أخبار مسربة لجس نبض الشارع السوداني... ما حظوظ صيغة 5+5؟

القبول بمناصفة مجلس السيادة مع العسكريين "لا يلبي مطالب الثوار وهو تنازل غير مقبول"

معارض سوداني يرفع علامة "النصر" من إحدى ساحات الاحتجاج في الخرطوم (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المحلية السودانية، في اليوميين الماضيين، موجة أخبار مسربة، تشير إلى قرب استئناف التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى "إعلان الحرية والتغيير"، وذلك بعد توقف دام أكثر من عشرة أيام، فشل فيها الطرفان في تخطي عقبة تكوين المجلس السيادي ونسب تكوينه بين العسكريين والمدنيين.

وحملت تلك الأخبار تأكيدات بأن اللجان المشتركة بين الطرفين وعبر الوسطاء، تمكنت من الوصول إلى صيغة توافقية تنهي حالة الاحتقان السياسي، وتبادل التهم بين الطرفين، في التعنت وتعمد إفشال المفاوضات، للحصول على مكاسب غير مستحقة.

مناصفة عضوية المجلس

من المتوقع أن تُستأنف المفاوضات في الساعات المقبلة، ويدخل الطرفان إلى طاولة التفاوض، وعلى عاتقهم مسؤولية "نسب تشكيل المجلس"، التي راجت في الفترة الأخيرة في الوسائط الإعلامية المحلية، والتي تهدف بحسب محللين، إلى "جس نبض الرأي العام، ومدى تقبله لذلك المقترح".

وجدت صيغة 5+5 لتشكيل المجلس حظها من النقاش، وتباينت الآراء حولها بين القبول والرفض. ووفق تلك الصيغة يقتسم المدنيون، عضوية المجلس مع العسكريين، مع رئاسة دورية بينهما، تبلغ فترة كل رئيس عاماً ونصف العام، ليبلغ مجمل الفترتين الرئاسيتين ثلاث سنوات، هي أمد الفترة الانتقالية التي توافق عليها الطرفان، في جلسات التفاوض السابقة.

أما على مستوى الجماهير المعتصمة منذ السادس من أبريل (نيسان) 2019 أمام مقر القيادة العامة للجيش، فلم تجد تلك الصيغة القبول، ووجهت لها العديد من الانتقادات، التي طالت قيادات معارضة، واتهمتها بالتهاون في مطلب الثورة الرئيسي، وهو مدنية الحكم.

إذ لا تعني تلك الصيغة أن المدنيين هم من يحكمون البلاد فعلياً، إنما يقتسمون الحكم مع العسكريين، ما يعني أن الأوضاع في البلاد لم تتغير، وأن العسكر سيظلون في واجهة المشهد السياسي، طوال فترة الحكم الانتقالي.

وفي استطلاع أجرته "اندبندنت عربية" بين المعتصمين، حول المقترحات التي يكمن أن تجد القبول، تباينت وجهات النظر، بيد أن من وافقوا على تلك النسب هم أقلية، من بين المستطلعين.

أخطاء وضعف المعارضة

وتقول الطبيبة سارة عبد المنعم، إحدى المتطوعات للعمل في ميدان الاعتصام، إن "المعارضة ارتكبت العديد من الأخطاء أثناء المفاوضات مع المجلس العسكري، بعدم إعلانها للحكومة من جانبها، وعدم انتظار العسكريين لأخذ وجهة نظرهم في تكوين مجلس السيادة، وغيرها من هياكل الدولة".

واعتبرت عبد المنعم أن "القبول بمناصفة مجلس السيادة مع العسكريين، لا يلبي مطالب الثوار، وهو تنازل غير مقبول، إن تم سيواجه بموجة احتجاجات جديدة من المواطنين".

من جهته، يؤكد عثمان محمد أحمد، ضرورة أن يركز تفاوض قوى "إعلان الحرية والتغيير"، على مجلس سيادة بعضوية كاملة للمدنيين، وأنه إذا وجد عسكريون بداخله، فإن ذلك يجب أن يكون بموافقة المدنيين أنفسهم".

ويضيف "لا بأس من إضافة عضو عسكري بمجلس السيادة، أو إثنين، لكن ذلك بعد تشكيل المدنيين لمجلسهم، وتعيين رئيس المجلس المدني".

أما معصتم أحمد الحسن، فيشير إلى أن "الحرية والتغيير توصّلت فعلياً إلى صيغة مرضية بالنسبة له"، ويتساءل "ما هي الدولة المدنية التي نطالب بها؟ هي أن تكون الحكومة التنفيذية كاملة للمدنيين، والبرلمان مكوناً منهم، أما مجلس السيادة الذي يعبر عن الدولة وتحصر مهامه في الأدوار والمهام التشريفية، لا ينبغي التشدد حوله، ووجود العسكر فيه بالمناصفة، لا يعني أن الحكومة ليست مدنية".

وفعلياً توصل الطرفان إلى اتفاق يقضي بتشكيل "قوى الحرية والتغيير"، مجلس الوزراء من المدنيين، وكذلك البرلمان.

المزيد من التعنت  

من المتوقع، إذا جلس الطرفان مجدداً حول طاولة المشاورات، أن تشهد أجندة التفاوض "التعنت ذاته"، ويتمسك كل طرف بالنسب التي يرى أنها تعبر عنه، فالمعارضة تشدد على "ألا تنازل عن غلبة المكون المدني"، فيما يبادلهم العسكر الموقف نفسه، بأن تكون الغلبة لهم.

وما يرجح ذلك، أن مقترح تشكيل المجلس السيادي من عشرة أعضاء، توزع مناصفة بين المدنيين والعسكريين، ليس بجديد، بل تم طرحه من قبل، ورفضه الطرفان بشدة، بحكم أنه لا يفضي لشراكة حقيقية، بين الطرفين اللذين ساهما في عزل نظام عمر البشير.

نقاط التقارب

ولتجاوز عقبة المجلس السيادي، يقترح الكاتب والمحلل السياسي أنور سليمان، "صياغة إعلان دستوري، يحدد العناصر الأساسية لمؤسسات الحكم الانتقالي المختلفة وسلطاتها، وطريقة ملء الشواغر والتجديد، على أن يُترك شأن تكوينها لتسوية إجرائية بين المجلس العسكري وقوى "إعلان الحرية"، فيقر الطرفان تشكيل البرلمان والحكومة ومجلس السيادة في حزمة واحدة".

ويشير سليمان إلى أن "النهاية المسدودة التي وصل إليها الطرفان الآن، تبرهن على ضعف الثقة، وتعكس أيضاً اختلالات في صياغة الاتفاقات السابقة، فهي تعطي مجلس السيادة سلطة اعتماد تعيين البرلمان، بمعنى أن مجلس السيادة يمنح البرلمان الانتقالي شرعية الوجود، فيما لم يكن هناك من توضيح، من الذي يمنح المجلس السيادي شرعية وجوده؟"

ولدعم مواقفهما التفاوضية، لم يحقق الطرفان، خلال الفترة الماضية، أي نقاط جديدة، توفر لهم آليات ضغط خلال جلسات التفاوض المتوقعة في الساعات المقبلة، ما يشير إلى أن فتح نسب تشكيل المجلس، يعني مجدداً الفشل في الوصول إلى حلول، ما يستوجب على الطرفين تقديم المزيد من التنازلات، أو إيجاد مخرج ثالث يتجاوز غلبة مكون على آخر.

وما يزيد من العبء المُلقى على الطرفين، هو الرأي العام الذي بدأ يتشكل حولها، إذ بدأ المواطنون في توجيه الانتقادات إلى قوى "إعلان الحرية والتغيير"، في فشلها بالعبور بالثورة إلى مرحلة جديدة، كما أن المجلس العسكري، بات يواجه تهم المحاولة بالتفرد بالسلطة والنكوص عن العهود التي قدمها، بأنه شريك في مرحلة انتقالية تعبّر عن الجميع.

المزيد من العالم العربي