Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنقذ الانتخابات المبكرة السودان من أزمته؟

وقع البرهان وحمدوك اتفاقاً سياسياً يتضمن عودة الأخير إلى منصبه وتشكيل حكومة كفاءات وإطلاق المعتقلين السياسيين

تثير الأزمة السودانية التي أصبحت تأخذ منحى تصاعدياً مخاوف كثيرين من السودانيين، في ظل اتساع رقعة الحراك الثوري الذي يقوده تجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة لأكثر من شهرين، احتجاجاً على القرارات التي أصدرها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعلان حالة الطوارئ في البلاد وفض الشراكة مع المدنيين، واتجاه السلطات الأمنية في البلاد إلى التعامل بعنف مع التظاهرات المتواصلة في الشارع السوداني باستخدام الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، فضلاً عن ملء الشوارع المؤدية إلى القصر الرئاسي، وجهة المتظاهرين، بالمياه القذرة لعرقلة حركة سيرهم.

ففي ظل حال انسداد المشهد السياسي في البلاد بسبب مطالبة الشارع بإبعاد المكون العسكري عن السلطة ورفعه شعار "لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية مع العسكر"، بدأت الأطراف المعنية بمجريات الأحداث تبحث في الحلول السياسية الممكنة لتفادي السيناريوهات غير الحميدة، ومن بينها الانتخابات المبكرة، لكن ما رؤية القوى السياسية وأطراف عملية السلام لهذا المقترح، وهل يمكن أن يكون حلاً مناسباً أم ماذا؟

متطلبات الانتخابات

وقال، في هذا السياق، الأمين العام لحزب الأمة القومي السوداني الواثق البرير إن "الانتخابات المبكرة لها متطلبات لا بد من توافرها مثل وجود مفوضية الانتخابات وإجازة القانون الخاص بالانتخابات والإحصاء السكاني وغيرها، فضلاً عن إيجاد نوع من التوافق بين القوى السياسية، وأن تكون هناك حكومة محايدة تتولى إدارة هذه الانتخابات، وهذا إجراء فيه كثير من التعقيدات في ظل ما تشهده الساحة السياسية من تعقيدات أيضاً، وفي حال تخطينا الإجراءات الدستورية، فإن إجراء هذه الانتخابات يحتاج من الأحزاب السياسية إلى الاتفاق على الحد الأدنى في كثير من القضايا المتعلقة بشؤون الحكم حتى تكون هذه الانتخابات مقبولة ومعترف بها محلياً وإقليمياً ودولياً، لكن تظل الانتخابات المبكرة من الخيارات المطروحة كأحد الحلول من أجل تجاوز الوضع السياسي المتأزم".

وتابع البرير، "لكن في رأيي أن الحل المنطقي للخروج من هذه الأزمة أن يستجيب المكوّن العسكري لمطلب الشعب السوداني بالابتعاد عن الحياة السياسية، وهو حق مشروع جداً، بخاصة أن هذا المطلب ينادي بالانتقال الديمقراطي السلس وإكمال أجهزة الحكم الانتقالي. ونحن في حزب الأمة القومي، طرحنا خريطة طريق تقود إلى هذا الحل، ونأمل أن تجد التوافق من قبل القوى السياسية، إذ تؤكد أهمية الشراكة بين المكوّنين المدني والعسكري، لكن لا بد من ضبطها، فضلاً عن التأكيد على الشرعية الدستورية المتمثلة في الوثيقة الدستورية على الرغم من العيوب التي تصاحبها، ومن الممكن التوافق على دستور انتقالي ثم يتم تطويره إلى دستور دائم، وكذلك استكمال أجهزة الحكم، بخاصة المجلس التشريعي، وإعادة تكوين مجلس السيادة من جديد برئاسة المكوّن المدني، وتحديد دور المؤسسة العسكرية، وآليات إصلاح المؤسسات العدلية، وكل ما يتعلق بقضايا السلام والسياسة الخارجية والعلاقة مع إسرائيل. فبإمكان القوى السياسية الالتقاء حول مائدة مستديرة تناقش كل هذه الملفات بطريقة علمية، والانخراط كذلك في مؤتمر دستوري جامع يصل إلى صيغة متوافق عليها بشأن كل ما يتصل بقضية الوطن".

أضاف الأمين العام لحزب الأمة القومي، "أعتقد أن الشارع السوداني يتمسك بقضايا محدودة، فهو يريد ضمانات التحول المدني والانتقال إلى ديمقراطية كاملة الأركان، وهي مطالب القوى السياسية ذاتها، لكن الوصول إلى هذه الغاية يأتي عبر الحوار، وبالإمكان تلبية هذه الشعارات الطموحة إذا وافق الجميع على مبدأ التفاوض بين أطراف الصراع، وإلا ستكون البلاد أمام مفترق طرق وسيناريوهات غير محمودة".

التفاف على الثورة

في السياق ذاته، أشار عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي السوداني كمال كرار إلى أن "رأي الحزب الشيوعي في مسألة الانتخابات المبكرة واضح، إذ يعتبرها محاولة حثيثة لإعادة إنتاج النظام السابق عن طريق تزوير صناديق الاقتراع كما كان يحدث في العهد السابق، فلكي تقام انتخابات نزيهة، هناك مطالب لا بد من الإيفاء بها، من بينها تحقيق السلام الشامل حتى يضمن إجراءها في كل أنحاء البلاد من دون أن يكون هناك نازحون أو لاجئون أو حرب أو ميليشيات تحمل سلاحاً، وكذلك وجود مفوضية تعنى بهذه الانتخابات، ووضع قانون لها، وعقد مؤتمر دستوري قبل إجرائها يحدد شكل الحكم، وتقسيم البلاد إلى أقاليم، وكل هذه الخطوات لم يتحقق منها أي شيء في سبيل أن تكون هناك انتخابات عامة، بالتالي، إن مثل هذه الدعوات هي محاولات للالتفاف على الثورة والعودة إلى الحكم من الشباك لأنها ستكون انتخابات مصممة لجهة محددة ومعلومة ومن المستحيل أن يرضى بها الشارع السوداني".

واعتبر كرار أن المخرج الوحيد من هذه الأزمة، هو تسليم السلطة التي هي الآن بيد المكوّن العسكري، بمن فيهم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، إلى الشارع السوداني، وعليهم أن يتعظوا من الماضي القريب، في إشارة إلى سقوط الرئيس السابق عمر البشير، مؤكداً أن عنادهم سيزيد من عناد الشارع السوداني وستكون النتيجة في النهاية محسومة لصالح هذا الشعب.

شروط السلام

في المقابل، قال القيادي في الجبهة الثورية، نائب رئيس جبهة "كفاح" السودانية حذيفة محي الدين البلول، "في ما يلي المشهد السياسي الراهن، إن الوضع الحالي معقد للغاية والسبب الخلافات التي تفجرت بين شريكي الحكم، وهما قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، والمكوّن العسكري، وهي خلافات ظلت قائمة منذ التوقيع على الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس (آب) 2019، وانتهت بفض هذه الشراكة بموجب القرارات التي اتخذها البرهان في 25 أكتوبر، لكن في رأيي، أنه على الرغم من تشعب الأزمة السودانية وتعقيداتها، فهناك إمكانية لحلول في القريب العاجل، فالشارع الذي تقود حراكه الثوري الآن لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين غير راغب بقوى الحرية والتغيير والمكون العسكري. وأعتقد أن لجان المقاومة وتجمع المهنيين هما أصحاب الثورة الحقيقية وأسهما بشكل كبير جداً في التغيير الذي أدى إلى سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، إلا أنه للأسف الشديد، تم إقصاؤهما عن الحكم في الفترة الماضية وتهميشهما بصورة واضحة، فالآن يقوم هؤلاء الشباب، قادة هذا الحراك، بعمل مشروع من خلال التظاهر ضد الشريكين السابقين، احتجاجاً على إبعادهم عن القرار السياسي وعدم مشاركتهم واستيعابهم في مؤسسات الحكم الانتقالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع البلول، "هذا الوضع الماثل قد يشهد سيناريوهات عدة ونتمنى ألّا تصبح السيناريوهات الخشنة واقعاً، إذ يُرجح حدوث كل هذه الاحتمالات لأن ما يحصل من ضغط في الشارع يمكن أن يولّد انشقاقاً داخل المؤسسة العسكرية، وقد يؤدي هذا الانشقاق إلى اقتتال في الشوارع بين السودانيين بمختلف ألوانهم وفئاتهم وأعراقهم. أما في ما يتعلق بالسيناريوهات السياسية، ومن بينها الانتخابات المبكرة على الرغم من وجود مبررات لها، إلا أننا كحركات مسلحة وقّعت اتفاقاً للسلام في جوبا مع الحكومة السودانية مطلع أكتوبر 2020، نعتقد أن هناك أشياء غير واقعية، إذ إنه في ظل الواقع الحالي، ستكون نتيجة هذه الانتخابات محسومة لصالح نظام البشير المحلول ومنحه السلطة على طبق من ذهب، كما أن اتفاق جوبا للسلام له شروط في مسألة الانتخابات التي تم التوافق عليها بين الجانبين الموقعين على هذا الاتفاق (الحكومة السودانية والجبهة الثورية)، فالانتخابات والتحول الديمقراطي يأتيان في المرحلة الأخيرة من تنفيذ اتفاق السلام، بخاصة ما يتعلق بالجدول الزمني لعودة النازحين واللاجئين حتى يكونوا جزءاً من العملية الانتخابية، وهو ما يتطلب عودتهم إلى مناطقهم ليصبحوا مواطنين أصليين لهم حق الترشح والانتخاب".

دعوة للحرب

وزاد القيادي في الجبهة الثورية، "لكن ما يهم الآن أن اتفاق السلام ما زال حبراً على ورق، إذ لم يتم البدء بتنفيذ بنوده، تحديداً الملفات الخاصة بالنازحين واللاجئين باعتبار أن إقامة الانتخابات العامة مرتبطة بعودتهم إلى موطنهم الأصلي، كما لم تحدث أي خطوة تتعلق بمسألة التحول الديمقراطي نهائياً، فضلاً عن عدم إجراء الترتيبات الأمنية، إلى جانب عدم مناقشة القضايا المتعلقة بجذور المشكلة التي أدت إلى الحرب في إقليم دارفور، لذلك أي حديث عن الانتخابات المبكرة دعوة إلى الحرب، وهو سيناريو متوقع حدوثه أيضاً وبصورة ستكون أعنف مما حصل سابقاً، لأن قوات الحركات المسلحة موجودة في تخوم كل المدن السودانية الرئيسة ومناطق ارتكازاتها". ودعا البلول "المجتمع السوداني إلى قبول بعضه بعضاً، لأن المشكلة القائمة الآن سببها الرئيس عدم قبول الآخر، فأي مجموعة تريد أن تنتصر لذاتها، وهذه واحدة من المشكلات التي تؤرق المجتمع بالنظر إلى تفشي حال الاحتقان المتزايدة في الشارع السوداني بشكل كبير لا يوصف. وفي نظري أن الحل يكمن في جلوس كل الأطراف المعنية بهذا الصراع إلى مائدة مستديرة واحدة تصل لمعالجة جذرية لقضايا الوطن الحالية، ولا بد من أن يقتنع الجميع بأن الفترة الانتقالية الحالية هي مرحلة لإنجاز مهمات محددة وليست مرحلة صراع، فعلى القوى السياسية أن تتجه لترتيب نفسها وقواعدها استعداداً لخوض الانتخابات المقبلة، لأن استمرار الصراع وتأزمه سيقود البلاد إلى التهلكة والانزلاق، والخاسر هو السودان.

احتجاجات واسعة

ومنذ 25 أكتوبر الماضي، يشهد السودان احتجاجات واسعة في الخرطوم ومدن البلاد الرئيسة بلغت 12 مسيرة احتجاجية سقط خلالها 48 قتيلاً، رداً على إعلان قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، في ذلك اليوم حال الطوارئ وحلّ مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، عقب اعتقال قيادات حزبية ومسؤولين، ما اعتبرته قوى سياسية ومدنية انقلاباً عسكرياً، مقابل نفي من الجيش.

وفي 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وقّع البرهان ورئيس الحكومة عبدالله حمدوك اتفاقاً سياسياً يتضمن عودة الأخير إلى منصبه وتشكيل حكومة كفاءات وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفان بالعمل معاً لاستكمال المسار الديمقراطي.

ورحبت دول ومنظمات إقليمية ودولية، بينها الأمم المتحدة، بهذا الاتفاق، بينما رفضته قوى سياسية ومدنية سودانية، معتبرة إياه "محاولة لشرعنة الانقلاب".

وتأثراً بتداعيات المشهد السياسي وتعقيداته، رشحت أخبار باعتزام رئيس الوزراء عبدالله حمدوك تقديم استقالته، في ظل رفض القوى السياسية، بخاصة المنضوية تحت مظلة قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السابقة للحكومة الانتقالية) التعاون معه، فضلاً عما وجده من صعوبات لتشكيل حكومته الجديدة بالنظر إلى تواصل موجة الاحتجاجات الشعبية الداعية لإبعاد العسكر عن الحياة السياسية وتسليم السلطة كاملة إلى المدنيين.