Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس تبحث الحصول على تمويل جديد من صندوق النقد الدولي

اقتصاديون: البلاد تمر بأزمة مالية "خانقة" وحزمة الإصلاحات باتت ضرورية

التونسيون يعانون أوضاعا اقتصادية صعبة وسط أزمة مالية خانقة   (أ ف ب)

طلبت تونس رسمياً الحصول على تمويل جديد من صندوق النقد الدولي ضمن مطلب وجهته رئيسة الحكومة نجلاء بودن إلى المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا الأسبوع الماضي.

ويعد هذا المطلب عودة رسمية للمفاوضات بين الجانبين بعد تعثر دام عدة أشهر نتيجة الأوضاع السياسية التي مرت بها تونس، وأهمها الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس تونس قيس سعيد يوم 25 يوليو (تموز) بتعليق أعمال البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، رافقتها إجراءات أكثر صرامة يوم 22 سبتمبر (أيلول) 2021 بتعليق جُل فصول الدستور التونسي.

واتفقت السطات الاقتصادية والمالية التونسية وبعثة من صندوق النقد الدولي على أهمية التوجهات الاستراتيجية للحكومة التي سيتم إدراج بعضها خلال مشروع قانون المالية لسنة 2022، والكفيلة بإرسال إشارات قوية إلى الممولين الدوليين والمستمرين في الداخل والخارج.

وأجرى وفد اقتصادي ومالي تونسي ضم مروان العباسي، محافظ البنك المركزي التونسي، وسمير سعيد، وزير الاقتصاد والتخطيط، وسهام نمصية، وزيرة المالية، محادثات عن بُعد يوم الخميس الماضي، مع بعثة من صندوق النقد الدولي يترأسها جهاد أزعور، مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسيط بصندوق النقد الدولي.

وفي هذا الإطار، أفاد المركزي التونسي، أمس السبت، بأن المحادثات ضمت كذلك كريس جيرغات، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي بتونس، وجيروم فاشير، الممثل المقيم للصندوق بتونس، وحسين الحسيني، ممثل تونس لدى الصندوق.

وأكد "المركزي" التونسي، "أن الاجتماع يندرج في إطار مواصلة المحادثات الفنية بين صندوق النقد الدولي والسلطات التونسية، وقد تناولت التطور الاقتصادي والنقدي في تونس". وبحث اللقاء الإصلاحات الاقتصادية المبرمجة من طرف الحكومة، التي يمكن أن تلقى دعماً من الشركاء الدوليين، بخاصة صندوق النقد الدولي. وأجمع المشاركون، في اللقاء، على أهمية شراكة كل الأطراف الفاعلة على المستوى الوطني لتنفيذ حزمة الإصلاحات المطلوبة.

وكان مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، قد أفاد يوم 19 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، "بأن الصندوق في تواصل دائم مع السلطات التونسية لتوفير المساعدة الفنية، وهو يراقب الوضع في البلاد للحصول على مزيد من المعلومات حول خطة الإصلاحات".

 وقال أزعور، خلال مؤتمر صحافي، "عن آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وآسيا الوسطى، "إن الصندوق يدعم تونس ومستعد لتقديم المساعدة الإضافية حتى يمكن البلاد من مواجهة التحديات الاقتصادية والتأثيرات الضخمة الناجمة عن جائحة كورونا".

وتوقع صندوق النقد الدولي، وفق تقريره، حول "آفاق الاقتصاد العالمي"، الصادر يوم 12 أكتوبر الماضي، "نمو الاقتصاد التونسي بنسبة 3.3 في المئة في عام 2022".

أمر حيوي لتونس

ويجمع الاقتصاديون على أن عودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي تعد أمراً حيوياً للبلاد في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها، ودخولها في نفق مظلم من الصعوبات لم تعرف بعد كيف تخرج منه.

ويرى المحللون، "أن صندوق النقد الدولي ظل الملاذ الأخير لتونس في ظل انسداد كل آفاق التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف للحصول على التمويلات المالية الضرورية لإنهاء السنة المالية الحالية والشروع في إعداد موازنة العام المقبل".

ولم يعد بإمكان تونس في هذا الظرف الخروج عن الأسواق المالية الدولية للحصول على قروض جديدة في ظل تصنيفها المتدني من طرف وكالات التصنيف الدولية، وآخرها "موديز" التي صنفتها في درجة "بلد مرتفع المخاطر المالية"، ما يعني أنها حتى لو وجدت مقرضين، فإن نسب الفائدة ستكون مرتفعة جداً، وتفوق 15 في المئة.

واستحسن معز الجودي، الباحث الاقتصادي، استئناف المفاوضات مع الصندوق، معللاً ذلك بأنه "لم يعد هناك على المدى القصير حلول أخرى إلا إبرام اتفاق تمويلي اعتبره عاجلاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد "أن أغلب المانحين الدوليين لن يمنحوا تونس سنتاً واحداً إلا بمباركة صندوق النقد الدولي" متوقعاً في الآن ذاته "أن المفاوضات الجديدة لن تكون سهلة بالارتكاز على مسألة يراها مهمة تتمثل في كيفية تثبت الصندوق من فاعلية الإصلاحات الاقتصادية المزمع تنفيذها من البلاد، وتتطلب توافقاً وطنياً واستقراراً سياسياً وحكومياً، علاوة على إرساء استراتيجية ومخطط عمل يمتد على الأقل على خمس سنوات".

وضع مالي حرج

وتعرف تونس في السنوات الأخيرة وضعاً اقتصادياً صعباً بانحدار جُل المؤشرات إلى مستويات دُنيا، تعمق أكثر بإضافة أزمة مالية خانقة جعلت البلاد عاجزة في الأشهر الأخيرة عن إيجاد الموارد الضرورية لإغلاق عام الحالي، ما اضطر الحكومة الحالية إلى إصدار رقاع الخزينة قصيرة الأجل من البنوك للحصول على الموارد المالية الضرورية لتأمين أجور الموظفين بخاصة.

وتتوقع موازنة تونس لعام 2021 اقتراض 7.2 مليار دولار، تشمل قروضاً أجنبية بنحو خمسة مليارات دولار. وتقدر مدفوعات الديون المستحقة هذا عام بنحو 5.75 مليار دولار.

وزاد الوضع حدة في المدة الأخيرة بشح السيولة المالية للدولة التي دفعت إلى الاقتراض من البنوك عبر إصدار رقاع الخزينة قصيرة المدى لأجل الإيفاء بمستحقات عاجلة أهمها تسديد أجور الموظفين مع الإيفاء بسداد ديون أجنبية حل موعد سدادها.

وتعود آخر جولة مفاوضات بين الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي إلى الزيارة التي أجراها وفد رفيع المستوى من 3 إلى 8 مايو (أيار) 2021 بقيادة وزير الاقتصاد في حكومة هشام المشيشي المعفى من مهامه يوم 25 يوليو (تموز) 2021، علي الكعلي.

وصرح رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي في 30 أبريل (نيسان) 2021 في تلك الفترة بأن تونس تسعى إلى برنامج قرض بنحو 4 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي على ثلاث سنوات مقابل حزمة إصلاحات اقترحتها الحكومة بهدف إنعاش اقتصادها العليل.

يذكر أن صندوق النقد الدولي وتونس توصلا، خلال مايو 2016، إلى إبرام اتفاق "تسهيل الصندوق الممدد"، الذي مكّن الأخيرة من الحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار يمكن سحبه على أقساط مقابل تنفيذ السلطات التونسية حزمة إصلاحات الاقتصادية أهمها تخفيض كتلة أجور الموظفين من إجمالي الناتج المحلي.

وتسعى تونس، وفق المراقبين، إلى التوصل إلى اتفاق جديد من صندوق النقد الدولي لتمويل ميزانية الدولة لسنة 2022، بخاصة في ظل حاجتها إلى تمويلات بالعملة الصعبة. 

العودة إلى المسار الديمقراطي أهم شرط

وفي تعليقه على عودة المفاوضات بين تونس وصندوق النقد الدولي قال رضا الشكندالي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، "إن هذه العودة تعكس تقريباً انسداد آفاق التعاون المالي الثنائي مع عدد من الدول الشقيقة لتونس التي أعربت في السابق عن مساعدتها". وأضاف، "أن تونس لم يعد بإمكانها الخروج عن الأسواق المالية لتعبئة الموارد المالية، وهي مقدمة على إعداد مشروع موازنة العام المقبل، من دون الحصول على ضمان أميركي الذي يشترط، وفق رأيه، وجوب العودة إلى المسار الديمقراطي في تونس، وخصوصاً عودة نشاط البرلمان المجمدة أعماله منذ أكثر من ثلاثة أشهر". وشدد على أن الموارد المالية الداخلية (أساساً تحصيل الضرائب) لا تكفي لتعبئة الموارد المالية الضرورية، ولذا يتعين على تونس اللجوء إلى التمويل المالي الدولي.

وعن حزمة الإصلاحات التي قد يفرضها صندوق النقد الدولي على تونس أبرز الشكندالي، "أن الإصلاحات قديمة، وتتمثل أساساً في إصلاح منظومة الدعم والتقليص من كتلة الأجور، وإصلاح المؤسسات العمومية"، مرجحاً "إضافة شرط آخر سياسي، وهو عودة المسار الديمقراطي بعودة اشتغال البرلمان".

وفي هذا الصدد، لاحظ "أن آخر تقرير لصندوق النقد الدولي حول تونس كان قد اشترط أن يقع توافق وطني حول مجمل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المزمع تطبيقها، بشراكة كل المنظمات الوطنية والمصادقة على هذه الإصلاحات من طرف البرلمان، المعطلة أعماله في الوقت الراهن".

واعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية اعتزام رئيس الجمهورية في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، "أن اختصار الآجال الاستثنائية يُعد إشارة واضحة للمجتمع الدولي والمانحين الدوليين بقرب انتهاء التدابير الاستثنائية وعودة المسار الديمقراطي بإرجاع البرلمان لنشاطه".