Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين قررت السينما إعادة الاعتبار لذكرى ألمان قاوموا هتلر ونازييه

لولا وجود توم كروز لكان فيلم "فالكيري" عملاً فنياً كبيراً في مجاله

توم كروز في لقطة من "فالكيري" (موقع الفيلم)

لعقود طويلة من السنين، نكاد نقول إنها أشرفت على نهايتها قبل نحو 15 سنة، وتحديداً خلال دورة العام 2007 لمهرجان برلين السينمائي، كان يبدو أن السينما الحربية والتاريخية قد استنفدت العدد الأكبر من المواضيع التي تتناول أحداث الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في بُعدها السياسي، مما يعني الرجوع إلى أزمنة صعود النازية وسيطرتها ليس فقط على السلطة في ألمانيا، بل أكثر من ذلك، على قلوب وربما أيضاً عقول غالبية الألمان.

فقط جانب واحد ولكن أساس من ذلك التاريخ، ظل في منأى عن الحكايات السينمائية مما جعله يبدو نوعاً من محظور ثمة قوة خفية تمنع ظهوره المقاومة الألمانية ضد هتلر قبل الحرب وخلالها، والدور الذي قام به رجالها ونساؤها في المعركة.

أسئلة كانت غائبة

كان الأمر غريباً بالتأكيد، لكنه لم يثر كثيراً من الأسئلة آنذاك، ومن هنا كانت استثنائية تلك الدورة من المهرجان البرليني التي شهدت خلال أيام قليلة عرض عدد لافت من أفلام تناولت الموضوع، وأُعلنت فيها مشاريع مقبلة حول ما يدور في فلكه.

لن نغوص هنا في تحليل سياسي أو تاريخي يحاول تفسير الغياب ومن ثم الحضور المباغت، بل يهمنا من الأمر فقط كون الأفلام لم تتوقف منذ ذلك الحين عن الخوض في تلك المقاومة، وغالباً عبر شرائط لم تأت فقط مميزة وقوية بل ناجحة جماهيرياً، لتشكل متناً ألمانياً سرعان ما تبعه متن من أفلام أميركية وغير أميركية، فهل نقول للمناسبة إن ظهور تلك الموجة أتى يومها ليقول إن تلك الحرب قد انتهت أخيراً؟

قراءة جديد لتاريخ منسي

ربما، ولكن لا بد هنا من القول إن أفلاماً من ذلك النوع وفرت قراءة جديدة لتاريخ منسي، بل حتى مواضيع سينمائية عميقة، من دون أن ننسى توفيرها في بعض الأحيان أدواراً استثنائية لنجوم لم يكن قد سبق لهم أن دنوا من مثل تلك الجدية في أفلام سابقة لهم، مهما كان حجم نجاحها كبيراً.

وإذ نقول هذا هنا، نفكر تحديداً بالنجم الهوليوودي توم كروز الذي يبدو لنا اليوم وكأن دوراً في فيلم من هذا النوع أعطاه فرصة عمره الفنية.

كان عنوان الفيلم "فالكيري"، وربما يمكن القول إنه أتى بشكل أو بآخر نوعاً من التتويج لسينما المقاومة الألمانية ضد هتلر، وإن كان موضوعه قد تحدث عن إخفاق حقيقي ونهاية تراجيدية لمؤامرة نسجها ضباط ألمان ضد هتلر خلال الحرب الثانية، قاصدين منها التخلص من الفوهرر وإيقاف الحرب، ومن ثم إنقاذ البشرية من براثن النازية ولو لمنع الحلفاء من القيام بالمهمة والهيمنة على العالم.

ولنشر هنا إلى أن الحكاية حقيقية والفيلم قدمها بأقرب ما يكون إلى الواقع التاريخي، وذلك تحديداً بفضل توم كروز الذي وجدها فرصة تمكنه من البرهنة أخيراً على أنه فنان أيضاً وليس نجم شباك ومغامرات فقط.

سابقة منسية رغم ضخامتها

قد يكون ضرورياً هنا الإشارة إلى أن المخرج الهوليوودي أناتولي ليتفاك كان نقل الحكاية ذاتها إلى السينما عام 1966 في فيلم من إنتاج فرنسي - بريطاني هو "ليلة الجنرالات". ويومها جمع ليتفاك لهذا الفيلم أسماء كبيرة في عالم السينما، من موريس جار لكتابة الموسيقى وألكسندر تراونر للديكور إلى بيتر أوتول وعمر الشريف وكريستوفر بلامر وفيليب نواريه وغيرهم للقيام بالأدوار الرئيسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من تقدمية المخرج، لم يبد الفيلم مقنعاً يومها على الرغم من كل ما كتب من أن الحكاية حقيقية، بخاصة أن المخرج وكتاب الفيلم قد أدخلوا في الأحداث حكايات ثانوية لم تبد ذات علاقة به، كما أنهم من الناحية السياسية، أضفوا على الحكاية كلها غموضاً بدا غير مستحب.

والغريب أن أحداً لم يذكر هذا الفيلم في مجال الحديث عن فيلم "فالكيري"، ومهما يكن لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن "فالكيري" بدا حديثاً عن كروز أكثر منه حديثاً عن موضوع الفيلم، بخاصة وقد رأى نقاد ألمان أن في الفيلم نقيصة أساسية، هي قيام توم كروز بدور الكولونيل ستاوفنبرغ، الضابط الذي كان له الدور الرئيس في نسج المؤامرة.

ومع هذا قد يكون مفيداً هنا أن نذكر أن وجود الفيلم كله يدين إلى اللحظة التي شاهد فيها كروز صورة للكولونيل ستاوفنبرغ للمرة الأولى، فأذهله الشبه بينهما كما قال للصحف، وازداد إصراراً ليس على تمثيل الدور فقط، بل حتى على إنتاج الفيلم عبر هيمنته على شركة "يونايتد آرتست".

خطأ في التوقيت

كما أشرنا ينطلق "فالكيري" من تلك الحادثة الحقيقية الموثقة تاريخياً، والتي شهدها يوم 20 يوليو (تموز) 1944.

ففي ذلك اليوم كانت القوات الألمانية باتت على آخر رمق أمام وصول قوات الحلفاء إلى النورماندي، وكان الجيش الألماني قد فرغ صبره من عناد هتلر وسيطرة قواته النازية الخاصة على المقدرات وقرار الحرب والسلم، تاركة للجيش النظامي أن يقتل ويهزم، وهو الذي كما يقول الفيلم على الأقل، لم يكن كبار ضباطه الذين كانوا جنود القيصر من قبل هيمنة هتلر ونازييه على الحكم، لم يكونوا قد استساغوا هتلر منذ البداية، طبعاً نعرف تاريخياً أن المؤامرة لم تنجح وأن انفجار القنبلة التي "زرعها" ستاوفنبرغ في غرفة اجتماع يحضر فيها هتلر كي تقضي عليه وعلى كبار ضباطه لم يؤد الهدف.

أما المأساة فكمنت خلال الساعات اللاحقة في جهل ستاوفنبرغ ورفاقه المتآمرين لهذه الحقيقة، مما جعلهم يتصرفون وكأن هتلر قتل.

توتر مقصود
 
ومن هنا تكون قوة الفيلم وقوة علاقتنا به كامنة في رصدنا توترهم وما يفعلون، وما يفعله أبطال هذا الفيلم هنا هو محاولة الهيمنة على السلطة وعلى برلين، منفذين خطة كان هتلر هو صاحبها أصلاً خطة "فالكيري"، ومن هنا عنوان الفيلم، التي تقوم على إنصراف قوات الاحتياط وقوات شرطة برلين إلى الهيمنة على مقدرات العاصمة ومن ثم ألمانيا كلها إذا وصل الحلفاء، أو إذا حدث شيء للـ "فوهرر".

وبالفعل، إذ بدا لكثر أن المؤامرة نجحت، راح حتى المترددون الذين لم تكن لهم علاقة بالمؤامرة أصلاً ينخرطون معاً تحت أوامر ستاوفنبرغ ورفاقه، في احتلال المباني والشوارع الرئيسة في برلين من جهة، وفي القبض على ضباط القوات الخاصة وتسريح جنودها من جهة ثانية.

هنا، كما قلنا، كل الفيلم وكل قوته في لحظات راح المتآمرون، وفي مقدمهم ستاوفنبرغ يتصرفون وهم واثقون من النجاح، يزيد ثقتهم تأخر هتلر في إعلان نجاته.

ومن الواضح هنا أو من المفترض أن هتلر تأخر في هذا كي يكشف المتآمرين أكثر وأكثر، أعطاهم الوقت اللازم. وإثر هذا لا يستغرق الأمر طويلاً حتى ترسم النهاية، يقبض على المتآمرين، ويصفي بعضهم فوراً، ثم يحاكم آخرون ميدانياً، وينقلب المترددون ويعودون إلى أحضان الديكتاتور النازي.

في شكل عام تفشل المؤامرة، ولكن بعدما كانت حفنة من ضباط النخبة قد ضحوا بأنفسهم من أجل إنقاذ شرف الشعب الألماني كله.

لب الموضوع وخلوده

وهذا هو على أية حال الموضوع الرئيس في الفيلم، بصرف نظر عن هوليووديته وتركيزه، كما قال نقاد أقل تطلباً من النقاد الألمان، على البطولة الفردية، فالمهم هنا قبل كل شيء آخر أن الفيلم أتى ضمن سياق يعيد الاعتبار لأولئك المناضلين ومؤامرتهم العجائبية في زمن كان كل شيء يعمل ضدهم، لكنهم فعلوا ما بدا مستحيلاً يومها: أعادوا إلى الواجهة حكاية بطولية حقيقية كان العالم قد نسيها، مشجعين السينما الألمانية نفسها على قول ما عندها في ذلك المجال.

ولسوف يتبين أن ما عندها لم يكن قليلاً، وبقي أن نقول أخيراً إن المشروع ولد أولاً عام 2002، حتى وإن كان سنغر سيقول إنه علم بحكاية تلك المؤامرة منذ أوائل ثمانينيات القرن الـ 20 حين زارت أمه بون والتقت بأرملة أحد كبار الضباط، فون مولتكه، الذين أسسوا ما سيعرف لاحقا بـ "حلقة الضباط المقاومين".

وظل هذا الموضوع يشغل باله، ومن ثم عاد إليه وإلى الواجهة مجدداً حين أقام الكاتب كرويستوفر ماكاري في برلين فترة من أجل مشروع آخر، ففوجئ بدوره بالحكاية تروى له، وبدأ يكتب سيناريو لها، غير دار بأن السيناريو سيتحول فيلماً. 

المزيد من سينما