Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ناصيف نصار يحرر الفلسفة من التأويل اللاهوتي

في كتاب "مقالة في الوجود" يناقش شارل مالك ويعيد الاعتبار إلى الإنسان بموقعه المركزي

الفيلسوف اللبناني ناصيف نصار (مركز دراسات الوحدة العربية)

لعل الإشكال الأساسي الذي كان ولا يزال الباعث والمحرك لكل المسائل الخلافية في الفكر العربي الحديث والمعاصر، والذي ما فتئ إلى الآن محور السجال الفلسفي والأيديولوجي والسياسي هو "الإنسان" ودوره وموقعه في الكون والمجتمع والمدى الذي يمكن أن تصل إليه إمكاناته، وحقه في اختيار الأنسب والأصلح لوجوده الإنساني.

في ضوء هذا الإشكال التاريخي يجب أن تفهم إسهامات ناصيف نصار الفلسفية التي أتى كتابه "مقالة في الوجود" استمراراً وتأكيداً لها. فقد دأب نصار في كل مؤلفاته على تأكيد مكانة العقل الإنساني وحريته، ودحض الأفكار والأيديولوجيات والعقائد التي حاولت تقييده واستتباعه على نحو ينزع دوره الفاعل في الكون والمجتمع، ويقلص بالتالي مجال الفلسفة والتفكير الفلسفي، مهمشاً موقع الإنسان كفاعل مركزي في الوجود السياسي والاجتماعي.

من هذا المنظور الفلسفي بالذات يطرح نصار في "مقالة في الوجود" مركز دراسات الوحدة العربية، موقفه الفلسفي المتعارض في العمق مع موقف شارل مالك كما تجلى بشكل خاص في كتابه "المقدمة" التي لا يمكن تجاهل ما تحمله من إسهام فلسفي حقيقي. ففيها كما يرى نصار، موقف فلسفي واضح وموقف من الفلسفة، وليست سيرة ذاتية بالمعنى المألوف للكلمة.

الذات المفكرة


إزاء شارل مالك الذي يظهر نزعته القائمة على مبدأ أسبقية الوجود على المعرفة ويقول بارتباط الفكر ارتباطاً أصلياً بالوجود، معلناً انحيازه إلى أرسططاليس ونفوره من ديكارت الذي خرب بالـ"كوجيتو" البناء الفلسفي الذي كان سائداً قبله، لأنه جعل الذات المفكرة، بدلاً من الموجودات الكائنة، محور كل شيء. إزاء طروح كهذه، يرى نصار أن الفلسفة الأقوى هي الفلسفة المتطلعة إلى ما بعد الكوجيتو لا إلى ما قبله، الفلسفة التي تستوعبه من دون تفريط بمكانته وعظمته. الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في فلسفة السيطرة التي ترتكز عليها فلسفة الكوجيتو، وليس في فلسفة الكوجيتو التي أثبتت فاعلية الفكر في مجال المعرفة، وتجاوز هذه الفاعلية عملية التجريد والاستدلال المنطقي التي كانت سائدة في الفلسفة التقليدية وكانت ترى فيها عماد المعرفة.

 في السؤال عن أصل الكون، يطرح مالك الفوارق العميقة بين ما يسميه "الذهنية الإبراهيمية" وما يسميه "الذهنية الإغريقية" لينتهي إلى أنه لا يمكننا بالعقل وحده الوصول إلى التوحيد الشامل المطلق، ولا مناص لمن ينشد هذا التوحيد من تجاوز العقل الفلسفي والاتجاه نحو الدين الإبراهيمي لأنه يرد الكون كله إلى مبدأ واحد منفصل عنه وكامن فيه، هو الله خالقه، وما عدا ذلك لا يقدم سوى "واحدية زائفة". بينما يرى نصار أن هذا التفكير ليس إلا محاولة أخرى لوضع الفلسفة تحت اللاهوت وتحت إشرافه. فتقديم النظرة الإبراهيمية، الأطروحة التي يتمسك بها مالك، يعني استقراراً في اللاهوت، واستتباعاً للفلسفة مع ما لهذا الموقف من مستلزمات ونتائج خطيرة، لا على مستوى الفلسفة وحسب، بل على مستوى جميع الشؤون النظرية والعملية في حياة البشرية، وبخاصة تاريخ الشرقين الأدنى والأوسط. ما يدفع إلى التساؤل عن مدى أصالة النزعة الفلسفية لدى مالك، ذلك أن كل فيلسوف لا يمكنه تجاهل سعي الفلسفة عند الإغريق للتحرر من هيمنة الميتولوجيا وسعيها في أوروبا الحديثة للتحرر من هيمنة اللاهوت والدين. فالمسألة إذاً هي مسألة استقلال الفكر الفلسفي وأصالة السؤال الفلسفي والبحث الفلسفي وإسهام الفلسفة في حياة الإنسان. فهل كان مالك بهذا المعنى مدافعاً عن استقلالية الفكر الفلسفي، ومندفعاً إلى الإسهام في تطوره وتقدمه؟

الوجود والكينونة


ويتناول المؤلف مفهوم الوجود عند مالك فيرى أن الوجود في نظره يقرب من الكينونة، والموجودات تكاد تكون مرادفة للكائنات مع أن مفهوم الوجود أصح لوصف الفرد البشري الحي في علاقته بذاته وبالعالم حوله. وفي حين يرى مالك أن فعاليتنا تجاه ظهورات الوجود لا تتعدى الانفعال بها والرؤية الواصفة لها بفعل نور ما صادر عنها، يرى نصار أن الفلسفة الظهورية ليست هي الفلسفة التي يتوق إليها وأن النقطة المركزية التي تباعد بينه وبينها "إنما هي العقل ودوره في معرفة أشياء الوجود". إذ إن التسليم باستقلالية الوجود وأسبقيته على الفكر في تأويل مالك للفلسفة الظهورية يقلص الفكر ويرجع أفعال العقل إلى الإصغاء والحفظ والشهادة. لكن للفكر فاعلية خاصة يخطئ من يجهلها أو يتجاهلها أو يقلل من دورها، وهذه الفاعلية مصدر لنور يخطئ من لا يقدّر أهميته في طلب الإنسان للحقيقة.

هذه البديهيات التي تأكدت بفضل إنجازات الفلسفة الأوروبية الحديثة يصر مالك على تجاهلها كأنه لا يعارض فقط فلسفة الكوجيتو والفلسفة المثالية الألمانية بل كل فكر ينتمي إلى حركة التنوير بمعناها الواسع.

على الضد من هذه الرؤية المالكية يطرح نصار رؤيته المؤكدة لدور الكائن الإنساني الذي لا يكتفي من الوجود برؤيته والشهادة له، بل يحقق الوجود بتجسيد بعض ظهوراته في كيانه وحياته. وهنا يكمن التناقض الرئيسي بين مالك الذي يعتبر فعل "وجد" الموضوع الأساسي للفلسفة ونصار الذي يعتقد أن فعل "أوجد" أهم وأخطر. أن الحاسم والمهم في البداية والنهاية في رأي مالك هو وجدان الوجود، والانطباق أو المواءمة بين العقل والموجودات هو معيار الصواب والخطأ كما كانت الفلسفة تقول في التقليد الأرسططاليسي، بينما يرى نصار أن مالك بهذا الموقف إنما يستبعد من مفهومه للوجود ما هو ممكن وما هو متخيل وما هو مستقبلي ويقرر أن يحصر الوجود في نطاق ما هو موجود بالفعل. وهذا قرار خطير من شأنه أن يقودنا إلى تصور ناقص لوجود الإنسان من حيث إنه كائن فاعل، ومن شأنه بالتالي أن يقودنا إلى تصوّر للحقيقة يهمل فاعلية الإنسان في تشكيلها واستكمالها.

وجدان الحقيقة ودورها


ومع أن نصار يقر مع مالك بحقيقة الأشياء المستقلة عنا، لكنه يرى أن معرفة هذه الحقيقة القائمة في الأشياء لا يحصل بمجرد انعكاسها في الفكر عبر الحواس وليس حاصلاً بمجرد نشاط الفكر بحسب قواه الخاصة. الفكر ليس مجرد مرآة والأشياء ليست مجرد تصورات. ومن هنا يرى نصار أنه لا يوجد تناقض كامل بين وجدان الحقيقة وبين إيجادها من خلال الدور البنائي الإيجادي للتفكير بحيث يصح القول بأننا نجد الحقيقة بقدر ما نوجدها.

أن الضعف المنطقي لمالك، في رأي نصار، قوامه خطأ في تقدير مكانة الإيجاد في الوجود الإنساني، وهذا أساس التناقض بينه وبين نصار الذي يرى أن الإنسان كائن فاعل، ومن كونه فاعلاً يجب الانطلاق لفهم كونه واجداً الموجودات الحاصلة بالفعل، ولفهم كونه موجداً الموجودات التي بها يحقق أحلامه ويتم وجوده، ليس فقط من اأجل "متعة اللحظة التأملية" التي جعلها مالك هدفاً لوجدان الحقيقة بل من أجل انتصار الحياة وازدهارها وارتقائها.

إن فلسفة الإيجاد الفاعلة في الحضارة المعاصرة واكتساحها للمفاهيم القديمة عن الحقيقة لا يكفي معها التذكير، كما يفعل مالك، بأن التفكير الشرقي قد تعالى فوق كل أشكال الإيجاد وتوصل إلى فكرة الله الخالق من العدم، في حين توقف التفكير الغربي عند المبدأ القائل إن شيئاً لا يخرج من لا شيء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هنا ينكشف تناقض آخر أساسي بين مالك ونصار حيث معرفة الإنسان لذاته وتحقيقه لها إنما هما في رأي نصار مسألة تاريخية، إذ إن الإنسان كائن تاريخي يحقق ذاته ويزيل الغربة عن ذاته بقدر ما يحقق ذاته. وهو لا يفعل ذلك إلا لأنه "كائن تاريخي يعي ذاته مشروعاً لذاته" بينما الحقيقة لدى مالك معطى قبلي، النهاية موجودة عنده منذ البداية، وما بينهما ليس سوى جهد متواصل ومتعدد المستويات للاستزادة والتوسع والإحاطة والتعمق.

هكذا تكتمل صورة التناقض بين مالك ونصار، بين فكر يسعى لاستتباع الفلسفة والعقل ويحيل الإنسان إلى منفعل سلبي محكوم بما يتخطاه ويفرض نفسه عليه، وبين فكر يجعل من الإنسان مالك مصيره وسيده، ومن الحقيقة واقعاً تاريخياً يجسده العقل الإنساني في التاريخ، بين فلسفة تضع الإنسان على هامش التاريخ أو خارجه وفلسفة تجعله محرك التاريخ ومبدعه وجوهره.

"مقالة في الوجود" إسهام فلسفي في معركة التنوير يضاف إلى إسهامات ناصيف نصار المميزة في الدفاع عن فكر الحداثة الذي تتهدده الأصوليات المتيقظة بالارتكاس إلى القرون الوسطى وفكرها الظلامي.

المزيد من ثقافة