Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يعيد "الإحرام الأسود" سجال "غرائب الفتاوى"؟

الفقيه السعودي عبدالله المطلق أفتى بأن لبس المعتمرين والحجاج الأردية "البيضاء" اختياري... فكل الألوان تفي بالغرض فقهياً!

ماذا لو قادتك الظروف إلى مكة المكرمة حيث تقام مناسك الحج والعمرة مثل ملايين المسلمين سنوياً، ثم تبصر الزوار الجدد يرتدون ثياباً بألوان متباينة "صفراء وبيضاء وحمراء وخضراء" كأنهم حول الكعبة المشرفة وبين جنبات "منى ومزدلفة وعرفات" فراشات استوائية أو أشجار خريف زاهية الألوان في كاليفورنيا أو بافاريا الألمانية؟

بأي شعور ستقابل المشهد وهم بتلك الألوان يهتفون "لبيك اللهم لبيك"؟ غالباً ستفرك عينيك وتتساءل على طريقة السعوديين "أنا في علم ولا حلم"؟ لأن ذلك لم يحدث قط في التاريخ القريب لأولئك الجموع، فهم منذ قرون اعتادوا لبس "البياض" جميعاً، كأنهم بين وديان تلك البقاع ومن على جبالها، كثلوج الشتاء تعم الأرجاء وهي تكسو جبال الألب أو "اللوز" شمال السعودية.

بالنسبة إلى الفقيه السعودي عضو هيئة كبار العلماء في البلاد الشيخ عبدالله المطلق، "الأمر فيه سعة"، فلبس المُحرم ألوان الثلج أو الخريف وكل الفصول "جائز"، طالما كانت على هيئة إزار ورداء، وليست مخيّطة، إذ أجاب عن سؤال حول إمكانية الإحرام بلون غير الأبيض كالمعتاد، أنه "لا بأس بالإحرام في أي شيء، المهم ألا يكون مخيطاً، يكون لونه أبيض أو أسود أو غيره، المهم أن الرجل لا يتشبّه بالمرأة ولا النساء بالرجال".

لماذا الأبيض؟

وأما لماذا والحال كما ذكر ساد لبس الناس البياض، حتى صار عنواناً للحج والعمرة والمناسك والنقاء؟ أضاف "النبي صلى الله عليه وسلّم حث على الأبيض وقال "كفنوا فيه موتاكم"... ولذلك العلماء يقولون يُسن أن يحرم في رداءين أبيضين نظيفين، ولو أحرم في غيرها لا بأس بذلك".

ولم يكن المطلق الوحيد الذي يرى هذا القول، فغالبية الفقهاء المسلمين عندما يتناولون في فتاواهم أو دروس الحج والعمرة "محظورات الإحرام"، فإنهم لا يذكرون فيها إلزامية اللون الأبيض، إلا أن العادة جرت بذلك وألفه الناس على الرغم من تأكيد باحثين أن نبي المسلمين، نقل عن أوصاف ملابس إحرامه أنها كانت "خضراء".

وفي السعودية حيث مكة المكرمة، ساد لبس البياض بين الرجال حتى في غير الحج والعمرة، إذ يغلب على الزي الوطني في دول الخليج عامة في فصل الصيف أن يكون أبيض، بينما في فصل الشتاء، يدفع البحث عن الدفء الغالبية إلى اقتناء ملابس سميكة وصوفية ذات ألوان متعددة. وهذا ما انتبه إليه الفقيه السعودي، إذ ألمح إلى أن السائل ربما كان يبحث عما يقيه برد الشتاء. وقد يكون طقس مكة المكرمة المائل إلى الاعتدال شتاء وإلى الحرارة في بقية فصول السنة، بين أحد الأسباب التي جعلت ارتداء الأبيض في الإحرام، حالة عامة.

حكاية الإحرام

والمقصود بـ "الإحرام" الملابس الخاصة بزائر مكة الراغب بأداء العمرة أو الحج، وهو لباس من قطعتين صفته الأهم أن يكون قماشاً أو قطناً خاماً لم يُخيّط. يُلبس وفقاً للتعاليم الدينية عند أماكن محددة، قبل الوصول إلى مكة جواً أو براً أو بحراً. وتُسمّى تلك الأماكن بـ"مواقيت الإحرام"، يترتب على تجاوزها من دون "التجرد من المخيط" بارتداء اللبس الجديد، فدية أو هدي (ذبح شاة) يقدم على هيئة صدقة لفقراء مكة المكرمة، وفقاً لاعتبارات معينة يطول ذكرها.

وتتحدث المدونات الإسلامية عن حكم وآداب كثيرة تستهدفها الشريعة الإسلامية وراء فرض هذا اللبس على الراغبين بأداء ركن الحج المفروض على الموسرين مرة في العمر، مثل المساواة بين المؤمنين والانصراف إلى تهذيب الروح عوضاً عن الجسد والأزياء الفاخرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع أن الفتوى التي أذاعها التلفزيون السعودي الرسمي وتناقلتها المنصات الاجتماعية على نطاق واسع، لا تدخل في سياق الفتاوى الشاذة التي طغت سنوات مضت مع هيمنة الفضائيات والسوشيال ميديا، إلا أن غياب الرأي الذي حملته عن تطبيق المعتمرين وإلف الناس لعقود وربما قرون، قد يدفع للوهلة الأولى إلى الاعتقاد بأنها تدخل في هذا السياق، على الرغم من جذورها الفقهية القديمة وصدورها من شخصية دينية رسمية، اشتهرت فتاواها بطابع شعبي محبب لدى العامة.

غرائب الفتاوى

وفيما قامت السعودية بإحداث تنظيمات جذرية لضبط الحقل الديني في البلاد والخطاب والفتوى في سياق رؤية 2030 ذات المحاور المختلفة، لا تزال دول عربية تروّج فيها حيناً بعد آخر، أمواج من الفتاوى المثيرة للجدل، ظلت المنابر الصحافية ترصد بعضها في نهاية كل عام، نظراً إلى غرابة السؤال أو إجابته.

وفي مصر البلد العربي الأكبر، رصدت مجلة مثل "روز اليوسف" العام الماضي، قائمة بأغرب الفتاوى التي أطلقها المفتون، وكانت محل سجال ونقاش بين المجتمع المصري وربما العربي.

وذكرت من بينها سؤالاً ورد إلى قسم الفتاوى في الأزهر يسأل فيه مسلم من فرنسا عن جواز أكل لحوم حيوانات، تتم تغذيتها بـ"الخمر"، فكان ملخص الجواب هو أنه "لا يجوز تغذية الحيوانات على الخمور كغذاء ثابت لها أو مستمر ولو بنسبة قليلة، وإذا حصلت تغذية الحيوانات على الخمر أو نحوه... فيُكره أكل لحمه وشرب لبنه إلا بعد تطييب لحمه، بتركه لهذه التغذية مدة من الزمان حتى يطيب لحمه- قلّت هذه المدة أو كثرت-، فيجوز بعد ذلك أكل لحم هذا الحيوان بعد تذكيته"!

وقبل ذلك بأعوام، كانت صحيفة "الوطن" السعودية رصدت نوعاً آخر من تلك الفتاوى، تحت عنوان "أكثر الفتاوى إثارة للجدل في السعودية" في وقت كان الصراع بين التيارات على أشده، فكان من ضمنها فتاوى تكفّر كتاباً وأخرى تحرّم البوفيه المفتوح أو لبس "النقاب"، إلا أن يكون بعين واحدة، ناهيك عن الفتوى الأشهر التي أثارت لغطاً كبيراً وجدلاً تجاوز السعودية إلى الخارج حول التحريض على قتل "دمية ميكي ماوس"... وغيرها من الفتاوى التي كان يسوق أصحابها في ذلك الحين مختلف المبررات عند إثارتها في الإعلام، مثل القول إنها فهمت في غير سياقها أو تم تحريفها أو أنها جاءت سؤالاً على شكل لغم أريد به إسقاط الفقيه المتكلم.

ولئن مضت تلك الأيام بسجالاتها، وغادر بعض صقور تلك المرحلة إلى دار البقاء، فإن سجلات شبكة الإنترنت لا تزال تحتفظ بشواهد وسياقات، ربما ساعد الاطلاع عليها في فهم التحول الكبير الذي حدث في السعودية بقيادة ولي عهدها القوي الأمير محمد بن سلمان، ولماذا كان أكثر أنصاره الكتّاب والمثقفون والشباب.

المزيد من تقارير