Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكرملين و"سلاح الغاز" بين الضغوط والموالاة

رئيس صربيا يكشف عن بناء محطة نووية بمساعدة روسية

اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن نقص الغاز في أوروبا هو نتيجة للسياسة الاقتصادية التي تنتهجها سلطات الاتحاد الأوروبي (رويترز)

منذ شرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إطلاق مشروعه "الاقتصادي السياسي" الذي يطلقون عليه اسم "التيار الشمالي-2" لنقل الغاز الروسي إلى بلدان الاتحاد الأوروبي عبر قاع بحر البلطيق، والجدل لا يتوقف حول مشروعيته من جانب، ومدى احتمالات استعماله كسلاح قد تستخدمه موسكو ضد شركائها وخصومها من جانب آخر. وها هي أزمة الطاقة في أوروبا تضفي على هذه القضية أبعاداً جديدة، منها ما يتعلق بالطفرة الكبرى في أسعار الغاز التي تجاوزت الألف دولار عن ألف متر مكعب، في الوقت الذي كشفت فيه روسيا عن موافقتها على إمداد صربيا باحتياجاتها من الغاز بأسعار لا تتجاوز 270 دولاراً عن ألف متر مكعب. وذلك ما دفع المفوضية الأوروبية إلى توجيه الاتهامات لروسيا وتحديداً لمؤسسة "غاز بروم"، بأنها تحولت من مؤسسة تجارية إلى منظمة سياسية تستخدم سلعة الغاز كإحدى وسائلها، التي تتراوح بين الضغوط السياسية العقابية ضد بلدان بعينها في أوروبا، وبين ما وصفته بشراء ولاء بلدان أخرى، التي تقصد بها صربيا في قلب القارة الأوروبية، التي تظل الدولة الوحيدة بين بلدان القارة العجوز التي لم تنضم إلى قائمة عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المفروضة ضد روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2014. 

استخدام الغاز كسلاح؟

وكانت بولندا استبقت المفوضية الأوروبية في انتقاداتها لمؤسسة "غاز بروم"، التي اتهمتها بالجنوح نحو "الاحتكار وإساءة استخدام مركزها المهيمن في السوق"، على حد تعبير المعهد البولندي للعلاقات الدولية في بيانه الصادر بهذا الشأن. ونقلت إحدى القنوات الروسية عن عدد من الخبراء تقديراتهم لمثل هذه الأوصاف، ومنها "أنها تتسم بالنفاق". وقال هؤلاء إن شركة "PGNiG" البولندية سبق وتوجهت إلى "غازبروم" تطلب منها تخفيض أسعار الغاز، وبيعه لها بأسعار خاصة، في الوقت نفسه الذي تحاول فيه وارسو "إثبات أن روسيا تستخدم الغاز كسلاح"، وذلك في وقت مواكب أيضاً لمحاولاتها التي لم تكف عنها طوال الأشهر الماضية من أجل "لملمة" الصفوف، وحشد القوى اللازمة لفرض عقوبات جديدة ضد مشروع "التيار الشمالي - 2". وذلك ما قالت المصادر الروسية بشأنه، إن "البولنديين يتصرفون بشكل غير أخلاقي وغير صحيح". وأضافت "ذلك يعني ضمناً أن وارسو تستخدم أي ضوضاء لتشتيت الانتباه".  

وفي هذا الصدد يذكر المراقبون أن الرئيس فلاديمير بوتين أعرب في الجلسة العامة لمنتدى أسبوع الطاقة الروسي الذي عقد في موسكو في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2021، عن استعداده لتمديد عقد نقل الغاز عبر أراضي أوكرانيا بعد عام 2024، "إذا كان اقتصادياً وتكنولوجياً". كما أكد في وقت لاحق، خلال الجلسة الكاملة للاجتماع الثامن عشر لمنتدى فالداي في سوتشي، "أن نقص الغاز في أوروبا هو نتيجة للسياسة الاقتصادية التي تنتهجها سلطات الاتحاد الأوروبي". كما دحضت مصادر رسمية روسية ومنها فلاديمير تشيجوف الممثل الدائم لروسيا لدى الاتحاد الأوروبي، ما تردد من اتهامات بحق موسكو حول تورطها في أزمة الطاقة في أوروبا. وقال تشيجوف، إن "الجانب الروسي مستعد لتزويد أوروبا بمزيد من الغاز عند استلام الطلبات من جانب مستهلكين محددين"، مؤكداً "أن روسيا لا تعارض تقديم المزيد، ولكن ذلك أمراً يتطلب التوجه به إلى أصحاب الشأن، أي إلى "غازبروم" بوصفها المسؤولة عن التوريد، وليس عبر ما تعقده برلمانات أوروبا من محاكمات، أو على صفحات الصحف". 

تمديد عقد توريد الغاز

غير أن الجدل لم يتوقف حول هذه القضية، بل واحتدمت وتيرته وتزايدت سخونته على وقع ما صدر من تصريحات من جانب الإدارة الأميركية، جاءت مواكبة لاختلاط المفاهيم وتباين المواقف على صعيد معالجة الأزمة الأوكرانية، واشتعال الموقف على المناطق الحدودية بين بولندا وبيلاروس. بل ودخلت مولدوفا طرفاً بما واجهته من أزمات على صعيد تفاقم احتياجاتها من واردات الطاقة، وفشل محاولاتها معالجة الموقف عبر علاقاتها الودية من كل من أوكرانيا وبولندا. وكشفت المصادر المولدوفية عن حقيقة عجز الحكومة عن توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل احتياجات البلاد من الطاقة، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة الوفاء بواجبها تجاه مواطنيها وتوفير مستلزمات البلاد من الطاقة بموجب الأسعار الجديدة. ولم يكن أمام مايا ساندو رئيسة مولدوفا إلا أن تعود لتلجأ إلى الرئيس بوتين تناشده التدخل لدى مؤسسة "غاز بروم"، نظراً لعجز بلادها عن الاستجابة لما تطرحه "غاز بروم" من شروط، أهمها "شراء الغاز بأسعار السوق" في ظل التزايد المطرد لأسعار الغاز في القارة الأوروبية، فضلاً عما تطرحه الحكومة الروسية من قيود على تصدير المنتجات الزراعة من مولدوفا إلى روسيا، وما يتعلق بمعالجة مشكلة ما وراء الدنيستر (الأراضي التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن مولدوفا، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي). وعلى الرغم من تعقد الموقف، فقد بدا حرص الجانب الروسي واضحاً على "عدم التفريط في مثل هذا الموقف"، إذ خلص الجانبان خلال الأيام القليلة الماضية إلى اتفاق حول تمديد عقد توريد الغاز لمدة خمس سنوات، وكذلك سداد الديون، وهو ما كان مقدمة لاستئناف إمدادات الغاز الروسي لمولدوفا، وإن تباينت تقديرات الأسعار التي تراوحت بين 450 دولاراً و790 دولاراً لكل ألف متر مكعب، وهو الرقم الذي استقر الجانبان عليه في نهاية المطاف. 

وقد جاء ذلك في توقيت كانت صربيا فيه على مشارف زيارة كان من المقرر أن يقوم بها الرئيس ألكسندر فوتشيتش لروسيا، بعد تسوية ما كان شاب علاقات البلدين من شوائب تسببت فيها مسؤولة الإعلام في الخارجية الروسية، بما "غردت" به من تصريحات وتعليقات أقل ما يقال عنها إنها "غير دبلوماسية" و"لا تليق" في حق رئيس صربيا الدولة الصديقة لروسيا، وهو ما اضطر الرئيس بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف إلى الاعتذار عنها في حينه. وثمة ما يشير إلى أن موسكو لم تغفل ذلك لدى تغطية جوانب علاقاتها بالشقيقة السلافية صربيا، إذ جرى التركيز بشكل واضح على أبعاد ما تتخذه من مواقف "مشرفة" في معرض مواجهتها للضغوط الأوروبية والأميركية، التي طالما استهدفت وتستهدف استمالتها إلى أحضان الناتو والاتحاد الأوروبي. وكان لقاء الرئيسين الروسي والصربي هو الأول منذ ما يزيد على العام، حيث لم يكونا التقيا وجهاً لوجه منذ يونيو (حزيران) 2020.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

احتياجات صربيا من الغاز

وفي هذا الإطار، جرت مباحثات رئيس صربيا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي على ضفاف البحر الأسود. وهي المباحثات التي قال عنها الرئيس ألكسندر فوتشيتش إنها "كانت أحد أطول اجتماعاتنا. تحدثنا وجهاً لوجه لمدة ثلاث ساعات". وأشار إلى أن الجانبين تطرقا لمختلف القضايا التي وصفها بالمهمة. وكشف أن الرئيس بوتين يتفهم مدى أهمية موضوع إمدادات الغاز وكميته ومرونته بالنسبة إلى صربيا. وأشار إلى أن احتياجات صربيا من الغاز سوف تبلغ مع حلول نهاية فبراير (شباط) المقبل حوالى 13 مليون متر مكعب، وفي مايو (أيار) ويونيو، ستكون صربيا في حاجة إلى 4-5 ملايين متر مكعب. وعلى نحو يتسم بالسعادة والاعتراف بفضل الصديق، قال رئيس صربيا، إن بوتين أظهر ما وصفها بـ "الصداقة الاستثنائية" لصربيا، إذ توصلا إلى الفوز بأسعار للغاز قال إنها "لا تصدق"، حيث لم تتعد 270 دولاراً، ولن تتغير بالنسبة إلى صربيا، وستظل عند هذا المستوى لمدة 6 أشهر. وأضاف أن الجانبين توصلا إلى اتفاق حول زيادة كمية الغاز لهذه الأشهر الستة. وقال أيضاً "إن شروط عقد الغاز طويل الأجل الذي قدمته روسيا لصربيا ستكون حصرية". وأماط الرئيس الصربي عن أمرين يندرجان تحت بند "سرية المباحثات"، ويتعلقان بما قاله بوتين لرئيس صربيا.

قال الزعيم الصربي، إن بوتين خاطبه قائلاً، "ألكسندر، سيكون هناك قرار جيد، سيرضيك". ثانياً، "التفاصيل التي ناقشناها تخلص إلى أنه بعد هذه الأشهر الستة، التي هي فترة الشتاء الأكثر صعوبة وتكلفة، وعندما يكون السعر في البورصة أعلى من 1000 دولار، ستكون لكم بـ 270 دولاراً، وهو سعر استثنائي خاص بكم، مع زيادة العرض، وكذلك مرونة التعامل".

مفاوض ناجح

ومضى الرئيس الصربي ليشرح مدى ما شعر به أعضاء الوفد الصربي من سعادة تجاه ما أعلن عنه الرئيس بوتين من قرارات، قال إنه عندما كشف عنها لهم في الفندق بعد عودته من المباحثات، راح الرئيس التنفيذي لشركةSerbiyagas Dusan Bacanovic  يقفز صعوداً وهبوطاً بكل ما تعني هذه الكلمات من معان، لأنه لم يكن يعتقد أنه سينجح، على حد قول الزعيم الصربي. وأضاف فوتشيتش، أنه اتفق مع الرئيس بوتين على أن يشارك عبر الإنترنت في ديسمبر (كانون الأول) المقبل في افتتاح محطة الطاقة الحرارية في بانشيفو، التي ستستهلك كل منها 300-350 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً. ولمعرفة مدى أبعاد الفرحة التي انتابت أعضاء الوفد الصربي، يمكن استعادة كثير من تصريحاته قبيل السفر إلى روسيا، ومنها ما قاله الرئيس فوتشيتش وكان قد التقى قبيل سفره في بلغراد، كلاً من يوري بوريسوف نائب رئيس الحكومة الروسية، والرئيس المناوب للجنة الحكومية الدولية للتعاون الروسي الصربي الاقتصادي والعلمي والتقني، وسيرغي لافروف وزير الخارجية، حول أن الجانب الروسي يعرض سعراً للغاز 800 دولار أميركي مقابل كل ألف متر مكعب، فيما كشف عدد من أعضاء الوفد، ومنهم زورانا ميخائيلوفيتش وزيرة التعدين والطاقة، التي قالت، إن الجانب الصربي ينشد الاتفاق حول 400-500 دولار مقابل كل ألف متر مكعب، بينما فاجأهم بوتين بتخفيض الرقم حتى 270 دولاراً، وهو "ما كاد يطير صوابهم"، كما يقال. وعزا بعض المراقبين ما توصل إليه الجانبان من نجاح إلى قدرة فوتشيتش على التفاوض، وكيف أنه "مفاوض جيد ويعرف كيف يحقق النجاح". وكان الرئيس الصربي استبق مباحثات سوتشي الخميس 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي وقبل وقت قصير من اجتماعه مع بوتين، بإعلان غير متوقع حول رغبته في بناء محطة طاقة نووية في صربيا باستخدام التكنولوجيا الروسية. وذلك موضوع جذاب للسلطات الروسية، لدرجة أنه لم يكن هناك شك في نجاح رحلة فوتشيتش، على حد توقعات مراقبين من الجانبين. ومن المعروف أن روسيا تعد حالياً المورد الرئيس للغاز إلى صربيا، إذ تقوم بتوريد أكثر من ملياري متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي عبر أوكرانيا والمجر. وكانت إمدادات الغاز الروسي إلى صربيا اعتباراً من أول يناير (كانون الثاني) من العام الحالي 2021، تجري عبر بلغاريا من فرع خط أنابيب الغاز من التيار الجنوبي - الغاز التركي (MGP). وقالت المصادر، إن صربيا بفضل الخط الجديد لنقل الغاز، تمكنت من زيادة مشترياتها من الغاز الروسي حتى 4 مليارات متر مكعب في السنة.

وبغض النظر عما يصدر عن الجانبين من تصريحات حول ضرورة عدم تسييس العلاقات الثنائية بين البلدين السلافيين، ودون اعتبار لما تروجه أوساط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول تحول روسيا صوب استخدام الغاز سلاحاً للضغط على بلدان الاتحاد الأوروبي، فإن ما توصلت وتتوصل إليه موسكو وبلغراد من اتفاقيات، يظل مرهوناً بما استطاعت البلدان على مدى عقود طويلة التوصل إليه من علاقات طيبة وصداقة، تستند في معظمها إلى الأصول السلافية المشتركة، والرغبة الصادقة من جانب القيادتين الروسية والصربية في التمسك بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وإدراك أن الغرب يظل المسؤول الرئيس عن كل ما لحق بالبلدين من مآس وكوارث منذ تسعينيات القرن الماضي. ولعل ذلك يمكن أن يكون تفسيراً لكون صربيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي ترفض الانضمام إلى قائمة العقوبات الغربية ضد روسيا، فضلاً عن الموقف المشترك المناهض لمخططات الناتو، وتوسعه شرقاً إلى مقربة مباشرة من الحدود الروسية.