تحت عنوان "كتاب الحدوس"، تندرج المختارات الشعرية الصادرة في عمان عن دار "خطوط وظلال للنشر والتوزيع" (2021) للشاعر الأردني علي العامري في مئة وأربعين صفحة، وتنطوي على أربعة وأربعين نصاً مكثفاً تعكس حضوره المغاير وصوته الفردي في المشهد الشعري العربي خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، وهي منتقاة من مجموعاته الشعرية "هذي حدوسي... هذي يدي المبهمة" و"كسوف أبيض" و"خيط مسحور"، ويأتي دمجها معاً في هذا السياق الآني بمثابة الارتحال بعيداً وراء البعيد، وتعلية بيوت المجاز لتغدو متعددة الطبقات، سحرية الحجرات والدهاليز، بعد أن ضاق العالم الملموس عن ساكنيه، وغدر الواقع بقاصديه، وتخلى الممكن عن العابرين في مسالكه. ولذا فقد يتاح بهذا الغوص المتجدد في طبقات البهاء العميق "أن نؤثث بيت النشيد، ونلمس بالحب روح الأبد".
ويبدو تطويع المجاز، وفق هذه الآلية التي تأتي بالشارد والمدهش والمستحيل، هو ببساطة قنص لجوهر العشق النادر أينما يستقر، سواء في حبات القلوب الآدمية البريئة التي تنبض من تلقاء ذاتها في هذه المنظومة الحياتية الكائنة، أو في كنوز المعارف والفنون والآداب التي تشرح هذا العشق وتفلسفه.
وربما تكون للعشق وجوه أخرى لا نهائية كذلك، يتقصاها الشاعر باصطبار، ويلهث وراءها بأناة، في أجران القمح، وزهور الياسمين، وأنسجة الحرير، وعروق الخشب، ولوحات الطين، وفي الصلوات البدائية، وفي صدفات المحار، التي تكمن فيها اللآلئ المشعة ضوءاً ودفئاً وألفة وائتناساً. وحتى في الصخور الصلدة التي تطبق بقبضتها القاسية على المجهول "في الحب، يشع الغامض، حتى حجر الصوان يسيل/ في الحب، يغني الكهف، ويخضر المعنى والصلصال/ في الحب يطير النوم، وتدمع عين الباب".
ويتسق الفعل الجمالي/ الفني، والفعل الإرادي/ الإنساني، في قصائد "كتاب الحدوس" المتمردة، المحفزة على اختلاق الوهج واختراق الأسقف والجدران، والمحرضة على تغيير الراكد وتهميش الفاسد والمعطوب. والفعلان كلاهما، الإبداعي والبشري، يتشكلان كلية خارج السيطرة والتقييد، ذلك أنهما يستقيان مرجعيتهما وركائزهما من الحرية بأقصى درجاتها وأخصب تجلياتها "ماذا يفعل عود ثقاب في العتمة؟/ يعزف معزوفات حرة/ يثقب روزنة، وينوس بأقصى شهوته المنفجرة".
تدفقات تعبيرية
يحمل غلاف الكتاب لوحة دالة للفنان محمد العامري، فهي بموسيقاها اللونية المتدفقة وتداخلات أشكالها وكائناتها المتخففة من حدودها ومعالمها التفصيلية المتوقعة، تفتح الباب واسعاً على ملمح بارز في كتابة علي العامري، هو ما يمكن تسميته السيولة الشعرية أو التدفقات التعبيرية المرنة "في ظلها شجر وموسيقى تسيل على المياه"، إذ تنفلت القصائد من الأطر المشهدية البسيطة والمواقف الحياتية القريبة التي تتناولها، لتفجر في ما وراء الصور الظاهرية المنقولة طوفاناً من الخيالات والأحلام والقفزات الحدسية والعلامات الاستفهامية والإنشائية، وتنثر جذور التساؤلات في تربة القلق والحيرة والاختناق والاغتراب والشتات، بالمعنى الشخصي المباشر الذي يحيل إلى انتماء الشاعر في جذوره إلى عائلة فلسطينية مهجرة "كل شهيق هاوية، كل نحول منفى". وكذلك بالمعنى الفلسفي والإنساني الأعم الذي يحيل إلى الظلمة والضيعة والتلاشي "ما زالت العتمات معلقة كالذبائح/.../ أيها الموت، يا صاحبي: كيف أمهلتني كل هذا الفراغ؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتوازى هذه الرغبة القوية في الانفلات والاصطدام بالمألوف والسائد، مع طبيعة النصوص المراوغة ذاتها، تلك التي تستعصي، نوعياً وتعريفياً، على الاستقرار بين قوسين ضيقين. وذلك لانفتاح الحالة الشعرية اللافت، العفوي والمقصود، على ألوان وأجناس وثيمات إبداعية من حقول وفضاءات متنوعة، أبرزها السرد والتشكيل والمسرح والسينما والموسيقى والغناء، في نسيج متشابك مشحون بالحركة والصراعات الدرامية المتنامية كدوامات يلاحق بعضها بعضاً بين الأرض والسماء "سوف أشتق للغيم خيلاً، وأشتق للنار باباً، يؤدي إلى رقصة في العراء/ قبل أن أخلع الأرض عني، سأحرق جيب قميصي، ليصعد منها غراب، بمنقاره خرقة، قد تكون السماء".
أحاديث الشظايا
يعول الشاعر علي العامري كثيراً في قصائد "كتاب الحدوس" على لعبة التفكيك والتركيب، فهو من جهة لا يغفل عدم ارتياحه للوجود الكلاسيكي القائم "الشتات نديمي الوحيد"، على الرغم من حرصه على إثبات انتمائه للأم، بدلالاتها المتعددة، التي أهدى إليها الكتاب. ومن ثم فإنه يفكك عناصر هذا الوجود ومفرداته إلى شذرات ونثارات "أرى قمراً مكسوراً فوق النقش، أرى قطناً يتطاير من إبريق الماء، أرى صيفاً يتناثر في الممشى". ومن جهة أخرى، فإنه يعيد تركيب هذه الجزيئات الصغيرة، في داخله ومن حوله، وفق هندسته الخاصة، المنتظمة والعشوائية والتخييلية والحلمية. وهي الهندسة الواعية، في جميع تمظهراتها، إذ تكاد تقود ثورة الاحتجاج على ما أحدثته الزلازل من هزات وانهيارات.
ولا يكتفي بذلك، ولكنه يدير الحوارات الثنائية والجماعية بين الشظايا، ويستمع لأحاديثها الذاتية، واعترافاتها البوحية الصادقة، في تفرقها وفي تجمعها على السواء. ويبرز في مشاهده الشعرية هذه الحالات المتناقضة للبشر والكائنات والأشياء، وهي الحالات التي ينخرط في تفاعلاتها أحياناً، فيما يكتفي بدور الراوية "السارد" في أحوال أخرى لا يقدر فيها حتى على التعرف على صورته "هل إذ لم أشاهد، ومنذ الطفولة، لي صورة في المرايا، ولا في المياه النقية، ثم أتى من جبال الشهيق رعاة، وفي يد أكبرهم صورتي... هل سأعرفني، أم سأبكي؟!".
هكذا، في صحراء الفقدان، تتنكر الذات للذات، وللآخرين، وتفرد المتاهة أذرعها، حيث تعم المأساة، ربما بغير أسباب منطقية كافية لتفسيرها وفهمها "لا يعرف أحد في القرية ماذا يبكيه". وتتسمى قصائد كثيرة بعناوين مجردة من التعريف، من قبيل: ظل، صورة، عازفة، حديقة، حافة، خطوط، رسالة، لوحة، ومضات، مشاهد، قوس، ضحكة، غفوة، مساء، كلمات، مجرة، شهر... وهنا، قد تنجم عن ضياع المعنى هواجس بأن العشق مؤجل أو محجوب، ووقتئذ فإن الموت لا محالة هو الراعي الوحيد في الوديان لحين إشعار آخر بالاستيقاظ أو التغيير: "بلا ضحكتها، لا أعرف معنى، لا أعرف غير النوم الحجري/.../ بلا ضحكتها، ينهض ليل محفور في الباب، ويغمرني الهذيان".