Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نفهم تفاعلات مصر مع المشهد السوداني؟

اتهامات تلاحق القاهرة بالانحياز للمكون العسكري في الخرطوم

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال استقباله عبدالفتاح البرهان بالقاهرة في مايو 2019 (أ ف ب)

مع دخول تطورات المشهد في السودان أسبوعها الرابع، بعد قرارات قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بإقصاء المكون المدني من المرحلة الانتقالية، معلناً حل مجلسي السيادة والوزراء، وإعفاء الولاة، وتعليق بعض مواد الوثيقة الدستورية، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، والسيطرة على السلطة، وما تبعها من موجات احتجاجية واسعة، خرجت في الشوارع السودانية، رفضاً "للانقلاب العسكري"، لا يزال موقف القاهرة الرسمي "فاتراً"، وفق وصف كثير من المراقبين في التعاطي مع الأحداث السودانية، وسط تباين الآراء فيما يعده البعض "حياداً إيجابياً"، وآخرون يرون فيه "تضارباً وتخبطاً".

وأياً كان تقييم المراقبين لموقف القاهرة، التي تمثل الخرطوم بالنسبة لها عمقاً استراتيجياً وامتداداً جغرافياً تحكمه وحدة المصير والمستقبل، فضلاً عن تداخل العاصمتين في ملفات حيوية أمنية وسياسية، وعلى رأسها أزمة سد النهضة الإثيوبي، تبقى حقيقة أن دورها في السودان في الوقت الراهن لم يكن بالقدر ذاته الذي ظهر في الأحداث التي شهدتها جارتها الجنوبية خلال الربع الأول من عام 2019، وصولاً إلى لحظة إطاحة نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) من العام ذاته، وما تبعها من أحداث، إذ سرعت القاهرة من وتيرة التنسيق والتعاون مع الخرطوم، بغض النظر عن دور العسكريين أو المدنيين في السلطة.

وعليه، تُثار التساؤلات بشأن فهم تفاعلات القاهرة "الخجولة"، والتي جاءت في مجملها مغايرة لمواقف غالبية دول المجتمع الدولي المعنية في السودان، والتي نددت بشكل واضح بـ"الانقلاب العسكري"، ودعت البرهان إلى التراجع عن إجراءاته، والمطالبة بالعودة الفورية للمدنيين إلى السلطة، إذ تحدثت بيانات مصر الرسمية عن "أهمية تحقيق الاستقرار والأمن والازدهار"، و"ضبط النفس"، و"تغليب المصلحة العليا للوطن"، و"حماية وحدة الصف"، و"الحفاظ على المكتسبات" من دون اتخاذ أي موقف من أطراف المشهد السوداني.

"حياد إيجابي" أم "ارتباك"؟

بمجرد إعلان البرهان قراراته بالسيطرة على السلطة، أعلنت وزارة الخارجية المصرية "متابعتها عن كثب التطورات الأخيرة في السودان الشقيق"، مؤكدةً "أهمية تحقيق الاستقرار والأمن للشعب السوداني والحفاظ على مقدراته والتعامل مع التحديات الراهنة بالشكل الذي يضمن سلامة هذا البلد الشقيق"، مشددة على أن "أمن واستقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار مصر والمنطقة". 

وأضاف البيان، وفق ما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية، أحمد حافظ، أن مصر تدعو "كافة الأطراف السودانية في إطار المسؤولية وضبط النفس، إلى تغليب المصلحة العليا للوطن والتوافق الوطني"، مشيراً إلى اتصال هاتفي جمع بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، والمبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان، تم خلاله تناول التطورات الأخيرة في المشهد السوداني.

ومع إعلان الخارجية المصرية في أكثر من مرة مناقشة تطورات المشهد السوداني بين شكري وعدد من المسؤولين الدوليين المعنيين بالملف، خرج رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أواخر الشهر ذاته لتأكيد دعم بلاده لـ"الاستقرار" في السودان.

وإجمالاً، جاء موقف القاهرة على عكس ما دعت إليه أغلب العواصم الإقليمية والدولية. ففي 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، نشرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً مشتركاً صادراً عن السعودية والإمارات والولايات المتحدة، وبريطانيا، قالت فيه إن الدول المذكورة تؤكد موقفها الداعم للشعب السوداني، وأهمية دعم تطلعاته إلى أمة ديمقراطية وسلمية، داعية "إلى الاستعادة الكاملة والفورية للحكومة والمؤسسات الانتقالية بقيادة مدنية، وجميع الأطراف إلى السعي للتعاون والوحدة في الوصول إلى هذا الهدف الحاسم".

إلا أنه، وبحسب مصادر مصرية مطلعة تحدثت لـ"اندبندنت عربية"، كثفت القاهرة اتصالاتها مع الأطراف السودانية، لا سيما قيادات المجلس العسكري، في محاولة منها لاحتواء الأوضاع، والحيلولة دون انفجارها. وقال أحد المصادر في حديث مقتضب، إنه خلال التحرك المصري في السودان، طرحت القاهرة مبادرة على بعض الأطراف، وهي "اختيار شخصية مدنية متوافق عليها من قبل الأطراف، أو إعادة رئيس الوزراء المقال عبدالله حمدوك لقيادة الحكومة لامتصاص غضب الشارع، مع العمل على التوصل لاتفاق بين المدنيين والعسكريين لتقاسم الحقائب الوزارية".

ويعتبر المسؤولون المصريون أن السودان أكثر من مجرد دولة مجاورة، بل هو من أهم الدول المؤثرة في مصالح الأمن القومي المصري، بالنظر إلى الحدود البرية المشتركة، والتي تمتد إلى أكثر من ألف كيلومتر، وأهمية البحر الأحمر كممر مائي استراتيجي، وكونه يعد المسار الوحيد لقناة السويس، كما أن السودان ثاني بلدان مصب نهر النيل، إلى جانب مصر، وتجمع البلدين روابط تاريخية وثقافية ودينية مشتركة.

حذر القاهرة

بحسب مراقبين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية"، فإن تعقيدات المشهد الداخلي في السودان والسياقات الإقليمية، فضلاً عن حساسية الملفات والمصالح المشتركة هي من تحكم تفاعلات الدور المصري في المشهد السوداني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول عمرو الشوبكي، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، "في الأزمة السودانية الأخيرة، وجدنا بعض الدول تميل بمواقفها للحذر، خشية أن يبدو موقفها منحازاً لأحد الأطراف، وذلك نظراً لتعقيد الوضع الداخلي وتشابك المصالح"، مضيفاً، "في تقييمي، يستند الموقف المصري على الحرص على استقرار السودان، وخشية أن تقود أي اضطرابات وأحداث عنف داخلية إلى فوضى وعدم استقرار لا تهدد السودان فحسب، بل تمتد آثارها إلى الدول المجاورة".

ويتابع الشوبكي، "الحذر في الموقف المصري يأتي من التخوف المسبق من انخراطها في المشهد السوداني من قبل بعض الأطراف السودانية، التي ترى أن مصر منحازة بالضرورة إلى المكون العسكري على حساب المكون المدني"، مشيراً في الوقت ذاته إلى "ضرورة أن تنخرط مصر بالمساحة ذاتها مع جميع الأطراف، وتؤيد بشكل واضح في مرحلة لاحقة ما ينادي به الشعب السوداني".

ويوضح الشوبكي، "لا تستطيع القاهرة أن تتجاهل الاحتجاجات الواسعة الرافضة لإجراءات البرهان، لكن في المقابل لا يمكنها غض الطرف عن التعاطي مع قائد الجيش الذي يعد طرفاً رئيساً في المعادلة السودانية، وهو في النهاية ما قاد إلى عدم قدرة القاهرة على تبني رؤية واضحة تجاه الأحداث".

من جانبه، يرى السفير فرغلي طه، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن مصر "لا يمكن أن تكون غائبة عن المشهد السوداني بأي حال من الأحوال، لأن ما يربط البلدين وحدة المصير والجغرافيا، وعليه يبقى السودان مسألة أمن قومي بالنسبة للقاهرة". 

ويضيف، "هناك حساسية دائمة لدى بعض الأشقاء في السودان إزاء أي تدخل مصري، ولو كان لمصلحة جميع الأطراف"، مشيراً إلى أن "ما يحرك السياسة المصرية في الوقت الراهن تجاه الأحداث في السودان هي مصالح مصر العليا، وضرورة المحافظة عليها". 

في المقابل، يعزو أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، حسن نافعة، "الحذر" المصري إلى "الاتهامات المتزايدة في الداخل السوداني بشأن تعاون القاهرة مع القادة العسكريين في الانقلاب على المكون المدني". 

ويوضح، "بسبب هذه الأنباء أصبح الموقف المصري محرجاً، وبدأت القاهرة تتراجع قليلاً مع تطورات الأحداث، وتعيد تموضعها باعتبارها طرفاً محايداً، وليس منحازاً لأحد".

وبحسب نافعة، "تدرك أغلب الأطراف الداخلية والخارجية أن مصر تميل إلى أن يكون هناك حكم عسكري في الجارة الجنوبية، لسهولة التعاون والتنسيق"، مؤكداً أنه "لا يمكن لطرف خارجي حسم الموقف في السودان سوى الشعب صاحب الخبرة الطويلة في الثورات والانقلابات".

وفي نهاية الشهر الماضي، كتبت صحيفة "لوموند" الفرنسية تقول، إن استيلاء الجيش السوداني على السلطة يؤكد نفوذ مصر لدى الجنرالات في هذا البلد، معتبرة أن مع تركز القوة الآن في يد البرهان، فإن تهديداً بالانفجار الداخلي آخذ في الظهور بالسودان. 

المزيد من تقارير