المصرية هالة البدري مأخوذة برواية لم تكتبها بعد

"نساء في بيتي" تستحضر ما وراء الكتابة

غلاف الرواية (اندبندنت عربية)

في رواية "نساء في بيتي" (الدار المصرية اللبنانية- القاهرة) تعاود هالة البدري الاقتراب من ذاتها كاتبة وإنسانة، ولكن بدرجة غير مسبوقة في أي من الروايات التي صدرت لها من قبل، بما فيها رواية "امرأة ما" المستدعاة في هذا العمل لدواعي مقارنتها عبر أطروحة ماجستير لباحثة مصرية، مع رواية "مالينا" للكاتبة والشاعرة النمساوية إنجيبورج باخمان (1926- 1973).

وباخمان التي تعد الكاتبة الأكثر شهرة في الدول الناطقة بالألمانية هي واحدة من بطلات "نساء في بيتي" مع البدري نفسها وكلٍ من الكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية (1892- 1968) التي ربما تكون أول امرأة عربية تكتب رواية مكتملة الشروط الفنية بمقاييس النصف الأول من القرن العشرين، والفنانة التشكيلية جورجيا أوكيف (1887- 1986) التي تعتبر "النظير النسائي" لبيكاسو"، كما تعد "أم الحداثة الأميركية". نساء من أزمنة وثقافات مختلفة تتأمل البدري تجاربهنّ وتربط نفسها بهنّ، بل وتصنع عالماً يتشكل منهنّ ومن شخصيات واقعية وخيالية ارتبطت بهنّ، مسرحُه بيتُها وزمنُه الآن.

الرواية تتألف من قسمين، الأول: "عندما يأتي المساء"، و"الثاني: "في الليل لما خلي"، وهما عنوانا أغنيتين لمحمد عبد الوهاب، لكنهما يشيران ربما إلى نهج العمل في صناعة رواية داخل الرواية: "انقسمَ يومي إلى قسمين، قسم أنا غارقة فيه في تجميع مواد علمية، وقسم أنشغل فيه باللقاء مع المجموعة كلها". وتضيف الراوية وهي نفسها الكاتبة هالة البدري: "تجاوزنا فكرة توثيق العلاقة، إلى المتعة في البقاء معاً. أصبحت كل منا تحرص على تحضير ما ستعرضه علينا من إنتاجها الإبداعي. نستمع إلى قصائد باخمان، ونناقش لوحات أوكيف، ونقرأ صفحات من روايات قوت القلوب ورواياتي، وأبحاث أميرة عن أدب الرحلات الذي كتبته النساء، ويلحق بنا رجالنا فيثرون المكان بالشعر، وبالتصوير، وبالموسيقى، والأوبرات، والعواطف والعواصف". صـ217.

تبدو هالة البدري في "نساء في بيتي" مؤرقة برواية تتكئ صراحة على سيرتها ولكن لم تواتها الجرأة الكافية بعدُ لكتابتها، على الرغم من قولها لنفسها: "لن أبقى خائفة من الحقائق إلى الأبد". صـ21. وهي ربما تكون مهَّدت لتلك الرواية بما أوردته في "نساء في بيتي" من رسائل حميمية نسبياً بين "هو" و"هي"، واللذين يُذكِران على نحو ما ببطلي رواية "امرأة ما" الصادرة في 2002 والتي تردد في جلسات نميمة أن بطلتها "ناهد" هي نفسها هالة البدري.

"نساء في بيتي"، هي إذن رواية ما وراء الكتابة، ومن ثم تحتشد بالمعلومات حول شخصياتها الرئيسة من قبيل أن قوت القلوب الدمرداشية التي قتلها ابنها بعد أن تخطت السبعين من عمرها كانت تكتب بالفرنسية ومنحت نجيب محفوظ أول جائزة في حياته، ومن ثم استخلاص أنها "كانت الأجدر بالشهرة التي نالتها مي زيادة". وفي ثنايا ذلك وفي موازاة الحكي عن تلك النسوة وما عانينه من ذكورية المجتمع على الرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة، تتذكّر هالة البدري أول قصة كتبتها "وكانت عن الشهيد عبد المنعم رياض"، وسفرها إلى العراق ومرور 35 عاماً قبل أن تكتب روايتها "مطر على بغداد"، وقد سبقها كتابان، الأول عن تجربة الفلاحين المصريين هناك، والثاني عن المرأة العراقية، وأن يوسف إدريس كتب مقدمة لروايتها الأولى.

وهكذا تنشغل هالة البدري بما يمكن أن يجمعها بثلاث نساء: باخمان، أوكيف، قوت القلوب، ومن ثم جعلت من نفسها شخصية في "رواية"، حرصت على أن تنطوي على "مسافة قائمة دائماً بين الحقيقة والخيال" صـ46 تقول: "لا أعرف متى اكتشفتُ الفجوة التي تركها الزمن في نفسي، وهو ينسلّ مني بهدوء. هل يفسّر هذا جرأتي الآن مقارنة بكتاباتي الأولى؟ على الرغم من فارق التركيب بين الشخصيات، لكن باخمان تستدعي إلى ذهني قوت القلوب الدمرداشية، وجورجيا أوكيف، ولا أعرف لماذا". وتقول هالة لأوكيف في موضع آخر: "بيننا حبيبٌ تلاعبَ بنا وصدقناه وعرفتُ متأخراً أنه مجرد زئر نساء... الأهم هو أنك فنانة حداثية ناضلت لتحقيق هوية تخصك". هنا صراع "نسوي" بين التحقق في العمل والتحقق في الحب. والغريب أنه يتكرّر هنا وهناك. والأغرب أنه صار أكثر حدة مما كان عليه في القرن الماضي، وكأن "التقدّم" لم يترك أثره الإيجابي بعد في علاقة المرأة بالرجل، سواء لجهة الوجود المستقل، أو لجهة التواصل القائم على ندّية غير منتقصة لأيّ سبب من الأسباب. ويظلّ أن رواية "نساء في بيتي" كادت أن تكون لقوت القلوب الدمرداشية وحدها، وهي شخصية درامية بامتياز، وتعتبر الأقرب إلى محيط هالة البدري وسياقاته الاجتماعية والثقافية. وكادت كذلك أن تكون متكأً لتمرير سيرة ذاتية كتبتها هالة البدري تحت عنوان "طيّ الألم"، أو استكمالاّ لما أنجزته البدري نفسها في روايتها "امرأة ما" والتي وُصفت وقت صدورها قبل نحو عشرين عاما بـ"الجريئة".

      

المزيد من ثقافة