Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تبعات إحياء الاتفاق النووي الإيراني أو موته؟

خيارات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية تدرسها واشنطن في حال فشل المفاوضات

يؤكد الفريق الإيراني إلى فيينا أن بلاده ما زالت تركز على ملف رفع العقوبات الاقتصادية (رويترز)

سيعرف العالم، خلال مفاوضات فيينا الجارية الآن، إذا ما كان الاتفاق النووي الإيراني الذي وُقّع عام 2015، وانسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عام 2018، سيعود إلى الحياة، أم سيُعلن موته النهائي. وما لم يُبدِ الطرفان الأميركي والإيراني مرونة في موقفيهما، فستتجه الأمور إلى طريق مسدود يجبر إدارة الرئيس جو بايدن على حسم خياراتها.

فما هي تبعات إحياء الاتفاق أو موته، بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية؟ وهل ستعمل على تفعيل مزيد من سياسة الضغط الاقتصادي، مثلما فعل ترمب؟ أم ستلجأ إلى توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية أو تدعم إسرائيل في القيام بهذه المهمة، وربما تخريب المنشآت النووية والحيوية في إيران بطرق أخرى غير مباشرة؟

مشهد ضبابي

حتى الآن، تبدو الأمور في العاصمة النمساوية ضبابية حول مسار المفاوضات النووية. فالمسؤولون الإيرانيون صرحوا لوسائل إعلامهم بأن ما تم الاتفاق عليه في الجولات الست السابقة، لم يكن سوى مسودة ينبغي الاتفاق عليها من جديد. وهو ما اعتبره مراقبون تشدداً من حكومة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، أو مجرد مناورة لإرضاء الداخل الإيراني. وكرر الإيرانيون في المحادثات مطالبهم برفع واشنطن على الفور جميع العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب عقب انسحابها من الاتفاق. وهو أمر غير مقبول لواشنطن. وعلاوة على ذلك، تصر طهران على أن تتعهد واشنطن وحلفاؤها بعدم فرض عقوبات مرة أخرى. وهو ما كرر الأميركيون أنه غير واقعي لأنهم لا يمتلكون ضمان ذلك.

ويتناقض هذا بشكل مباشر مع تصريحات الدبلوماسيين الأوروبيين الذين أكدوا أن الإيرانيين وافقوا على أن العمل المنجز خلال الجولات الست، هو أساس جيد للبناء عليه في المستقبل، وأنه لا جدوى من التراجع عما تم الاتفاق عليه. بينما غرد ميخائيل أوليانوف، كبير ممثلي روسيا في المحادثات، بأن المفاوضات كانت ناجحة، وأن المشاركين واصلوا عملية الصياغة من دون تأخير في مجموعتي عمل بشأن رفع العقوبات.

وبينما تبدأ الأربعاء، 1 ديسمبر (كانون الأول)، مجموعة العمل النووية وسط شعور بالإلحاح لاستعادة الاتفاق النووي الذي ينتظره الغرب بشغف، ما زالت إيران تركز على ملف رفع العقوبات الاقتصادية. وهو ما يعكسه اصطحاب على باقري كاني، كبير المفاوضين الإيرانيين، وفداً إلى فيينا يضم نواب وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية والقانونية ونائب محافظ البنك المركزي ورئيسه السابق ونواب وزراء الاقتصاد والنفط والخارجية والمستشار الاقتصادي لنائب الرئيس الإيراني.

طريق وعر

وعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي أبداه بعض المشاركين في المفاوضات من تحقيق تقدم في ملف العقوبات بما ينعكس إيجاباً على الملف النووي، فإن كثيراً من المراقبين في واشنطن يعتقدون أن الطريق نحو تحقيق انفراجه سيكون وعراً للغالية. ويشير هنري روما، الباحث في مجموعة أوراسيا إلى أن جميع الدلائل تشير إلى أن المحادثات ستكون شاقة، ولا يزال من الصعب رؤية نتائج جيدة في هذه المرحلة. بينما كتب نيكولاس ميلر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة "دارتموث" الأميركية، أنه ما لم تُظهر إيران وإدارة بايدن مرونة كبيرة في موقفيهما، فستتجه المفاوضات إلى طريق مسدود.

واعتبرت سوزان ديماجيو، الباحثة في الشأن الإيراني وحظر انتشار الأسلحة النووية في معهد "كوينسي" ومؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي"، أن المخاطر كبيرة ولا توجد حواجز أمان كافية، ففي حين أن استئناف المحادثات في فيينا يعد فرصة للبحث عن مخرج دبلوماسي وتهدئة التوترات، فإن كل اللافتات تشير إلى أن المفاوضين أمام طريق وعر.

سيناريوهات ثلاثة

وسط هذه الأجواء المشحونة، التي سبقها محاولات إيران ممارسة الضغط على واشنطن من خلال التراجع عن اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتمكينها من تفتيش المواقع النووية الإيرانية واستعادة التسجيلات من تلك المواقع، تبدو الولايات المتحدة أمام ثلاثة سيناريوهات، يتعلق أولها بتحقيق انفراج كامل في المفاوضات يتم بمقتضاه وقف أنشطة إيران النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات الأميركية، لكن هذا السيناريو بعيد المنال لكونه فشل من قبل. وحتى الآن ليس هناك ما يشير إلى أن إدارة بايدن ستقدم على أي تخفيف جزئي للعقوبات، بينما تقول إيران إنها تريد مناقشة رفع العقوبات فحسب حتى مع تخصيبها لليورانيوم إلى المستويات التي يحظرها الاتفاق.

وفي هذه الحال، سيكون هناك على الأرجح طرح أميركي آخر تحدثت عنه إدارة بايدن من قبل، وهو السعي لإبرام اتفاق نووي مؤقت أقل طموحاً، وإن لم تفصح عن تفاصيله، لكن مسؤولين أميركيين سابقين قالوا إن إدارة بايدن قد تحاول تجنب إعلان موت المناقشات. وبدلاً من ذلك، تترك الباب مفتوحاً أمام مقترحات أخرى مؤقتة من دون العودة الكاملة إلى اتفاق 2015، إذ يوافق كل طرف على اتخاذ خطوات متواضعة أو بشكل أساسي تجميد الوضع الراهن في انتظار التوصل إلى اتفاق مستقبلي. وهو ما سيسمح للطرفين الاستمرار في المحادثات التي قد تستمر أشهراً عدة من أجل فتح الطريق للمضي قدماً في المستقبل.

وفي هذه الحال، سيكون الدبلوماسيون الأميركيون متحمسين للتوضيح لنظرائهم من روسيا والصين أن إيران، وليس الولايات المتحدة، هي المسؤولة عن أي انهيار في المفاوضات. وقد أشار مسؤولون أميركيون سابقون ودبلوماسيون أوروبيون إلى أنه إذا ما خلصت روسيا والصين إلى أن إيران غير مرنة، فإن ذلك سيساعد الولايات المتحدة على زيادة الضغط على إيران. فعلى الرغم من أن الصين لعبت دوراً بناءً في المفاوضات التي أدت إلى اتفاقية 2015، فإنه ليس من الواضح حالياً إذا ما كانت بكين ستكون منفتحة على دعم الموقف الأميركي هذه المرة، بالنظر إلى موقف الصين الأكثر حزماً وصرامة تجاه الولايات المتحدة.

لا محفزات

غير أن سيناريو الاتفاق المؤقت يستبعده بعض المحللين السياسيين، لأن برنامج إيران النووي الذي طالما أكدت طهران أنه للأغراض السلمية وليس لإنتاج قنبلة نووية، هو برنامج أكثر تقدماً عما كان عليه عام 2015، ولأن القادة الإيرانيين أقل تفاؤلاً الآن بشأن فوائد تخفيف العقوبات المحتملة، إذ أصبح لدى الحلفاء الأميركيين والأوروبيين قدرة تفاوضية أقل مما كانت لديهم خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، عندما وفرت إمكانية رفع العقوبات حافزاً جذاباً لإيران في هذا الوقت، بينما يبدو التهديد الآن بفرض مزيد من العقوبات ذات التأثير الأقل، إذ تعتقد القيادة الإيرانية أن البلاد صمدت أمام أسوأ ما يمكن أن تحشده الولايات المتحدة.

ومن وجهة نظر إيران، لم ترقَ اتفاقية 2015 إلى المستوى الذي توقعته، إذ اختار العديد من الشركات الأجنبية الابتعاد عن السوق الإيرانية، على الرغم من رفع العديد من العقوبات. ويجادل الإيرانيون بأن امتثال طهران للاتفاق انفجر في وجهها عندما تخلت الولايات المتحدة عن الاتفاقية عام 2018. ولهذا، لا يتوقع دبلوماسيون غربيون أن تسفر المناقشات في فيينا عن كثير، على اعتبار أنه لا يوجد سبب واحد وجيه يجعل إيران راغبة في العودة إلى الاتفاق، بينما هي في واقع الأمر تحاول إعادة التفاوض على الاتفاق وليس العودة إليه.

ومن المرجح بشكل متزايد أن تكون طهران قد قررت أنها تستطيع العيش من دون تخفيف العقوبات الغربية وتستخدم المحادثات كغطاء للاقتراب من إنتاج قنبلة نووية بعدما خصبت 40 رطلاً من اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 في المئة. وهو ما يقرب من مستوى 90 في المئة المطلوب لإنتاج أسلحة نووية، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

عواقب الفشل

ومع وجود فرص ضعيفة جداً لتحقيق انفراجه في محادثات فيينا، واستمرار إيران على خلاف مع المفتشين النوويين لوكالة الطاقة الذرية، يواجه المسؤولون الأميركيون والأوروبيون مجموعة قاتمة من الخيارات تتدرج من العقوبات المشددة إلى العمل العسكري المحتمل بسبب تقدم البرنامج النووي الإيراني إلى منطقة خطرة. وهو ما أكد عليه وزير الخارجية أنطوني بلينكن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من أن الولايات المتحدة مستعدة للتحول إلى خيارات أخرى إذا ما فشلت المفاوضات. وقد أعلنت إسرائيل أنها مستعدة للقيام بعمل عسكري إذا ما لزم الأمر لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية.

ووفقاً لدبلوماسيين ومتخصصين أوروبيين وأميركيين سابقين، فإن الخيارات الممكنة تشمل إقناع الصين بوقف واردات النفط من إيران، وتشديد العقوبات عبر استهداف مبيعات النفط للصين، وشن عمليات سرية لتخريب برنامج إيران النووي، وتوجيه ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية أو دعم عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران.

وإذا ما فشلت مفاوضات فيينا، فقد يشبه الوضع المواجهة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران قبل إبرام الاتفاقية النووية عام 2015، عندما فكرت إسرائيل بجدية في توجيه ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية وفرضت واشنطن وأوروبا عقوبات صارمة على طهران، خصوصاً أن البرنامج النووي الإيراني أصبح أكثر تقدماً مما كان عليه قبل 7 سنوات حين كانت إيران على بعد عام على الأقل من إنتاج قنبلة نووية.

لكن كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة حظر الانتشار في "رابطة الحد من الأسلحة النووية"، تحذر من أن التكتيكات الإيرانية قد تأتي بنتائج عكسية لأنها تعتقد أنها تستطيع الاستفادة من تقدمها النووي للحصول على مزيد من التنازلات من الولايات المتحدة. وهذه لعبة خطيرة للغاية، لأنها تخاطر بدفع الولايات المتحدة إلى النقطة التي قد لا تتمكن فيها من استعادة فوائد الصفقة.

استهداف النفط

وإذا انهارت المفاوضات، فإن إدارة بايدن ستبحث عن طرق لزيادة الضغط على طهران، ومن المرجح أن تشمل تضييق الخناق على مبيعات النفط الإيراني إلى الصين، التي زادت في الأشهر الماضية، كما قال برايان أوتول المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية والباحث في المجلس الأطلسي.

ووفق أوتول، فإن إدارة بايدن ستحاول في البداية إقناع الصين بقطع واردات النفط التي تصل إليها من إيران، وإذا ما فشل ذلك فقد تختار معاقبة شركة شحن صينية تشارك في نقل النفط نظراً لأن المسؤولين الأميركيين يرغبون في تجنب استهداف البنوك الصينية الكبيرة.

مع ذلك، يقر مسؤولون أميركيون وأوروبيون بأن أي حملة عقوبات جديدة قد تستغرق شهوراً حتى تؤتي مفعولاً مؤثراً. ما يمنح إيران مزيداً من الوقت لتطوير قدراتها النووية ومخزونها من اليورانيوم المخصب. وإذا ما حدث ذلك فقد لا يكون للعقوبات الأثر المطلوب.

الخيار الثالث

ولزيادة الضغط على إيران، يمكن للولايات المتحدة أن تقرر تجاوز العقوبات والقيام بعمليات تخريبية متنوعة تشمل الهجمات الإلكترونية والمتفجرات لتعطيل برنامج إيران النووي، بينما يؤكد كبار المسؤولين العسكريين والحكوميين في إسرائيل أنهم يعملون على إعداد خطط طوارئ في حالة وصول البرنامج النووي الإيراني إلى نقطة اللاعودة. وهو أمر كرره قادة الجيش الإسرائيلي ورئيس الوزراء نفتالي بينيت في أكثر من مناسبة.

مع ذلك، يشير مسؤولون أميركيون سابقون لموقع شبكة "أن بي سي" الأميركية إلى أن الصراع العسكري لا يزال مستبعداً، وأنه إذا ما تعثرت المفاوضات فقد تكون النتيجة أزمة متفاقمة المستوى، مع عدم وجود حل واضح في الأشهر المقبلة.

وإذا ما كانت إسرائيل مستعدة للهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، فسيتعين على إدارة بايدن أن تقرر إذا ما كانت ستنضم إلى هذا الهجوم مع إسرائيل أو تختار أن تقود العملية العسكرية بنفسها، أو تكتفي بتوفير الدعم اللوجيستي للقوات الإسرائيلية، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود والقنابل المصممة لاختراق المخابئ تحت الأرض وتوفير أنظمة الدفاع الصاروخي الأكثر تطوراً لصد الانتقام الإيراني المحتمل على إسرائيل.

غير أن أندريا ستريكر، الباحثة في مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" والمتخصصة في البرنامج النووي الإيراني، تحذر من أن البرنامج النووي الإيراني ليس هدفاً سهلاً، ومن غير المرجح أن تقضي الضربات عليه، إذ تنتشر المرافق النووية والقدرات على نطاق واسع داخل إيران. ولهذا، ترى ستريكر أن تخريب إسرائيل البرنامج النووي الإيراني والعمليات ضد البنية التحتية هو الحل الأفضل، خصوصاً أن إسرائيل حذرت من أنها يمكن أن تجعل الحياة صعبة للغاية على النظام إذا ما واصلت طهران تقدمها النووي.

المزيد من تقارير