هل تتحول الخلافات التجارية الدولية إلى "حرب عملات"؟

خبراء: استخدام سلاح النقد يُدخل الاقتصاد العالمي في دوامة الصراع والخسائر

حرب العملات ستكون مدمرة لمنظومة التجارة الدولية (رويترز)

يطغى شبح سيناريو حرب عملات على العالم منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) العام 2017. وأعلنت وزارة التجارة الأميركية قبل نحو أسبوع أنها تدرس لوائح جديدة لفرض رسوم تعويضية على الدول التي تخفّض عملتها في مقابل الدولار وتقوم بدعم صادراتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحدث حرب العملات عادةً عندما تشتري دولة عملات أخرى على نطاق واسع، كالدولار على سبيل المثال، من أجل الحفاظ على نقدها بمعدل منخفض للغاية، وبالتالي تعزيز القدرة التنافسية لصادراتها. وفي هذه العملية، تتفاعل الدول الأخرى من خلال تقليدها، فينجرّ العالم إلى دوامة من التخفيضات التنافسية التي لا يكون فيها فائز.

 ويحذّر الخبير المالي أسامة آل رحمة، نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة مؤسسات صيرفة وتحويلٍ مالي في دبي، في حديث مع "إندبندنت عربية"، من أن "حرباً كهذه ستكون مدمرة، ومن شأنها أن تخلّ بمنظومة التجارة الدولية بأكملها". ويقول "إن آخر ما نريد رؤيته هو الدخول في حرب عملات مباشرة، خصوصاً أن العالم مرّ بها في الماضي، وعانى تداعياتها السلبية على الاقتصاد بأسره. ولهذا السبب يجتمع قادة العالم تحت منظومة (مجموعة العشرين)، التي تشكل إطاراً لتنظيم هذا النوع من القضايا، بهدف تجنب حروب بين الدول".

اتهامات ترمب

وكان الرئيس الأميركي وجه قبل نحو عام الاتهام إلى الصين والاتحاد الأوروبي بـ"التلاعب بعملتيهما عن طريق خفض أسعار الفائدة". وانتقد ألمانيا لأنها "تستفيد من انخفاض قيمة اليورو"، وكذلك اليابان التي تقوم بالعمل نفسه مع الين. ويعتقد ترمب أن قوة الدولار سببها الإجراءات الهجومية التي تقوم بها البنوك المركزية الأجنبية الرئيسية، أكثر مما هي نتيجة لسياسة "الاحتياطي الفيدرالي الأميركي" نفسه. لكن في نهاية العام 2015، ومع الانتعاش في الاقتصاد الأميركي، بدأ "الفيدرالي" رفع معدلات الفائدة الرئيسة إلى ما بين 2.25 و2.50٪، في حين ظلت الفوائد قريبة من الصفر في منطقتي اليورو والين. ونتيجة لذلك، قدّمت الاستثمارات في الولايات المتحدة عوائد أعلى من أوروبا واليابان، ما جذب المستثمرين، ودفع تلقائياً إلى رفع سعر الدولار في العامين 2017 و2018.

لعبة مرتدة

ويعتبر آل رحمة أن "الولايات المتحدة تمارس (ازدواجية المعايير) عندما تقول إنها تدرس لوائح جديدة تعتمد فرض رسوم تعويضية على الدول التي تخفض من عملاتها في مقابل الدولار". ويوضح أنه "فيما تقوم واشنطن بجميع الممارسات التي تخدم اقتصادها، تحاول في المقابل فرض عقوبات على دول أخرى تسعى إلى ممارسة حقها السيادي الكامل". وأشار إلى "أنه يجب الأخذ في الاعتبار الدول ذات الاقتصادات الكبيرة مثل الصين والهند. فالصين فكرها اشتراكي وليس رأسماليا، وبالتالي فإن عملية التحرر بالنسبة إليها تُعدّ جزءاً من منظومة الاقتصاد الخاص بها المبني على الاشتراكية". وحذّر من أنه "إذا ما اتجهت الولايات المتحدة إلى فرض هذه الرسوم، فستتأثر اقتصادات العالم الأخرى، بما فيها الاقتصاد الصيني، الرافد لشراء السندات. وإذا ما تأثر هذا الاقتصاد فستكون الولايات المتحدة أكبر المتضررين باعتبار أن الصين هي أكبر مشترٍ للسندات الأميركية".

اليورو والين والدولار

من أهم الآثار الجانبية لتخفيض عملة ما، الزيادة في سعر المنتجات المستوردة، ما يضرّ بالقوة الشرائية. فالبلدان التي يعتمد نموها على الاستهلاك المحلي، مثل الولايات المتحدة والصين، لا مشكلة كبيرة لديها. لكن الأمر لا ينطبق على دول العالم الأخرى. وفيما يتعلق باليورو، في العام 2015، وعلى غرار اليابان بدأ "البنك المركزي الأوروبي" شراء أوراق الدين العام على عجل، من أجل خفض معدلات الاقتراض ومعالجة التضخم. لكن بما أن تلك المشتريات تم تمويلها من خلال طبع عملات، فقد أسهم ذلك في زيادة كمية اليورو المتداولة، وبالتالي خفض سعره. ومع ذلك، يُعدّ هذا التأثير غير مباشر ولا يمكن الكلام هنا على تلاعب بالعملة الأوروبية.

ويقول الخبير المالي أسامة آل رحمة "إن الولايات المتحدة اعتمدت التيسير الكمي بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية، وقامت بإصدار كبير للعملة في مقابل تحفيز الجانب التجاري من خلال خفض العملة ذاتها. ولحقت بها أوروبا أيضا في اعتماد التيسير الكمي، وكذلك اليابان التي قامت بعملية تصفير لأسعار الفائدة لديها، وبالتالي كل دولة اعتمدت منحى معيناً للمحافظة على مستويات التبادل التجاري لديها وبالتالي تحفيز الاقتصاد بشكل عام".

الصين واليوان

في ثلاثينيات القرن العشرين، لم تكن هناك حاجة للتدخل في سعر النقد لدولة ما، لأن المعيار الذهبي كان ساري المفعول. فجميع العملات كانت قابلة للتحويل إلى ذهب، وأسعار الصرف بينها كانت ثابتة. لكن بريطانيا التي كانت آنذاك القوة الاقتصادية الرئيسة تأثرت بالأزمة، وقررت تعليق قابلية تحويل الذهب وتخفيضه بنسبة 40٪. وحذت حذوها 20 دولة.

في التسعينيات، وحتى وقوع أزمة العام 2008، جمع "البنك المركزي الصيني" كميات هائلة من الدولار وأودعها على شكل سندات خزينة في الولايات المتحدة، للحفاظ على انخفاض مصطنع لليوان بقصد دعم الصادرات. لكن منذ العام 2015، تغيرت استراتيجيته، وخفّف من تدخله، لأن النموذج الاقتصادي الصيني تطور وأصبح أقل اعتماداً على الصادرات، واتجه أكثر فأكثر نحو الاستهلاك المحلي. وأكد ذلك أحدث تقرير أميركي لسعر الصرف نصف السنوي، حين أقرت وزارة الخزانة الأميركية بأنه على عكس التصريحات المدوية لدونالد ترمب، فإن الصين لم تتلاعب بعملتها، بل تركتها "تحت المراقبة"، مع 5 دول أخرى هي الهند واليابان وسويسرا وكوريا الجنوبية، وكذلك ألمانيا، التي يثير فائضها التجاري القياسي حفيظة واشنطن.

ويلفت آل رحمة إلى "أن قضية العملة الصينية (اليوان) مطروحة على طاولة المفاوضات الأميركية الصينية منذ أعوام، وهي ليست بجديدة. فاليوان ليس عملة عائمة، بل هي نقد مُتحكم فيه عبر التسعيرة التي تضعها الحكومة الصينية. وقد حافظ على مستويات معينة مقارنة بباقي العملات الصعبة"، ويضيف أن "هذه القضية كانت موضع جدل طويل بين بكين وواشنطن. أما اليوم، وبطبيعة الحال، لا بد من أن تطفو هذه المسألة على سطح الخلافات بشكل أقوى، في ظل الحرب التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين في العالم. وتكمن المشكلة في تضارب المصالح بين الدول، ويُفترض ألا تكون قضية العملات وفرض رسوم تعويضية موضع بحث في ظل التأزم الشديد الحاصل بين الصين والولايات المتحدة".

ملاذ الذهب

يبقى أن القاعدة المعروفة "في حال تصاعد استخدام آلية تخفيض العملات المحلية، ووقوع حرب عملات، فستعمد الدول في الأجلين القصير والمتوسط إلى التخلص مما لديها من نقد الدول المتصارعة، واستبداله بالذهب، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المعدن الأصفر". لكن خبراء المال، ومنهم آل رحمة، ينصحون في هذا الإطار بحصر الصراع بين الصين والولايات المتحدة في الجبهة التجارية، وبعدم اللجوء إلى سلاح النقد. فأسعار الصرف بين البلدان عائمة اليوم، وهذا ما يحدده قانون العرض والطلب في الأسواق، ويتوقف على طلب الشركات وحال الاقتصاد. لذلك فإن الدولة التي ترغب في تخفيض قيمة عملتها بشكل دائم يجب أن تكون قادرة على الحفاظ على مستوى عالٍ من احتياطات النقد الأجنبي والمحافظة عليه، وهذا ما لا يمكن أن تتحمله بنوك مركزية كثيرة حول العالم، وحتى الصين تخلت عن هذا الخيار.

المزيد من اقتصاد