Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر ماهر شرف الدين يتقصى حطام الحياة في سوريا

ديوان "قبور صغيرة" يفتح قصيدة النثر على مآسي المدن وجروح البشر

نزهة بين الخرائب السورية (أ ف ب)

لا يبدو الشأن السياسي بعيداً من انشغالات قصيدة النثر في تمظهراتها العربية الجديدة، فمع عناية القصيدة دائماً بما هو ذاتي فردي، واحتفائها الضروري بما هو إبداعي مجرد، يظل بإمكان الشعري المتمرد والجمالي المنفلت استيعاب السياسي كصوت احتجاجي متأجج، وكذلك الانفتاح على الجرح الوطني والهم العام، وصرخات الرفض والمعاناة المجتمعية، إلى جانب احتضان مآسي البشر وآلامهم وصراعاتهم المتفجرة في كل مكان.

وبموجب هذه الانعطافات المرنة لا تخاصم قصيدة النثر نفسها كخيط شفيف رفيع، ولا تحلق بغير جناحيها الفنيين الخالصين، ولا تنأى أيضاً عن حضورها الأرضي القريب وتفاصيلها المشهدية اليومية ونقاطها المتوترة الصغيرة، لكنها لا تكتفي بأن تتفاعل مع الظرفي والضيق والمحدد من خلال لقطاتها المباشرة وزواياها المنتقاة بحساسية وعناية، فتنفذ في الآن ذاته بشحناتها المتوالدة إلى الإنساني والدائم والمتسع، وتضع يدها على حيث يتحسس جنبه العالم الموجوع.

وفي هذا السياق يأتي الديوان الجديد "قبور صغيرة" الصادر حديثاً للشاعر ماهر شرف الدين (نشر خاص)، ففي العمل الشعري الثامن للأديب والمعارض السوري المقيم في الولايات المتحدة، يمضي صاحب المجموعات الشعرية "الرسام" و"العروس" و"ملحق الشعراء السري" و"تمثال امرأة تتجرع السم" و"السوريون شجر" وغيرها، في اتجاه ما يمكن وصفه بالإنجاز العملي لعنوان أحد كتبه التنظيرية، وهو كتاب "عند تقاطع الفن والسياسة".

تجسد تجربة "قبور صغيرة" هذا التقاطع المربك بامتياز بين الفني والسياسي، الذي يصب في نهاية الأمر في مصلحة القصيدة، لكون الشاعر يدرك جيداً أن الإبداع صالح دائماً وبصفة عامة، لكل التقاطعات والتشابكات التي قد تثري النصوص، ما دامت المعالجة الجمالية هي التي تبقى لها المسؤولية العليا في امتصاص كل ما يدلي به الواقع القاسي من حروب طاحنة وأحداث دامية وممارسات عنيفة وصفحات سوداء، "طوفان من جثث وطوفان من أنقاض وطوفان من أسماء/ لقد غرقنا في دمنا كما تغرق السفن في البحار".

مستويات التعبير

يهدي شرف الدين ديوانه إلى "خيمة النايلون التي حاولت كل ما بوسعها"، ليعلن منذ البداية انحيازه للمهجرين قسراً من بلادهم، وتواصله الحميم في منفاه البعيد مع أحوال الهاربين والنازحين والغارقين في مياه البحر، والساكنين في المخيمات العشوائية، الذين يفتقدون الحد الأدنى من شروط الحياة الطبيعية: "في مخيم للاجئين/ الإذلال الذي تعرض له جعله يصيح: افتحوا لنا الطريق لنعيش مع الوحوش/ يا لرأفة الوحوش حين يفتك البشر".

وهو يذهب صراحة في أكثر من موضع إلى تسمية المعاناة السورية بعينها تحت وطأة الثورات والتظاهرات والتقلبات والحروب والنزاعات والتمزق والشتات، والأوضاع غير المستقرة منذ سنوات كما في قصيدته "رحلة الباص المحطم"، التي تتناول صورة متداولة لباص محطم تسكنه عائلة سورية مشردة "من بلاد غربت شمسها في موعد الفجر".

وكذلك ينحو في قصيدته الأخرى "الحطام" التي يستوي فيها تحطيم المدن وتدمير الإنسان، ويتجلى فيها من خلال المفارقة والسخرية والتندر كيف أن حشرجات السوريين وأصوات توجعهم واحتضارهم قد باتت مصدر إزعاج للعالم المسالم البريء: "مدمرون من الداخل كمدننا/ محطمون كزجاج شبابيكنا/ خيامنا الخفيفة تستثقلها الأرض/ ومأساتنا تجوب العالم كسيرك جوال/ صوتنا يغرق مع قوارب اللاجئين، وجثثنا ملفوفة بورق الجرائد والمجلات/ سوريون أخفنا هذا العالم الوديع بحشرجاتنا المتوحشة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن هذه الإشارات الواضحة إلى المسألة السورية في الإهداء وفي بعض القصائد لا تخفي لعبته الشعرية التي يمارسها عبر أكثر من 40 قصيدة استغرقت صفحات الديوان التي زادت على الـ 100، وهي اللعبة القائمة على مد مساحة الرؤية وتعميقها وإيجاد مستويات متعددة للتعبير وصيغ متنوعة لتأويل النصوص، "لشدة التصاقهم بالتراب، تحولوا إلى أشجار/ ولشدة التصاقهم بالسماء تحولوا إلى غيوم/ هؤلاء الشهداء وهذه سيرتهم".

إن استلهام الذاتي والمحلي يأتي على امتداد الديوان بهدف التعميم والتجريد وليس بغية التخصيص والتعيين والتوثيق، ويقود الانغماس في الحال الشخصية والشأن السياسي والهم الوطني إلى إثارة قضايا إنسانية وفلسفات تأملية حية، تنشد الحق والخير والحرية والعدالة والكرامة والعيش في مكان آمن، وما إلى ذلك. وتتجاوز التسجيل اللحظي العابر للوقائع الجارية والأرشفة الإعلامية لأنباء المعارك وتفاصيل الغارات والقذائف والمذابح المتلاحقة التي لا مجال لحصرها واستحضار ملابساتها، "بين المجزرة والمجزرة/ يمضي وقت قصير/ أحياناً لا يكفي لتغيير الضماد/ لكنه يكفي، ويا للأسى، لتغيير الإنسان".

الأثر الباقي

وهكذا فإن الرهان الفني في ديوان "قبور صغيرة" منعقد على ما يبقى أثره، ذلك أن المنقذين قد يستطيعون انتشال الجثث من الركام سليمة أو منقوصة أو متحللة، لكن الحكايات وحدها هي التي تتحدى العجز والموت، وتظل عالقة إلى الأبد في مكان سحيق، وغاية القصيدة أن تكون حكاية نابضة لا تغيب مع انتهاء نشرات الأخبار، "بعينين لا ترمشان وضعت الأم أذنها اليسرى برفق شديد على صدر طفلها المقتول/ وبرفق شديد أيضاً راحت عيناها ترمشان وكأنها بالفعل سمعت شيئاً".

وفقاً لهذا الإيمان بالقيمة الإبداعية والتخييلية المطلقة التي تعلو على بؤس الواقع الرخيص المتلاشي، وانطلاقاً من هذا الحضور الطاغي للسليقة الشعرية البكر التي تحكم أبجديات التعاطي مع المشاهد والأحداث والكلمات والتأملات، يصير بإمكان الشاعر أن يقترب من القبور الصغيرة المنطوية على أجساد الأطفال ليجد ببساطة أن حفار القبور لم يتعب في حفرها، "ضربتا معول وحفنتا تراب كأنها مشاتل للورد". وأمام تظاهرة شعبية يجري قمعها بالقوة، تسكت الهتافات الاحتجاجية وتنزاح الأصوات كلها بعيداً إلى أجل غير مسمى، وذلك عندما تهمس القصيدة الواثقة بما لا يمكن تبديده أو نسيانه، "متظاهر الأمس استشهد اليوم/ كفنه الأبيض آخر لافتاته".

وعند شاهدة قبر قد تتشكل القصيدة الكبيرة، على الرغم من أنها تحوي حروفاً قليلة، ذلك أن القصيدة التي يكتبها الشاعر مكتفية بذاتها دائماً، ومتحللة من الانقياد الكامل لمثيراتها المباشرة والاستسلام لموادها القريبة، فهي مشحونة ليس فقط برصيد الدمار السوري والحصاد المر الأخير، وإنما بصرخات الآدميين جميعاً وثورات البشر وآهاتهم ونزفهم، "الحجر فوق قبره صار وجهاً/ صرت أنظر إليه فأرى ملامحه/ رأيت أنفه وعينيه وجبينه وعرفته على الفور".

المزيد من ثقافة