مئات الأوروبيين من رجال إطفاء وكهنة ومتقاعدات ... يدخلون السجن لتضامنهم مع اللاجئين

أظهرت بحوث ازدياداً حاداً في عدد الأشخاص الذين تمّ تجريمهم لتقديمهم الطعام والمأوى ووسائل النقل وسواها من "اللفتات الإنسانية" إلى طالبي اللجوء في أنحاء أوروبا

لاجئة صومالية تعيش في العراء شمال باريس 10 مايو 2019 (أ.ف.ب) 

أُفيد أن رجال إطفاء وكهنة ونساء مسنّات كانوا بين مئات الأوروبيين الذين تعرضوا للاعتقال أو التحقيق لإظهارهم بعض "التضامن" مع اللاجئين وطالبي اللجوء على مدار الأعوام الخمسة الماضية، علماً أن عدد هذه القضايا سجل ارتفاعاً حاداً خلال الـ 18 شهراً الماضية، وذلك حسبما تشير بحوث جديدة.

فقد كشفت البيانات التي جمعها موقع الأخبار العالمي "أوبن ديموكراسي" OpenDemocracy أنّ 250 شخصاً في أنحاء أوروبا قد أوقفوا أو جُرّموا بسبب تقديمهم الطعام والمأوى ووسائل النقل وسواها من "اللفتات الإنسانية" للاجئين.

وفي 2018، قفز عدد هذه القضايا بشكلٍ ملحوظ مع تسجيل أكثر من 100 قضيّة جديدة، أي ضعف ما شهده العام 2017. واشتملت غالبيّة الحالات في عام 2018 على الاعتقال وتوجيه التهم إليهم لتزويدهم الطعام أو وسائل النقّل أو ما شابهها  من المساعدات الانسانية الخالصة للاجئين الذين لا يملكون أوراقاً قانونية.

ومن بين الحالات التي أُلقي عليها الضوء، واحدة تخص رجل إطفاءٍ اسباني يواجه حكماً بالسجن قد يصل إلى 30 عاماً لإنقاذه مهاجرين من الغرق في البحر في اليونان، وأخرى تتعلق بمزارع زيتون فرنسي أعتُقل لإطعامه اللاجئين وإيوائهم على الحدود الإيطالية، وثالثة بطلتها جدّة دانماركية في السبعين من عمرها تمّت إدانتها وتغريمها لأنها عرضت نقل أسرة تضمّ طفلاً صغيراً بسيارتها.

وقالت جمعيات حقوق الإنسان إن هذه الحملة التي قادتها السلطات الأوروبية ضدّ عمل الأفراد والمنظمات غير الحكومية لمساعدة طالبي اللجوء واللاجئين هي "ضدّ حكم القانون"، وحثّت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي " على تجديد التزامها بحقوق الإنسان والقيم الأوروبية".  وحذّرت من أن أعداد الموقوفين بتهم كهذه ستتزايد بوتيرة أكبر في القارة إذا حقّقت أحزاب اليمين المتطرّف مكاسب كبيرة في الانتخابات الأوروبية المقبلة التي تشكّل فيها قضايا اللجوء والهجرة مسائل خلافية أساسيّة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء ذلك بعد أن دعت منظمة العفو الدولية الحكومات الأوروبية إلى وقف "تجريم المدافعين عن حقوق الإنسان"، وذلك بعد اعتقال المواطن البريطاني توم سيوتكوسكي الذي يواجه عقوبةً بالسجن تصل إلى خمس سنوات في سجنٍ فرنسي وغرامة مالية قدرها 7500 يورو لقيامه بتوثيق إساءة الشرطة للاجئين في كاليه.  ودعت منظمة حقوق الإنسان إلى إسقاط كافة التهم الموجّهة إلى الرجل البالغ من العمر 30 عاماً معتبرةً إياها "مجحفة" و"ترمز" إلى المضايقة والترهيب التي يواجهها المتطوعون في شمال فرنسا.

واعتبرت أليزا دو بييري، الباحثة في منظمة العفو الدولية، أنّ السلطات الأوروبية تحاول "منع المتطوّعين من تقديم الحدّ الأدنى ممّا يحتاجه الناس للبقاء على قيد الحياة"، علماً هذا التوجه بدأ مع قرار إيطاليا حظر دخول قوارب اللاجئين إلى مرافئها.

وأضافت دو بييري موضحة أن "هذا الأمر وجّه رسالةً قويّة وخاطئة جداً، مفادها أنّ المنظمات غير الحكومية تقوم بعملٍ خاطىء. وبات حالياً هذا الموقف رائجاً في البلدان الأخرى التي لا تقع على الواجهة البحرية في الجنوب". وتابعت " أخذ هذا الأمر يرسم صورةً سلبية عن المنظمات غير الحكومية والدعم الإنساني، وهذا ما صبّ في مصلحة اليمين المتطرّف وترك أثراً سلبياً. هنالك فارق بين تهريب الاشخاص وبين مساعدة أولئك الذين لا يملكون الضروريات الأساسية للعيش."

وتفيد البحوث الجديدة التي تستند إلى تقارير إخبارية ومعطيات جمعتها المنظمات غير الحكومية في أوروبا ومصادر أخرى على شبكة الانترنت، أن أشخاصاً تعرضوا للاعتقال أو التحقيق أو التهديد بالسجن أو الغرامات في 14 دولة أوروبية منذ العام 2015. وكانت غالبية هذه الحالات في ايطاليا واليونان وفرنسا والمملكة المتحدة واسبانيا والمانيا والدنمارك. من المعتقد أنّ معظم الحالات المماثلة الموزعة على  أنحاء أوروبا باتت موثقة ، غير أنّ ناشطين  يقولون إنّ الحالات التي تم الكشف عنها قد تكون أشبه برأس الجبل الجليدي فحسب ولاسيّما أن هناك  الكثير من الحالات المشابهة التي لم يستطع الباحثون المعنيون الكشف عنها.

وقالت دونجا مياتوفيتش، مفوضة حقوق الإنسان في منظمة "المجلس الأوروبي" المعنية بحماية حقوق الانسان، إن من "المقلق" رؤية "الضغط والقيود المتزايدة" التي تفرضها الدول الأوروبية على عمل الأفراد والمنظمات غير الحكومية التي تساعد اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين. وأردفت "إنّهم يواجهون أعباءً إدارية تجعل عملهم مستحيلاً كما تتعرض صورتهم للتشويه من خلال مزاعم سياسية مضللة، وقد يجدون أنفسهم أمام المحكمة متهمين بارتكابات جنائية". وزادت "عوضاً عن تضييق الخناق على أولئك الذين يساعدون اللاجئين على عيش حياة كريمة، يتوجّب على الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي أن تكون أكثر جديّة في تطبيق المعايير التي تم الاتفاق عليها ووضع حقوق الإنسان ومبدأ تشارك المسؤولية في صلب سياساتها المتعلقة باللجوء والهجرة. لقد حان الوقت لكي يجدّد القادة السياسيون في الدول الأعضاء التزامهم بحقوق الإنسان وحكم القانون والقيم الأوروبية. إنّه واجب قانوني وأخلاقي على حدّ سواء."

أما جوش هالام المدير الميداني لمنظمة "مساعدة اللاجئين" Help Refugees ومقرّها منطقة كاليه الفرنسية، فرأى أنّ "تجريم" المتطوعين الذين يحاولون مساعدة الناس هو أمر "مقلق"، وأعرب عن خشيته من "تصعيد" في هذه الممارسات في جنوبي فرنسا. وأضاف "واجه متطوّعونا تهماً تتضمّن التشهير والاعتداء والتحقير لتسليطهم الضوء على عنف الشرطة والمعاملة الرهيبة التي يلقاها اللاجئون والنازحون على أيدي السلطات التي يجب أن تتكفل بحمايتهم". وتابع موضحاً أن "توجيه التهم ضدّ المتطوّعين هو مجرد جزء من الجهود التي تُبذل لتثبيط عزيمة الأشخاص الذين يودّون مساعدة المهجرين. ووثّق المتطوّعون حالات التخويف والمضايقة والمراقبة غير المبررة والغرامات السخيفة والتهديد بالاعتقال والاعتداء والعنف النشط وهي كلّها ممارسات لا تزال تحصل هنا باستمرار. لقد أصبحت معاملة المتطوّعين على هذا النحو متجذّرة لدرجة أنّها باتت تشكّل جزءاً من التدريب الذي يخضع له المتطوّعون الجدد قبل ذهابهم للعمل في كاليه".

وكانت دول في أنحاء القارة الأوروبية قد جرّمت الأفعال التي تسهّل اللجوء غير القانوني، بما فيها المساعدة المباشرة أو غير المباشرة على الدخول إلى البلاد أو التنقّل أو السكن فيها من دون أوراق لجوء صالحة، وذلك من خلال تقديم المسكن والطعام والمأوى والمساعدة في التنقّل.

وفي بعض الحالات، كانت هذه القوانين موجودة منذ سنواتٍ طويلة، ولكنّها صارت تُطبّق حالياً بصرامةٍ متزايدة من قبل قادة اليمين المتطرّف وفق ما يورده البحث.

© The Independent

المزيد من الأخبار