بحثا عن الترند... غرائب وعجائب الفتاوى في رمضان

بعض الشيوخ يستخدمونها لرفع نسب المشاهدة والإعلانات... و"فتوى الشطاف" حققت انتشارا على التواصل الاجتماعي

الصائمون يوجهون الأسئلة إلى الفقهاء في ساحة الجامع الأزهر (الحساب الرسمي للشيخ أنس السلطان على فيسبوك)

ليس هناك ضرر يلحق بدين أكبر من ذلك الذي يتسبب فيه من يعتقدون أنهم متدينون، وليس هناك ما يبرر الخوض في أفكار عجيبة ومفاهيم مريبة وقضايا ما أنزل الله بها من سلطان وإلصاقها بالدين إلا أن تكون هناك سوقٌ رائجةٌ، لها عرضٌ وطلبٌ واستهلاكٌ. وليس هناك أغرب من فتوى نكاح الزوجة المتوفاة إلا كون شطاف الماء بعد قضاء الحاجة يفسد الصيام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فقرة مكررة

سيلٌ من الأسئلة الرمضانية المتوقعة مسبقاً، والمعروفة إجاباتها لملايين البشر منذ أصبح صوم رمضان فرضاً على جموع المسلمين. هل دخول الماء جوف الصائم يبطل صيامه؟ هل العلاقة الزوجية أثناء نهار رمضان تفسد صيام الزوجين؟ هل شرب الماء أثناء أذان الفجر مسموح؟ هل أكل التمر أثناء أذان المغرب مكروه؟ محددات الإفطار والصيام تنهال على رؤوس علماء الدين وأدعياء العلم بالدين في كل رمضان من كل عام. وهي فقرة مكررة على شاشات التلفزيون وأثير الإذاعة، وأخيراً  شبكة الإنترنت، ويحكى أن قناة فضائية كانت تعاني مشاكل مادية قبل سنوات فأذاعت 30 حلقة من برنامجها عن الفتاوى الرمضانية والذي تم تسجيله قبل عامين دون أن يلحظ أحد.

عجائب الأسئلة

الملاحظ في السنوات القليلة الماضية، وبشكل مكثف هذا العام تواتر نوعية غريبة من الأسئلة في رمضان. وعلى الرغم أن هناك من يبدع في طرح أسئلة رمضانية عجيبة، بل مريبة في مثل هذا الوقت من كل عام، فإن العجب يتطور، والريبة تتصاعد.

 

عقب صلاة الجمعة الماضية، توجه أحد المصلين للإمام وطلب منه فتوى من نوع جديد. قال له إنه مدخن شره، ويعاني الأمرين أثناء الصيام. عصبية ومزاج سيئ وعدم قدرة على التركيز وتقصير في العمل. وقبل أن يباغته الإمام بما هو متوقع من "عليك أن تنتهز فرصة رمضان لتقلع عن هذه العادة الضارة" أو "من حسن الحظ أن الله سبحانه وتعالى شرع الصيام لنتفكر في أمورنا ونتدبر فنبتعد عما يفسد صحتنا ويخرب جيبونا"، كان السائل أسرع في قطع طريق النصح والإرشاد على الإمام. "هل يفسد صيامي لو أشعلت سيجارة واستنشقت دخانها دون أن أضعها في فمي؟".

وإذا كان رد الإمام يوم الجمعة الماضي جاء عقلانياً واتسم بالمنطقية حيث صال وجال في دوائر "استنشاق الروائح والأدخنة لا يفطر، لكن الصيام اختبار للإرادة وامتحان للنفس"، فإن الشيخ الأزهري "أنس السلطان" أجزم بأن "شطاف الماء بعد قضاء الحاجة في الحمام يفسد الصيام".

الشيخ الأزهري أطل على الملايين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مفتياً "بأن ماء الشطاف الذي يستخدمه "المسلمون" لتنظيف أنفسهم بعد قضاء الحاجة يفسد الصيام سواء للرجل أو للمرأة".

 

الشطاف ترنداً

فتوى الشطاف قفزت إلى الترند هي وشيخها، وحققت الانتشار في مواقع التواصل الافتراضي إلى حلقات الاتصال الواقعية في الشوارع والميادين، وفتحت ملف فتاوى رمضان الغريبة، والأسئلة المريبة.

أستاذ علم النفس الدكتور محمد مجدي يشير إلى أن "توجيه أسئلة غريبة أغلبها ساذج أو سطحي أو تافه حول صيام رمضان بات ظاهرة مستفحلة ومتطورة إلى ما هو أخطر". ويضيف: "بعدما كنا نشكو من تكرار الأسئلة حول حكم شرب الماء أثناء الأذان، ولمس الزوجة، واستنشاق رائحة الطعام، أصبحنا نتابع أسئلة عجيبة على شاكلة استخدام الشطاف، وسب الدين، وإشعال البخور وغيرها. وهذا إن دل على شيء، فعن فراغ في الوقت وخواء في الفكر وخراب في التعليم".

عامل مهم لم يذكره الدكتور محمد مجدي ألا وهو "الترند" و"المشاهدة". فإذا كانت فتوى "الشطاف" في نهار رمضان ظهرت على أثير مواقع التواصل الاجتماعي، وحققت "ترندا" مثيراً منقطع النظير لعدة أيام، فإن البحث عن الانتشار ورفع نسب المشاهدة والمتابعة والاستفادة من إقبال المشاهدين على برامج الفتاوى الرمضانية عامل آخر بالغ الأهمية.

ربح غرائب الفتاوى

يقول الصحافي ومعد البرامج التلفزيونية أيمن صبحي، الذي رأس تحرير برنامج فتاوى رمضانية في إحدى القنوات الفضائية لمدة ثلاثة أعوام متتالية أن "شهر رمضان موسم خير للقنوات التلفزيونية. وكلما زادت الأسئلة وأمعنت في الغرابة أو الطرافة أو ما يسميه البعض بالسذاجة كلما حققت نسب مشاهدة أعلى، وحظيت بمشاهدات أكبر بعد تحميلها على يوتيوب".

وحول إذا ما كان لمسؤولي البرامج التلفزيونية رؤية خاصة بالارتفاع بمستوى الأسئلة والنأي بالبرامج وعلماء الدين الذين تتم استضافتهم بعيداً عن قاع السذاجة أو منحدر الإثارة منزوعة الغاية، اللهم إلا رفع نسب المشاهدة والقيل والقال، يقول: "الفضائيات صناعة تبحث عن ربح، وليس من المعقول أن يكون هناك مصدرٌ مضمونٌ للإعلانات والمشاهدة وترفضه أو تسمو بعيداً عن الفائدة المادية. هذا يحدث في الأفلام فقط. من جهة أخرى فإن نسبة كبيرة من الناس بالفعل لا تشغل بالها إلا أمور تبدو لآخرين أنها تافهة أو سطحية".

وبسؤاله عن أبرز نوعيات الأسئلة التي ترد إلى برامج الفتاوى الرمضانية قال "إنها ثلات نوعيات لا رابع لها، إلا فيما ندر: الطعام والشراب والتدخين والمخدرات، والأمور الجنسية والعلاقات الزوجية والمرأة، وأمور تتعلق بدخول الحمام". 

ربات البيوت وكبار السن

المتابع للفيض الهائل من البرامج المخصصة في شتى القنوات لتلقي الأسئلة الخاصة برمضان يعرف أن هذه بالفعل هي الملفات الثلاث الرئيسية التي تشغل بال المتصلين والمتصلات. والمراقب للمشاهدين والمشاهدات في نهار رمضان، لا سيما فئة ربات البيوت وكبار السن ممن لديهم وقت فائض، يعرف أن نسبة كبيرة من مشاهدي هذه البرامج تخاطب هذه الفئة وتفتئت عليها.

تقول السيدة إنعام فتحي (75 عاماً) إنها تحرص على متابعة كل برامج الفتاوى الرمضانية. أما عن السبب، فتقول: "أستمع لأسئلة وإجابات لم تكن تخطر على بالي أبداً عن الأكل والشرب ودخول الحمام وتجعلني أحافظ على صيامي أكثر من ذي قبل".

الخطورة الكامنة في كلام السيدة إنعام يتلخص في نجاح بعض هذه البرامج عن طريق الأسئلة العجيبة في "جر رجل" المشاهدين والمشاهدات نحو شكل غريب وغير مستساغ من الدين. يقول الدكتور محمد مجدي: "بدلاً من أن يسأل الناس عن قيمة العمل في شهر رمضان، أو حكم من يصوم لكن يخالف الدين عن طريق النصب أو السرقة في الميزان أو التقصير في عمله أو عدم إتباع قواعد المرور بحجة الصيام مثلاً، نجد السائل والمسؤول والمذيع والقناة تشجع على استقبال أسئلة سطحية وإمداد السائل بإجابات غريبة بحثاً عن الإثارة ربما أو الشهرة".

مناهضة التفاهة

لكن الشهرة ليست كلها سلبية أو تهدف إلى الإثارة دون الفائدة. والإعلام وبرامج الفتاوى يمكنها أن تصبح أداة جيدة لمناهضة التفاهة ومقاومة السذاجة. الشيخ إبراهيم رضا، وهو من علماء الأزهر الشريف، وصاحب برنامج يذاع على إحدى القنوات الفضائية، يقول "إن الأسئلة الدينية والإجابة عنها عبر شاشات التلفزيون يمكن أن تكون وسيلة لتقويم السائل والمسؤول". "فمن جهة، يمكن لعالم الدين أن يوجه الأسئلة لمسارات مفيدة للناس في حياتهم وعملهم، وذلك بدلاً من الإغراق في أسئلة تنم عن فراغ أو فكر متشدد. كما أن العالم المنوط به الإجابة يمكن تقويمه عن طريق إجاباته، لا سيما أننا جميعاً بشر، وليس كل عالم دين حكيم زمانه".

ويشير رضا إلى أن السنوات الكثيرة التي أمضاها في الإجابة عن أسئلة الناس في رمضان وغير رمضان تكشف عن ضعف شديد في مستوى المتلقين، وإغراق كامل في أمور هامشية ومسائل مظهرية. كما أن تلقي مثل هذه الأسئلة كما هي دون تقويم أو توصيل رسالة لسائلها بأن عليه الارتقاء بتفكيره والسمو بأولوياته مساهمة في تشويه الدين والدفع بالمشاهدين إلى المزيد من السذاجة والسطحية".

الفضائيات الصفراء

ويشير رضا إلى أن "بعض الفضائيات، مثلها مثل الصحف الصفراء، تهدف إلى الفرقعة وتطمح إلى رفع نسب المشاهدة وتحقيق الشعبية، ولو كان ذلك على حساب تسطيح الدين". ويضيف "أن هناك طرقا عدة لتوصيل رسالة غير مباشرة لكل من المتصل الذي يطرح سؤالاً حيوياً يعكس المصلحة العامة أو يكشف نقطة غير واضحة في شؤون الدين، والمتصل الذي يطرح سؤالاً كارثياً ينم عن سطحية وسذاجة. ويقوم رضا بتوجيه عبارات الثناء على الأسئلة الذكية ويحرص على مناشدة المشاهدين بالبعد عن توافه الأمور قبل أن يجيب عما يعتبره سؤالاً ساذجاً أو سطحياً. كما يحرص على الإشارة إلى أن مثل هذا السؤال حالة شاذة ولا يمثل ما ينبغي أن يشغل بال المسلمين المعاصرين". ويقول: "للأسف هناك مذيعون وضيوف يردون على أسئلة دينية وضعونا جميعاً في مأزق بتحويل برامجهم إلى ساحة للأسئلة الساذجة دون توجيه السائلين لمصلحة دينهم ودنياهم. ولدينا نماذج عديدة لكن أشهرها فتوة معاشرة البهائم ومناكحة الزوجة الميتة وإرضاع المرأة لزميلها في العمل وأخيراً الشطاف الذي يفسد الصيام".

وعن أطرف الأسئلة التي وجهت إليه أخبرنا، "سأله رجل عن حكم قيامه بقص شاربه في نهار رمضان، وهل هذا يفسد صيامه أم لا؟!، فرد رضا "إن كنت أكلته بعدما قصصته فقد أفطرت، أما إنْ لم تأكله فصيامك صحيح".

ويلفت الشيخ إبراهيم رضا كذلك إلى ظاهرة مهمة، وهي إغراق الكثير من النساء في مثل هذه النوعية من البرامج التي تسهم في مزيد من تجهيلهن وتسطيح عقولهن. يقول: "السنوات الماضية شهدت انغلاقاً شديداً لكثير من النساء وابتعادهن عن الانخراط في الثقافة والمجال العام، وتساعد هذه البرامج في الإبقاء عليهن في هذا المستنقع، لا سيما أنهن لو خرجن منه ستفقد هذه البرامج أرضية مشاهدة مهمة".

 

مصر في المقدمة

أهمية الأسئلة والإجابات عنها في شهر رمضان تتمثل في الأرقام والإحصاءات التي أعلنت عنها دار الإفتاء المصرية قبل أيام. فقد ذكر المؤشر العالمي للفتوى التابع لدار الإفتاء المصرية أن فتاوى رمضان تشكل 20 بالمئة من مجموع الفتاوى الصادرة عالمياً. وأشار كذلك إلى أن المؤسسات والهيئات الدينية الرسمية تسيطر على ساحة الإفتاءات الرمضانية بنسبة 60 بالمئة، في مقابل 40 بالمئة تستأثر بها مواقع إلكترونية وشخصيات افتراضية. واحتلت مصر مكانة الصدارة من حيث طلب الفتاوى الرمضانية وذلك بنسبة 35 بالمئة! وتليها دول الخليح الغربي بنسبة 30 بالمئة، ثم بقية الدول العربية بنسبة 25 بالمئة، وأخيراً الفتاوى المطلوبة من دول أجنبية بنسبة عشرة بالمئة.

ورصدت دار الإفتاء المصرية كذلك أغرب عشر فتاوى صدرت عن جماعات متشددة. وأبرز هذه الفتاوى تحريم "إمساكية" رمضان التي توضح مواعيد الإفطار والإمساك عن الطعام، وزينات رمضان، وأن شم رائحة البخور في نهار رمضان من المفطرات.

المثير أن الكثير من الأسئلة والفتاوى التي صنفتها دار الإفتاء المصرية باعتبارها "غريبة" يرد مثلها في برامج الفتاوى الرمضانية التي تبث على مدار الساعة على شاشات الفضائيات، وهو ما يحقق نسب مشاهدة عالية و"ترنداً" يبقى أياماً وأسابيع.

المزيد من هوايات وغرائب