Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كنائس القدس تتصدى لمخطط استيطاني جديد على أراضيها

المناطق المقرر دمجها في الخطة "أُهملت لسنوات وتعاني التخريب والحرق المتعمد"

رؤساء الكنائس الكبرى في القدس يطالبون الحكومة الإسرائيلية لجم مخططات "سلطة الطبيعة والحدائق"  (اندبندنت عربية)

أعادت "سلطة الطبيعة الإسرائيلية" وبعد ما يقارب من خمسة عقود، طرح مخططها القديم المثير للجدل لتوسيع حديقة "أسوار القدس"، التي كانت قد افتتحتها في ستينيات القرن الماضي، التوسعة الجديدة التي ستضيف 275 ألف متر مربع، معظمها في جبل الزيتون، ستعمل بحسب القائمين عليها "على تجديد الأراضي التي تم إهمالها منذ فترة طويلة والحفاظ بشكل أفضل على المناظر الطبيعية التاريخية".

رسائل غضب

بعد ساعات قليلة من إعلان الخطة، انتفضت كنائس القدس بالشجب والاستنكار وإعلان الرفض المطلق لها، فالمساحات التي تريد سلطة الطبيعة تطويرها تمس بشكل مباشر أكثر من 12 موقعاً مقدساً تاريخياً مسيحياً، بما في ذلك دير راهبات بريدجتين، وكنيسة ويري الجليلي، ومغارة جثسيماني وحديقة الرسل. مما دفع مسؤولي الكنائس في القدس ومنظمات حقوقية إلى وصف الإجراء بأنه "استيلاء على السلطة وتهديد للوجود المسيحي في الأراضي المقدسة، وأن التوسيع المخطط للحديقة هو جزء من استراتيجية قومية أكبر لتطويق البلدة القديمة في القدس من خلال السيطرة على المناطق المجاورة للقدس الشرقية".

بطريرك القدس للروم الأرثوذكس ثيوبوليس الثالث، وحارس الأراضي المقدسة للكنيسة الكاثوليكية فرانشيسكو باتون وبطريرك الأرمن الأرثوذكس نورهان مانوجيان، وجهوا رسالة طارئة إلى وزيرة حماية البيئة تمار زاندبرغ، التي يشرف مكتبها على سلطة الطبيعة، دعوها فيها إلى إلغاء التوسيع المخطط له.

وجاء في الرسالة "هذا إجراء غاشم يشكل هجوماً مباشراً ومتعمداً على المسيحيين في الأراضي المقدسة، وعلى الكنائس وحقوقها القديمة المضمونة دولياً في المدينة المقدسة. تحت ستار حماية المساحات الخضراء، يبدو أن الخطة تخدم أجندة أيديولوجية تنكر مكانة وحقوق المسيحيين في القدس".

وأضافت، "على الرغم من أن الخطة تم تقديمها رسمياً من قبل سلطة الطبيعة والحدائق، يبدو أنه تم طرحها ويتم تنسيقها وتطويرها والترويج لها من قبل كيانات هدفها الوحيد الظاهر هو مصادرة وتأميم أحد أقدس المواقع المسيحية وتغيير طبيعته (في إشارة إلى جبل الزيتون) الذي يؤمن المسيحيون أنه كان موقعاً للعديد من الأحداث الرئيسة في حياة يسوع المسيح".

تجميل وتطوير

سلطة الطبيعة، أصرت بدورها على أن المشروع لن يضر الكنائس وأنه مصمم للحفاظ على التضاريس التاريخية كما من المفترض أن تفعل الحدائق الوطنية، وأن إعلان المناطق كحدائق وطنية أتاح للهيئة إطلاق مشاريع تهدف إلى تجميل المنطقة. وقالت متحدثة باسم سلطة الطبيعة والحدائق لوسائل إعلام إسرائيلية، إن الهدف من المشروع هو "إصلاح الأراضي في وادي هنوم، التي تم إهمالها لسنوات وتعاني هجمات التخريب والحرق المتعمد، وأن جزءاً كبيراً من الأراضي المقرر دمجها في حديقة أسوار القدس الوطنية يُعتبر من أراضي الدولة".

وأضافت، "كجزء من أنشطتنا، ندير مشروعاً مشتركاً مع مؤسسة مدينة داوود (جمعية إلعاد) حيث تعمل المدارس والشباب، من بين أمور أخرى، لتنظيف وترميم المدرجات وزراعة الأشجار. إن نتائج هذه المشاريع تتحدث عن نفسها، أصبحت الأماكن المهملة زوايا جميلة تخدم أولاً وقبل كل شيء سكان المنطقة". وأشارت "سلطة الطبيعة"، إلى "أنه في حين أن الكنائس قد لا تدعم المشروع، تأمل السلطة في التواصل معها جميعها قبل مناقشة الخطة في لجنة التخطيط الشهر المقبل لإجراء حوار بهذا الشأن".

سحب الخطة

التطوير والتجميل المنشود الذي شددت عليه سلطة الطبيعة في خطابها، لم يقنع قادة الكنائس في القدس الذين نددوا بها بشدة، ووصفوها بأنها "هجوم متعمد على المسيحيين" وأرسلوا مناشدات عاجلة إلى قناصل فرنسا وتركيا وإيطاليا واليونان وإسبانيا وبريطانيا والسويد في القدس، في محاولة لحشد الدعم الدولي لمعارضة الخطة، وهو ما أجبر سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية على سحب خطتها المثيرة للجدل التي كان من المقرر الموافقة عليها مبدئياً من لجنة التخطيط والبناء المحلية التابعة لبلدية القدس في 2 مارس (آذار).

 وقالت في بيان "لا توجد نية للدفع بالخطة في لجنة التخطيط، وهي ليست جاهزة للمناقشة من دون التنسيق والتواصل مع جميع المسؤولين المعنيين، بما في ذلك كنائس المنطقة بشأن الطريقة الصحيحة للحفاظ على هذه المنطقة الخاصة".

مدير معهد أبحاث "القدس الدنيوية" داني سيدمان كتب في تغريدة على "تويتر"، "هناك فرق كبير بين سحب الخطة من جدول أعمال لجنة المنطقة، وهو أمر واضح ومهم، وعدم الدفع بالخطة، وهو أمر قابل للتغيير".

وكان غبطة بطريرك القدس وسائر أعمال فلسطين والأردن ثيوفيلوس الثالث، قد أعلن في بيان، "الحرب على الكنائس لم تنته، وأن الفرحة بهذا الانتصار لا تُنسينا ضرورة الاستمرار في معارك أخرى للحفاظ على مقدساتنا وعقاراتنا"، وأضاف، "أن بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية لن تستسلم أمام الحرب التي تشنها عليها الجمعيات الصهيونية المتطرفة وشخصيات متنفذة تحمل نفس الأيديولوجية الإقصائية، وستظل تحارب لحماية حقوقها وحقوق أبنائها في باب الخليل، ومحيط أسوار البلدة القديمة، وأينما وجد خطر عليها، وأن محاولات النهش في الكنيسة الأرثوذكسية تزداد بشكل يؤثر سلباً في الوجود المسيحي الأصيل بالقدس".

مدير عام اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين أميرة حنانيا، قالت لـ"اندبندنت عربية"، "اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس تعمل وبشكل مكثف لمساندة ودعم الكنائس في القدس، سواء بحشد الدعم الدولي لمواقفهم في المحافظة على أملاكهم من ناحية وأملاك وعقارات الشعب الفلسطيني من ناحية أخرى، نبارك لهم اتحادهم في الموقف الرافض لكل الحجج الإسرائيلية التي تختبئ خلفها النوايا الحقيقية لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في القدس". وأضافت مدير اللجنة الرئاسية، التي تتبع منظمة التحرير الفلسطينية، "أن معركتنا في القدس لتثبيت وجودنا الكنسي والإنساني لم ولن يتوقف".

أجندة قومية

معارضو خطة توسيع الحديقة على رغم تأجيلها للمناقشة والتنسيق، أشاروا إلى "أن سلطة الطبيعة والحدائق سمحت لمؤسسة مدينة داوود (جمعية إلعاد) بالدفع بأجندة سياسية قومية في القدس الشرقية لترسيخ الوجود اليهودي بالمناطق المتنازع عليها، بما في ذلك حي الشيخ جراح الذي لا يزال يشهد إضرابات يومية". وتخشى منظمات حقوقية إسرائيلية من أنه من خلال نقل العائلات اليهودية تدريجياً إلى حي الشيخ جراح وحي سلوان وتوسيع الحديقة لتشمل جبل الزيتون شرق البلدة القديمة، ستتمكن "جمعية إلعاد" من تطويق المنطقة مع المشاريع السكنية والأثرية والبيئية اليهودية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منظمات "بيمكوم"، و"عيمق شافيه"، و"عير عميم" و"سلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية قالت في بيان مشترك "نعترض على سوء الاستخدام الساخر للتراث وحماية البيئة كأداة من قبل السلطات الإسرائيلية لتبرير التوسع الاستيطاني، ولإعادة تشكيل السرد التاريخي ولتحديد ملكية حوض البلدة القديمة. إن هناك صلة مباشرة بين ما يحدث في الشيخ جراح وخطة التوسع".

مؤسسة مدينة داوود الإسرائيلية (جمعية إلعاد) نفت بدورها كل التهم الموجهة إليها، وقالت في بيان "الادعاءات التي يتم طرحها ضد المشروع تقودها إلى حد كبير منظمات ذات أجندة سياسية تتلقى مبالغ كبيرة من التمويل من قبل الاتحاد الأوروبي، بهدف إبقاء القدس في حالة من الإهمال والبؤس من أجل تعزيز روايتهم القائلة بأن اليهود والعرب لا يمكنهم الاستفادة معاً في ظل السيادة الإسرائيلية في القدس بأكملها".

عام 2016، أصدر مراقب الدولة (هيئة رسمية مركزية في إسرائيل للرقابة على المؤسسات الرسمية وأذرعها) تقريراً جاء فيه، "أدى تقصير سلطة الطبيعة والحدائق وسلطة الآثار الإسرائيلية إلى وضع أصبحت فيه مؤسسة مدينة داوود، من الناحية العملية، عاملاً رئيساً في مجال إدارة وتشغيل المواقع السياحية في حوض البلدة القديمة بالقدس، من دون إشراف كبير من قبل سلطات الدولة المسؤولة عن المنطقة، وهذا يرقى إلى تنصل كامل للدولة من سلطاتها".

تهديد وجودي

يرى مراقبون، أن خطة توسيع الحديقة جاءت وسط توترات متزايدة في العلاقات بين الحكومة الإسرائيلية وقادة الكنائس في القدس، الذين قد كتبوا نهاية العام الماضي بياناً مشتركاً حذروا فيه، من "أن مجتمعاتهم مهددة من قبل الجماعات الإسرائيلية المتطرفة التي تعمل على الاستحواذ الاستراتيجي على عقارات في مناطق مسيحية"، وطالبوا الحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى "التحرك ضد الجماعات القومية اليهودية التي تهدد وجودهم".

الأب فرانشيسكو باتون، حارس الأراضي المقدسة بالكنيسة الكاثوليكية وحارس الأماكن المقدسة المسيحية في الأرض المقدسة، كتب في مقال رأي نشرته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية في وقت سابق أن "وجودنا محفوف بالمخاطر ومستقبلنا في خطر. تم تدنيس وتخريب المواقع المقدسة، بما في ذلك الكنائس، في حين تم ارتكاب جرائم ضد الكهنة والرهبان والمصلين".

مع ذلك، فإن الإحصاءات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي رسمت صورة مغايرة، حيث أشارت إلى "أن المجتمع المسيحي في إسرائيل نما بنسبة 1.4 في المئة خلال عام 2020 وبلغ حوالى 182 ألف نسمة، وأن 84 في المئة منهم راضون عن الحياة في إسرائيل".

ويشكل المسيحيون 7 في المئة من السكان العرب في إسرائيل، و76.7 في المئة من المسيحيين بها هم من العرب. وتعتبر مدن الناصرة (21400 نسمة) وحيفا (16500) والقدس (12900) أكبر التجمعات السكانية العربية المسيحية في إسرائيل.

وزارة الخارجية الإسرائيلية ردت بالقول إن الاتهامات "لا أساس لها من الصحة" وحذرت من أنها "قد تؤدي إلى العنف وإيذاء الأبرياء". كما قالت إن المسيحيين في إسرائيل يتمتعون بـ"الحرية الدينية الكاملة".

قلق أميركي

يذكر أن وفداً من الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي الذين كانوا في زيارة إلى إسرائيل والضفة الغربية الأسبوع الماضي برئاسة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، كانوا قد أعربوا عن قلقهم بشأن احتمال اندلاع أعمال عنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مدينة القدس، لكن كبار القادة الإسرائيليين وبحسب ما قالته وسائل إعلام إسرائيلية، أكدوا التزامهم باتخاذ خطوات لخفض التوترات.

وقالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، "إن النواب أعربوا أيضاً عن معارضتهم لأي توسع في المستوطنات، لكنهم لم يحصلوا على تعهد من رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت بوقف مثل هذه الخطوات".

المزيد من الشرق الأوسط