Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين موسق فرانز ليست شعر فكتور هوغو وابتكر صنفا موسيقيا جديدا

"ما يُسمع فوق الجبل" قصيدة سيمفونية استلهمت بيتهوفن لتمجيد الإنسان والطبيعة

فرانز ليست وتلاميذه (أرشيف بيتمان)

على الرغم من ارتباط فرانز ليست، من ناحية الاستلهام الموسيقي، بوطنه هنغاريا، وتعبيره عن ذلك الحس الشعبي العام في أعماله التي استقاها غالباً من فولكلور هذا الوطن، لا بد من ملاحظة أن هذا الموسيقي الكبير، الذي بدأ اسمه يلمع وهو، بعد، في الثانية عشرة، عاش أكثر سنوات حياته متنقلاً بين شتى الديار الأوروبية، بل إنه مات ودفن في بايروت، إلى جانب صديقه وصهره ريتشارد فاغنر، بالتالي لن يكون مستغرباً أن نلاحظ ملامح أوروبية عديدة في بعض أعماله، بل حتى لن يكون مستغرباً أن يحمل بعض تلك الأعمال عناوين بالفرنسية، لا سيما منها أعمال استلهمها من إبداعات فرنسية. وهذه هي حال قصيدته السيمفونية "ما يُسمع فوق الجبل" التي تعد واحدة من أجمل تلك القطع الثلاث عشرة التي ابتكر هو نفسه من أجلها صنفاً موسيقياً جديداً هو "القصيدة السيمفونية".

من الشعر إلى الموسيقى

قد لا تكون "ما يُسمع فوق الجبل" من أشهر أعمال ليست في هذا المجال، لكنها من أقواها على الإطلاق ومن أكثرها شاعرية، إلى جانب تجديداتها كتمهيد لولادة الموسيقى الاثني عشرية لاحقاً. وإلى هذا يعد هذا العمل أطول قصيدة سيمفونية على الإطلاق وعلى الأقل حتى كتابة أرنولد شوينبرغ قصيدته السيمفونية "بالياس وميليساند" في بدايات القرن العشرين. فقصيدة ليست السيمفونية هذه يستغرق عزفها نحو 33 دقيقة مع أنها تتألف من حركة واحدة هي التي قدمت للمرة الأولى بقيادة ليست نفسه في فايمار عام 1950، ليعود مؤلفها ويشتغل عليها في تعديلين أساسيين أولهما عام 1851 والثاني، وهو النهائي الذي نعرفه اليوم، عام 1857. وكان ينظر إليها باعتبارها تجربته الأكثر غنى وذاتية أيضاً. فإذا كان صحيحاً أن ليست قد استلهم هذا العمل من قراءته، بالفرنسية، لقصيدة فكتور هوغو وفضّل أن يبقي لها عنوانها الفرنسي نفسه، فإنه أعطى لنفسه حرية تامة في الخروج عن سياق النص الشعري وإن كان قد احتفظ بالمعنى العام للقصيدة، وهو المعنى الذي يعبر عنه هوغو في واحد من آخر أبياتها حين يصرخ بصوت مزدوج أمام العناية الإلهية جاعلاً أحد جانبي ذلك الصوت يهتف للطبيعة فيما الآخر يهتف للإنسانية، معتبراً الهتافين واحداً.

على خطى المعلم الكبير

والحقيقة أن هذه الصرخة المزدوجة هي التي أراد هوغو أن يوصل قارئه إليها، وقد طلب من ذلك القارئ أن يتخيل نفسه وقد صعد إلى قمة جبل متاخم للمحيط من ناحية ولروعة الطبيعة الخضراء من ناحية ثانية، وهو دعا ذلك القارئ إلى أن يتأمل حاله مفترضاً تماوجاً بين الطبيعة والإنسان تحت رعاية العناية الإلهية، تماوجاً قد يبدو صراعاً بينهما حتى اللحظة التي يكشف له فيها أن الكينونة إنما تتألف من التوحد بين تلك الطبيعة وهذه الإنسانية. وليست، إنما دون أن يغرق في تلك المعاني الفلسفية التي أمعن هوغو في التغلغل داخل تفاصيلها، صور ذلك "الصراع المفتعل" عبر موسيقى جعلها تبدو بدورها وكأنها مجابهة بين صوتين أحدهما عنيف مهدد يحمل ألف وعيد ووعيد، والثاني أليف وديع يحمل كثيراً من الوعود. ولقد جعل ليست لقصيدته هذه، التي من الواضح أنه إنما لحنها وفي ذهنه ذلك النموذج الكبير الذي كانته الحركة الأخيرة من سيمفونية بيتهوفن التاسعة، إنما دون اللجوء إلى ذلك الكورال الضخم الذي أنشد لدى بيتهوفن "قصيدة إلى الفرح"، تاركاً الكورال كي يستخدم في عملين كبيرين له مشابهين ببعض السمات لـ"ما يُسمع فوق الجبل" وهما "فاوست سيمفونيا" و"دانتي سيمفونيا". ما اشتغل عليه ليست هنا أكثر كان ذلك التصوير الذي كاد يكون خطياً لتعبير كل من الصوتين اللذين ينطلقان وقد خُيّل لكل منهما أنه في صراع مع الصوت الآخر حتى لحظة التصعيد الختامية، حيث يتبين أنهما وجهان لصوت واحد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أهمية الفولكلور وموسيقى الغجر

مهما يكن من أمر، لا بد من أن نلاحظ أن فرانز ليست برع خصوصاً في ثلاثة أنواع موسيقية، لا تبتعد عن بعضها بعضاً: المقطوعات الخاصة بالبيانو، التي غالباً ما كان يكتبها ليؤديها بنفسه، والكونشرتو (بخاصة ما كان منه للبيانو والأوركسترا)، ثم القصائد السيمفونية (وهو مجال قلده فيه كثيرون في بلاده وخارجها). وفي شكل عام، تعتبر الرابسوديات الهنغارية وهي أشهر إبداعات ليست، من النوع الأول، لأنها كتبت أصلاً للبيانو، وإن كان بعضها يتسم، ميلودياً، بطابع القصيدة السيمفونية. ومن المعروف أن ليست بدأ كتابة هذه الأعمال، حين عاد إلى هنغاريا، التي كان غادرها عام 1823، إلى باريس، في الثانية عشرة، حيث بدأ يكتب مؤلفاته الأولى برعاية الموسيقي باير. ويمكن القول إنه، في باريس، ثم خلال تجواله في كثير من المدن الأوروبية، اكتشف أهمية الفولكلور و"تذكر" كم أنه كان في طفولته متأثراً بموسيقى الغجر، التي تعد هنغاريا، إلى رومانيا، موطناً أساسياً لها. وهكذا حال عودته، راح ليست يبحث في ثنايا الموسيقى الغجرية التي سرعان ما ألهمته معظم تلك الأعمال، إضافة (طبعاً) إلى قصيدته السمفونية "هنغاريا"، وهكذا راح يؤلف تلك الأعمال ذات التوزيع والنغمات الجديدة التي سرعان ما وقعت موقعاً طيباً في آذان المستمعين، ما جعله يكرر التجربة مرات ومرات. وإذا كان ليست أبدى ندمه في آخر سنواته على كتابته أعمالاً "طغت على سمعة أعماله الباقية" التي تطلبت منه جهداً أكبر بكثير، فإنه ظل وفياً لتلك الرابسوديات، يستجيب طلب الذين خلال فترات متقطعة من حياته، كانوا يلحون طالبين منه إبداعها.

منظّر موسيقي كذلك
ويمكن القول هنا في شكل عام إن ليست نفسه أعفى الباحثين مشقة العمل جدياً على تحليل هذه الأعمال، إذ نجده يكتب في مؤلفه "البوهيميون وموسيقاهم في هنغاريا" (1859) ما معناه أن "الرابسوديات تبتغي أن تكون ملاحم قومية في الموسيقى الغجرية"، مؤكداً أنه اختار لها اسم "رابسودي" بغية "تحديد وتعريف العنصر الملحمي في التعبير عن نوازع الروح، تلك النوازع التي يمكن أن يختصر بها المثل الأعلى لأمة من الأمم" . أما في ما يتعلق بوصف "هنغارية" الذي كان البعض (وفق ليست) يرى أنه لا يتلاءم مع تلك الخصوصية التي تُميّز الغجر وتجعلهم هوية على حدة، فيقول المؤلف، "لقد أطلقنا على هذه الرابسوديات، صفة هنغارية، لأننا وجدنا أنه لن يكون من العدل أن نفرق في المستقبل بين ما لم يكن متفرقاً في الماضي.  فالواقع إن المجريين (الفئة الأساسية من سكان هنغاريا) هم الذين اختاروا في الماضي البوهيميين كموسيقيين قوميين. ما يعني أن هنغاريا يمكنها، عن حق، أن تعلن امتلاكها هذا الفن الذي يرتبط بالذكريات الأكثر حميمية والأكثر عذوبة التي تمتلكها هنغاريا". والطريف هنا أن هذا الكلام لم يرق للهنغاريين جميعاً، إذ لم يخل الأمر من أناس منهم أخذوا على ليست خلطه "الفاضح" بين المجر والغجر. غير أن ليست، ذا الطبيعة الرومانسية، كان ينظر إلى الأمور من زاوية نسبية، كما يقول الباحثون، لقد افتتن بالثراء الميلودي، وبتنوع المواضيع الطاغي على الموسيقى الغجرية، وانبهر كذلك بتحرر الأشكال، وفانتازيا الارتجال المسيطرة عليها، ما جعل الموسيقى التي كتبها ليست تتحول بدورها إلى فولكلور...

إلى جوار صهره الكبير
ولد فرانز ليست عام 1811 في بلدة ريدنغ الهنغارية. وهو إذ أظهر منذ طفولته عبقرية في العزف، تعهده الأمير استرهازي بحمايته وعطفه وأرسله ليدرس الموسيقى، عزفاً وتأليفاً، في فيينا على عدد من كبار الأساتذة من أمثال سالياري (غريم موزارت الشهير في فيلم آماديوس). ثم سافر ليست إلى باريس حيث بدأ يكتب مؤلفاته الجدية وطاف في المدن الأوروبية يؤلف ويعزف. ثم صادق برليوز وشوبان وباغانيني، وصار يعد جزءاً من حلقتهم. في عام 1834 التقى الكونتس ماري داغو، وارتبط بها منجباً منها ثلاثة أبناء (منهم كوزيما التي تزوجت ريتشارد فاغنر لاحقاً). بعد ذلك كانت مرحلته التالية في فايمار التي فتحت له أبواباً واسعة وجعلت شهرته تعم الآفاق. لكنه وهو في عز شهرته استعاد أزمة صوفية كانت إرهاصاتها دامغة لفترة في شبابه، وراح ينصرف إلى الموسيقى الدينية.  وهو كرس ذلك الانصراف في روما عام 1865، حيث انكب على كتابة موسيقى قداسية لم تنل شهرة واسعة في حينه. ومات ليست في عام 1886، كما أشرنا في مدينة بايروت، حيث يرقد الآن في جوار فاغنر.

المزيد من ثقافة