Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان برلين افتراضياً: غياب أميركي ولبنان يمثل العرب

لا حفل افتتاح ولا نجوم ولا لقاءات وأفلام يجب أن تخرج إلى الضوء

من فيلم "أم شابة" الفرنسي (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

قبل الزمن الكوفيدي، كان مهرجان برلين الملتقى الشهير للسينمائيين والجمهور في عاصمة ألمانيا التي أصبحت واحدة من أكثر الأماكن فنّاً وثقافةً في العالم بعد سقوط جدارها. في البرد القارس الذي قد يصل إلى 15 ما دون الصفر، وتحت الثلوج أحياناً، كان المجتمع السينمائي يجد ضالته في أحدث الأفلام الآتية من دول العالم أجمع، خصوصاً من مناطق غير معروفة سينمائياً. مهرجان برلين هو الحدث الثقافي والفني والسينمائي الأبرز، فهو وحّد الألمان حول مسلّمات وقيم العصر الحديث بعد سنوات من الانقسام، وأضحى الموعد السنوي الأكثر رمزيةً لهذا الانصهار. لا توجد تظاهرة اضطلعت إلى هذا الحد بدور تاريخي في مصالحة شعب والخروج من غياهب التاريخ منتصراً على الخراب. اليوم، أمسى بعيداً زمن كان يلجأ فيه الأوروبيون إلى لغة العنف لمخاطبة بعضهم البعض، وأي فن أكثر من السينما قادر على مراقبة سلوك البشر وتغييرات المجتمع وتوثيقها وإيصالها إلى أكبر عدد من الناس؟

والبرليناله كما يطلق عليه أهل البلد، اسم مشتق من مدينة سُحقت خلال الحرب العالمية الثانية، لتتحول، بعد بضعة عقود، إلى نموذج للهندسة المعمارية العصرية، يزورها 70 ألف سائح يومياً. وفي شهر فبراير (شباط) من كل عام، يتوجّه إليها عشاق السينما من أنحاء ألمانيا وأوروبا والعالم لاكتشاف آخر إنتاجات فنّ كبير كان له فضل كبير في لمّ شمل "العائلة" الألمانية، وكانت للألمان مساهمة كبيرة فيه من خلال "التعبيرية الألمانية".

ساحة بوتسدامر حيث مقر المهرجان ومعظم العروض الأساسية، كانت لسنوات خلت خط التماس الذي فصل ألمانيا الشرقية عن الغربية، فيما اليوم باتت حضناً لثالث أكبر مهرجان سينمائي في العالم بعد كان والبندقية. من البديهي أن تحمل مدينة كوزموبوليتية كبرلين راية السينما القائمة أصلاً على فكرة الاختلاف. فهناك ما يقارب 40 صالة موزعة في أرجاء المدينة تعرض أفلام المهرجان، لكنها تكاد لا تكفي لسد جوع الألمان الذين يتوافدون إلى الصالات بأعداد غفيرة تصل إلى نحو 400 ألف مشاهد في كل دورة. 

وداعاً للقاءات

هذا العام الأمور اختلفت جذرياً. فالجائحة أطاحت بالبرليناله. هاجر الجمهور القاعات الضخمة التي يتسع بعضها لأكثر من 1500 متفرج. لا فيلم افتتاح ولا نجوم ولا مقابلات ولا مؤتمرات صحافية. وداعاً للنقاشات حول الأفلام الاشكالية التي تمتد حتى الصباح في ردهة الفنادق. أما المظاهر الاحتفالية فتم توضيبها مع السجادة الحمراء على أمل أن تفرش العام المقبل عندما يكون العالم تخلص من الفيروس. إذاً، بدلاً من تظاهرة حضورية يأتي إليها الناس بلحمهم ودمّهم، ستكون الدورة الحادية والسبعين افتراضية من 1 إلى 5 مارس (آذار)، وجماهيرية من 9 إلى 20 يونيو (حزيران). لم يكن هذا خيار المهرجان الذي وجد منذ الأول دورة تقليدية، لكن تصاعد موجة الوباء في ألمانيا لم يترك للقائمين أي خيار آخر. 

وبهذا يكون "برلين" أول مهرجان صف أول ينتقل إلى الإنترنت ليعرض أعماله. لكن، هل من الممكن أن نسمي حدثاً كهذا مهرجاناً؟ أيصح اعتبار عرض مجموعة أفلام على موقع إلكتروني مهرجان؟ وماذا لو تكرس هذا النمط من المشاهدة؟ تساؤلات - مخاوف مشروعة يطرحها بعض المهتمين بالشأن السينمائي. أياً يكن، نحن اليوم أمام أمر واقع يصعب الهروب منه: هناك مجموعة أعمال سينمائية لأسماء بارزة أُنجزت في السنتين الماضيتين، ويجب أن تبصر النور، لا بل أصبح عرضها لا يتحمل أي تأخير. أصحابها لا يستطيعون الانتظار، لذا فيتوجب عرضها بأي طريقة. أما الذين اعتادوا الانتقال إلى برلين في مثل هذا الوقت من كل عام، فيجلسون حالياً قبالة شاشاتهم ويكفي النقر على بعض الأزرار للدخول إلى رابط الفيلم، بدلاً من الركض من صالة إلى أخرى، في البرد والمطر والثلوج. 

تتضمن المسابقة 15 فيلماً. أحد هذه الأفلام سينال جائزة "الدب الذهب" وبعضها الآخر سيُسند جوائز أخرى من مثل أفضل إخراج وتمثيل. ولدورة تخرج عن المألوف، لجنة تحكيم هي الأخرى تخرج عن المألوف، إذ إنه تم اختيار 3 سينمائيات و3 سينمائيين من الذين نالو "الدب الذهب" في السنوات الأخيرة ليحكموا على أفلام هذا العام. هؤلاء هم: الإيراني محمد رسول آف صاحب فيلم "لا يوجد شر"؛ الإسرائيلي ناداف لابيد مخرج "مرادفات"؛ الرومانية أديلا بينتيلي مخرجة "لا تلمسني"؛ المجرية إيلديكو إينييدي التي أخرجت الفيلم الرائع "جسد وروح"؛ الإيطالي صاحب "نار في البحر"، وأخيراً البوسنية ياسميلا زبانيتش صاحبة "غربافيكا". سيتم الإعلان عن الجوائز يوم الجمعة الواقع في الخامس من مارس، علماً أن لجنة التحكيم موجودة حالياً في برلين وهي تشاهد الأفلام في صالة، لا على شاشة كمبيوتر. 

أفلام متسابقة

الأفلام المتسابقة تأتي من بلدان مثل فرنسا ورومانيا وألمانيا ولبنان وكوريا والمجر... اللافت أنه لا يوجد فيلم أميركي واحد في المسابقة، إذ يبدو أن الأميركيين لم يتحمّسوا لعرض أفلامهم بهذا الشكل، أي من دون خلق صخب إعلامي حولها. في المقابل هناك كالعادة فيلم إيراني، وهذه عادة تكرّست في برلين، مع التذكير أن الفيلم الإيراني "لا يوجد شر" لرسول آف، المضطهد من النظام في بلاده والممنوع عن العمل، كان فاز بـ"الدبّ" العام الماضي. هناك 3 أفلام من المسابقة غير متاحة للصحافيين على موقع المهرجان، الأمر الذي جعل بعضهم يسأل ماذا سيحصل إذا فاز أحدها بـ"الدبّ الذهب". أما البلد الأكثر حضوراً في المسابقة فهو ألمانيا التي تأتي منها خمسة أفلام أحدها إنتاج مشترك مع جورجيا. 

ا

الأسماء الكبيرة والمعروفة المشاركة في المسابقة ليست كثيرة. يمكن التكهن بأن عدداً منها لم يوافق على مهرجان أونلاين يضيع في متاهات الإنترنت. أبرز مشارك في المسابقة هو الكوري هونغ سانغ سو الذي يعود إلى برلين بفيلم طوله 66 دقيقة، عنوانه "مقدّمة" انطلق به المهرجان صباح الاثنين. كعادته التي لا يقلع عنها، يصوّر سانغ سو بالأسود والأبيض علاقات بشرية وحكايات متداخلة من صميم رؤيته للمجتمع الكوري المعاصر. أما الفرنسي كزافييه بوفوا فسنشاهد له "ألباتروس" بطولة جيريمي رينييه، هو الذي كان أدهشنا في مهرجان كان قبل سنوات بـ"رجال وآلهة". يقول المهرجان إن الفيلم "عن الوجودية الخالصة والأسطورة البدائية لرجل في أزمة". مع هذا العمل يبدو أن بوفوا عزز موقعه كمراقب بارع للعواطف ومفاهيم المسؤولية (وفقدان السيطرة)، إضافة إلى الوجود في قاع الرغبة في الموت. فيلم آخر من فرنسا منتظر جداً بعد النجاح الكبير الذي أحرزه فيلم مخرجته السابقة في كانّ الماضي. الحديث عن "أم شابة" لسيلين سياما التي تشارك في برلين للمرة الثانية، علماً أن هذا عملها الروائي الخامس. من خلال التصوير السينمائي الخريفي المضيء لمديرة التصوير كلير ماتون، تلقي سياما نظرة ذات دقة شعرية على لحظة مهمة من الانتقال إلى مرحلة البلوغ، فاحصةً الأشياء من منظور أنثوي محض. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيلم الروماني رادو جود، "لوني بورن"، هو الآخر من الأعمال المنتظرة بحماسة شديدة: الحكاية عن مقطع فيديو ينتشر بكثرة يظهر فيه رجل وسيدة ملثمان يمارسان الجنس. بعد كشف هوية السيدة التي يتبين أنها مدرّسة (أي من المفترض أنها تجسّد الأخلاق الحميدة)، تُدان وتحاكم بلا أي رحمة على وسائط التواصل الاجتماعي حيث لكل شخص الحق في إبداء الرأي. بعد فيلمه الجدلي "لا أكترث إذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة"، عمل جدلي جديد لهذا الروماني الذي يوثّق القضايا التي تزعجه في بلاده رومانيا. وأخيراً، يأتينا من لبنان، البلد العربي الوحيد المشارك في المسابقة، فيلم "دفاتر مايا" للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج. تعيش مايا في مونتريال مع ابنتها المراهقة أليكس. عشية عيد الميلاد، تتلقى مايا صندوقاً يحتوي على المجلات والأشرطة والصور التي عهدت بها إلى صديقتها المقربة عندما غادرت لبنان قبل سنوات. ترفض مايا استلام الصندوق، لكن أليكس، العالقة في المنزل بسبب عاصفة ثلجية، لا تتمكن من مقاومة إغراء نبش ذكريات أمها سراً. فتكتشف تفاصيل مراهقة مضطربة قضتها في بيروت خلال الحرب. استناداً إلى تجربة شخصية وحميمية، مخرجا "بدي شوف" قدّما عملاً يواصلان فيه شغلهما على الذاكرة وتروما الحرب.

المزيد من سينما