غط أو غطس في الماء" يتم ثلاث مرات في الماء الجاري تكون واجبة في أيام عيد الخليقة ويردد في صلاة الصبح بوثة (آية) "قوموا قوموا أيها المختارون الصالحون قوموا وسبحوا للحي العظيم".

يوضح هاشم الشاوي من أبناء الصابئة "أن أيام عيد الخليقة هي أيام نورانية فالصلاة التي تقام في هذه الأيام هي صلاة الصبح وكل ما يستخدم في هذا العيد يجب تعميده في المياه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

طقوس الصابئة 

من شعائر المندائية الثابتة العماد والصلاة والصوم والزكاة، والعماد المندائي يمارس بثلاثة أنواع وهي (مصبوتا) ويقام عادة داخل المندي (معبد هذه الطائفة) مع إكليل الريحان في إشارة إلى الحياة والطيب. النوع الثاني وهو العماد الشخصي (طماشة) وهو مجرد اغتسال من كل أنواع النجاسات، والنوع الثالث يسمى (رشامة) وهو بمثابة الوضوء ويمارس ثلاث مرات يومياً.

تكون صلاة المندائي عبارة عن قراءة وتبريكات، ويستقبل المصلي عند الصلاة جهة الشمال وهي القبلة المندائية اعتقاداً منهم أنها الجهة المباركة. ويؤمنون بإطعام ذوي الحاجة (طبوثة) أي العمل الصالح ويوصون بحب الجار ويؤكدونه باستمرار، أما من شروط الصدقة لديهم فمن الضروري أنها تقدم سراً والإعلان عنها يعد خطيئة كبرى، والصوم عند المندائيين 36 يوماً متفرقة على مدى السنة تختتم عادة بالأعياد. 

تأثيرهم وتأثرهم 

لا تبتعد بسملة المندائيين عن بسملة المسلمين "بشميهون أد هيي ربي"، أي "بسم الحي ربي". وجاء في بوثة (آية) التوحيد من كتابهم الكنزا ربا "الحمد لك! مسبح ومبارك ومعظم إنه رب الملوك جميعاً، لا وجود بدونه، وما مِن شيء لولاه، أزليٌّ ليس له بداية، وأبديٌّ ليس له نهاية".

فهم يعتبرون يحيى بن زكريا الرباني الوحيد، وهي أعلى درجة دينية لا تنطبق شروطها إلا على يحيى. وهو حسب تاريخهم أحيا الدين المندائي بعد انقراض. يدعونه في لغتهم الآرامية، التي ما زالت حية على شفاه شيوخهم: "يهيا يهانا"، ويقرأ المندائيون لهذا "الرباني" كتاب "دراشة أد يهيا" أي تراتيل يحيى.

ترك المندائيون في المكان مفردات شائعة ومتداولة في الجنوب العراقي منها (شيلة) وهي (شيالة) المندائية غطاء رأس المرأة العراقية الجنوبية، وأصلها قطعة من اللباس الديني (الرستا) الذي تختص به النسوة.

متمسكون بالأرض 

تناقصت أعداد الصابئة المندائيين في العراق بعد عام 2003 لأكثر من النصف، ويبلغ تعدادهم حالياً 20 ألف نسمة. يحدثنا مصطفى عبود ويقول "لا يمكن أن أترك أرضي فعلى الرغم من سفر أبنائي أستمر بالعيش مع زوجتي في بغداد، رافضين الهجرة فنحن أبناء هذه الأرض وعلى أنهارها نقوم بطقوسنا الدينية".

يكمل عبود ويقول "إن من يعش خارج العراق يصعب عليه أن يقوم بهذه الطقوس فلا بد من وجود ماء نهر يجري، وهذا لا يمكن أن يحدث في بلاد الاغتراب التي تنخفض بها درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، مما يضطر الكثير من أبناء الصابئة للاعتماد في إحياء طقوسهم على مياه الأحواض". 

وفي المكان حيث يحيي الصابئة عيد الخليقة يمكن سماع اللغة الآرامية التي ما زالت جارية على ألسنتهم، ينشغلون في أعيادهم بالصلاة ويعدون طعام الغفران الذي يمثل الثواب المرسل لأرواح الموتى، وتعبق ضفاف نهر دجلة برائحة البخور الممزوج بالتراتيل من أجل الرحمة والخلاص من الخطايا. 

المزيد من تقارير