Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البنك الدولي يحذر من تداعيات التضخم

71 في المئة من الأسواق الناشئة أصبحت أضعف مما كانت عليه في 2020

مقر البنك الدولي (غيتي)

كشف البنك الدولي أن الضغوط التضخمية في الوقت الحالي لا تشعر بها الاقتصادات المتقدمة فحسب، بل تشعر بها أيضاً غالبية الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وعلى الرغم من اختلاف أسبابها عبر البلدان، فإن مهمة حل المشكلة ستقع في النهاية على عاتق البنوك المركزية الكبرى في العالم.

وأوضح تقرير بحثي حديث أن التضخم عاد بسرعة أكبر وارتفع بشكل أوضح وأثبت أنه أكثر عناداً واستمرارية من كل ما تصوّرت البنوك المركزية الكبرى في البداية أنه ممكن.

وبعدما هيمن في مستهل الأمر على عناوين الأخبار الرئيسة في الولايات المتحدة، أصبحت المشكلة محور المناقشات السياسية في عدد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وفي 15 من أصل 34 دولة يصنفها تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الذي يصدره صندوق النقد الدولي على أنها اقتصادات متقدمة، كان معدل التضخم لمدة 12 شهراً حتى ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي أعلى من 5 في المئة.

ولا يقتصر هذا الارتفاع التضخمي على البلدان الغنية، فقد ضربت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية موجة مماثلة، إذ تواجه 78 من أصل 109 من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية أيضاً معدلات تضخم سنوية أعلى من 5 في المئة.

والواقع أن هذه الحصة من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية والبالغة نحو 71 في المئة، أصبحت ضعف ما كانت عليه تقريباً عام 2020. وعلى هذا، فقد أصبح التضخم مشكلة عالمية ــ أو شبه عالمية، فلا تزال آسيا محصنة حتى الآن.

اختلاف أنماط الكساد والتعافي من الجائحة

ترى كارمن راينهارت، النائبة الأولى للرئيس ورئيسة الخبراء الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي، أن المحركات الرئيسة للتضخم تتفاوت من بلد إلى آخر، بخاصة عند المقارنة بين الاقتصادات المتقدمة من جانب، والأسواق الناشئة والاقتصادات النامية على الجانب الآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فلا تنطبق تشخيصات "فرط النشاط" السائدة في الخطاب الأميركي على عدد من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، حيث كان التحفيز المالي والنقدي في الاستجابة لجائحة فيروس كورونا 2019 محدوداً، وحيث كان التعافي الاقتصادي عام 2021 متأخراً كثيراً عن التعافي في الاقتصادات المتقدمة.

وذكرت أنه علاوة على ذلك، تختلف أنماط الكساد والتعافي التي استحثتها الجائحة بشكل ملحوظ عبر مجموعات الدخل في البلدان المختلفة، حيث يعرف التعافي على أنه عودة الاقتصاد إلى مستوى نصيب الفرد في الدخل الذي كان عليه عام 2019.

واستوفت نحو 41 في المئة من الاقتصادات المتقدمة المرتفعة الدخل هذه العتبة في نهاية عام 2021، مقارنة بنحو 28 في المئة من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية المتوسطة الدخل، ونحو 23 في المئة فقط من البلدان المنخفضة الدخل. ومن ناحية أخرى، سيستمر انبعاث التضخم في تعزيز فجوات التفاوت، سواء داخل البلدان أو بينها.

لكن التفاوت بين الاقتصادات المتقدمة والنامية أكبر حتى مما تشير إليه هذه المقارنة، لأن عدداً من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية كان يشهد بالفعل انخفاضات في نصيب الفرد في الدخل قبل الجائحة، في حين كانت الاقتصادات المتقدمة في الغالب عند مستويات عالية جديدة. 

وعلى الرغم من أن عدداً من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية خفضت تقديراتها للناتج المحتمل على مدار العامين الأخيرين، فليس هناك ما يشير إلى أن الضغوط التضخمية هناك كانت مدفوعة في المقام الأول بفرط النشاط الاقتصادي في أعقاب برنامج التحفيز الضخم.

ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية

وكشف التقرير أن أحد التطورات الشائعة في الاقتصادات المتقدمة والنامية يتمثل في زيادة أسعار السلع الأساسية إلى جانب ارتفاع الطلب العالمي. وبحلول يناير (كانون الثاني) 2022، كانت أسعار النفط ارتفعت بنسبة 77 في المئة عن مستواها في ديسمبر من عام 2020.

من القضايا الكبرى الأخرى التي تؤثر في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء سلاسل التوريد العالمية، التي تظل متأثرة بشدة بأحداث العامين الأخيرين. فكما ارتفعت تكاليف النقل، انطلقت الأسعار إلى عنان السماء. وعلى النقيض من صدمة الإمداد المرتبطة بالنفط في سبعينيات القرن العشرين، كانت صدمات الإمداد المرتبطة بجائحة كورونا أكثر تنوعاً وإبهاماً، بالتالي أشد غموضاً.

في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، أسهم انخفاض قيمة العملات (بسبب تراجع تدفقات رأس المال الأجنبي إلى الداخل وخفض التصنيف الائتماني للديون السيادية) في إحداث تضخم أسعار السلع المستوردة.

ولأن توقعات التضخم في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية أقل ثباتاً وأكثر توافقاً مع تحركات العملة، مقارنة بحالها في الاقتصادات المتقدمة، فإن العبور من أسعار الصرف إلى الأسعار يميل إلى أن يكون أسرع وأكثر وضوحاً.

يتمثل عامل مهم آخر في تضخم أسعار الغذاء. فخلال عام 2021، تجاوزت الزيادات في أسعار المواد الغذائية على مدى 12 شهراً مستوى 5 في المئة في 79 في المئة من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

وفي حين لم تكُن الاقتصادات المتقدمة محصنة ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فإن 27 في المئة منها فقط شهدت ارتفاعات في الأسعار تجاوزت مستوى 5 في المئة.

الأسوأ من هذا أن تضخم أسعار الغذاء يضرب في عموم الأمر البلدان المنخفضة الدخل أيضاً (والأسر الأقل دخلاً في كل مكان) بشدة، مما يجعله يرقى إلى مستوى الضريبة التنازلية. يمثل الغذاء حصة أكبر كثيراً من متوسط سلة استهلاك الأسر في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، وهذا يعني أن التضخم في هذا الاقتصادات من المرجح أن يثبت كونه متواصلاً. وستُـتَـرجَـم أسعار الطاقة المرتفعة اليوم بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية غداً (بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة والنقل وما إلى ذلك).

نطاق محدود للسياسة النقدية في الاقتصادات الصغيرة

وفق التقرير، يرى كليمنس غراف فون لوكنر، المرشح لنيل درجة الدكتوراه في معهد الدراسات السياسية بباريس وخبير الاقتصاد في البنك الدولي، أنه وعلى الرغم من أن غالبية الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لم تعُد تثبّت أسعار الصرف ــ كما كانت تفعل أثناء أعوام التضخم في سبعينيات القرن العشرين ــ فإن نطاق السياسة النقدية "المستقلة حقاً" في الاقتصادات الصغيرة المفتوحة يظل محدوداً، على الرغم من تعويم أسعار الصرف. فيما لم يعُد خطر استيراد هذه الاقتصادات للتضخم من المراكز المالية العالمية من بقايا الماضي.

وأوضح أن السمة الأكثر بروزاً في التضخم بالوقت الحالي، هي انتشاره في كل مكان. وفي ظل غياب خيارات السياسة العالمية لحل ارتباكات سلاسل التوريد، تُترك مهمة معالجة التضخم للبنوك المركزية الكبرى.

وبينما تستعد الولايات المتحدة للخضوع لقدر معتدل من إحكام السياسات (وفقاً للمعايير التاريخية) في عام 2022، فإن هذا من غير المرجح أن يكون كافياً لكبح جماح نمو الأسعار. وأشار إلى أن قدراً كبيراً من استمرار التضخم في سبعينيات القرن الماضي، يرجع إلى ميل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى القيام بأقل القليل من الجهد، بعد فوات الأوان.

في الوقت ذاته، من المؤكد أن الاستجابة السياسية الأفضل توقيتاً والأكثر قوة من جانب البنوك المركزية الكبرى لن تكون بشرى سارة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية في الأمد القريب.

وستواجه غالبيتها تكاليف تمويل أعلى، وقد يصبح اندلاع أزمات الديون في بعضها أكثر ترجيحاً، بيد أن التكاليف الأبعد أمداً المترتبة على تأخير العمل ستكون أعظم. بسبب فشل الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة في التصدي للتضخم بسرعة في سبعينيات القرن العشرين، احتاجت هذه البلدان في نهاية المطاف إلى سياسات أشد قسوة، والتي قادت إلى ثاني أعمق ركود في تاريخ أميركا بعد الحرب، فضلاً عن أزمة الديون في البلدان النامية.