Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

توجه جديد للدبلوماسية الجزائرية بعيدا عن فرنسا

فرق بين أن تؤسس دولة سياستها على "الأوتونوميا" وأن تبحث عن قوة عظمى تسقط في أحضانها

رئيس مالي أسيمي غويتا يستقبل الوزير رمطان لعمامرة في باماكو (التلفزيون الجزائري)

يشهد محور الجزائر- مالي نشاطاً دبلوماسياً كبيراً، إذ عادت الحيوية بين البلدين منذ قدوم رمطان لعمامرة على رأس الخارجية الجزائرية، وعلى الرغم من أن هذا الأخير يعتبر مهندس "اتفاق الجزائر" للسلم والمصالحة بين الماليين، غير أن عودته يبدو أنها غيرت معطيات إقليمية عدة قد تتوسع إلى دولية.

تحرك مكثف

تحرك مكثف لوزير الخارجية لعمامرة في مالي، لم يتوقف منذ الانقلاب الأخير في هذا البلد المنهار، حيث بات يعقد لقاءات متواصلة مع السلطة الجديدة، ومسؤولين في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، تشمل المشاكل الداخلية السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية، وأيضاً الخارجية.

ولعل اتفاق السلم والمصالحة، الموقع في الجزائر عام 2015، وكذلك الوجود العسكري الأجنبي، بخاصة الفرنسي، من أهم الملفات التي يتم التطرق إليها خلال لقاءات الوزير لعمامرة مع الأطراف المالية، على اعتبار أنه يتحدث بصفتين اثنتين، الأولى مبعوثاً خاصاً للرئيس عبد المجيد تبون، والثانية "قائد الوساطة الدولية" في الأزمة المالية.

ظروف استثنائية

ويعتبر النشاط الذي تشهده الدبلوماسية الجزائرية ضرورة فرضتها ظروف استثنائية تمر بها البلاد والمنطقة من حيث ازدياد حجم التحديات التي تواجهها، كما أنه يعود إلى أهمية تنشيط دور الدبلوماسية الجزائرية في المحافل الدولية كقوة فاعلة إقليمياً ودولياً، بخاصة أن البلاد عادت إلى تفعيل دبلوماسيتها التقليدية، مستفيدة من سمعتها كصانعة سلام وخبرتها في التعامل مع الإرهاب والمصالحة.

وما يجعل التحرك الجزائري لافتاً، تزامنه والأزمة الدبلوماسية مع فرنسا التي أثارتها تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون المستفزة للجزائريين الذين قاموا بالرد السريع وحظروا عبور الطائرات العسكرية الفرنسية باتجاه مالي، كما أنه جاء في خضم معركة سياسية بين باماكو وباريس بسبب تقارب مالي روسي، أدت إلى اندفاع الرئيس الفرنسي مرة أخرى، بحديث أغضب الماليين الذين قاموا باستدعاء السفير الفرنسي لدى باماكو من أجل الاحتجاج، وهو المشهد الذي يعبر عن الحقيقة التي تحاول فرنسا إخفاءها، المتمثلة في ضياع مناطق نفوذها تدريجاً.

نضال يستبدل هيمنة بأخرى

وتعليقاً على عودة الدبلوماسية الجزائرية إلى منطقة الساحل، قال الباحث في الشؤون المغاربية، سعيد هادف، إن نضال البلدان الأفريقية في سبيل التحرر من الهيمنة الفرنسية ليس جديداً، كما أن هذا النضال يختلف من بلد إلى آخر من حيث الجودة والعزيمة، غير أن هذا النضال في عمومه بدل أن يسعى إلى "الأوتونوميا" نجده يستبدل هيمنة بهيمنة أخرى، وأضاف أن هناك فرقاً بين أن تؤسس دولة سياستها على "الأوتونوميا" وأن تبحث عن قوة عظمى تسقط في أحضانها لكي تتخلص من القوة المهيمنة السابقة، وهو ما يحدث مع معظم البلدان الأفريقية للأسف، وقال إن دولة مالي مثلاً، وسعياً منها للتخلص من النفوذ الفرنسي استعانت بروسيا، لكن هل هذا يعني أنها ستصبح دولة قادرة على إدارة شؤونها بنفسها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أضاف هادف أنه بخصوص العلاقة الجزائرية - المالية، هناك أكثر من رابط بين البلدين، غير أن أهمها الجغرافي بحدود تمتد على مسافة تبلغ 1359 كيلومتراً، ملغمة بكل الأخطار، فضلاً على أن مالي تنتمي إلى محيط إقليمي يعاني من العديد من الأزمات، الأمر الذي يستوجب تعاوناً وتنسيقاً بين البلدين، مشدداً على أن فرنسا أساءت طريقة تدبيرها لعلاقتها بمستعمراتها السابقة، كما أن هذه المستعمرات ليست مؤهلة لتدبير شؤونها بنفسها بسبب دولها الفاشلة، وبالتالي ستزداد علاقة فرنسا بمحيطها الأفريقي تلوثاً، وختم أنه من المحتمل أن تعرف هذه العلاقة تحسناً في الأعوام المقبلة على خلفيات سياسية واقتصادية وأمنية جديدة بالشراكة مع فاعلين جدد من القوى العظمى.

توجه جديد

وألقى الوزير لعمامرة، خلال زيارته الأخيرة إلى مالي، باللوم على الرئيس الفرنسي بخصوص التوتر في العلاقات بين بلديهما، واعتبر أن ماكرون يعاني من "إفلاس في الذاكرة"، مضيفاً أن "شركاءنا الأجانب بحاجة إلى إزالة الاستعمار من تاريخهم"، ووصف "إزالة الاستعمار بأنها أولوية"، وهي التصريحات التي فسرها المتابعون على أنها تصعيد جديد في الخصام الحاد بين فرنسا والجزائر، يعبر عن توجه جديد للدبلوماسية الجزائرية.

لقد جلب الدور الذي لعبته الدبلوماسية الجزائرية الاحترام، على الرغم من الغياب الاضطراري، ولعل عدم تردد فرنسا في طلب المساعدة من أجل مواجهة بعض مشاكل منطقة الساحل، والتعاون الأمني مع الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى إشادة الأمم المتحدة، كلها دلائل على الموقع الدبلوماسي الذي تتمتع به الجزائر إقليمياً ودولياً.

ومن أجل حيوية كبيرة للنشاط الدبلوماسي، قرر الرئيس تبون استحداث سبعة مناصب لمبعوثين خاصين تحت السلطة المباشرة لوزير الشؤون الخارجية، لتكليفهم بقيادة النشاط الدولي للجزائر وفق سبعة محاور مهمة تتعلق بجهود أساسية تعكس مصالحها وأولوياتها.

تراجع كبير

إلى ذلك، أوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية مؤمن عوير، أن فرنسا تشهد في السنوات الأخيرة من فترة حكم ماكرون، مشاكل وأزمات داخلية عديدة مثل الإضرابات والاعتصامات، وقال إن سوء إدارة ماكرون للأزمات أضعف الدولة الفرنسية، وأدى التركيز على الشأن الداخلي إلى تراجع كبير لمكانتها ووزنها على الساحة الدولية، مضيفاً أن فرنسا من دون الاتحاد الأوروبي لا تساوي شيئاً دولياً، وقد فقدت في الآونة الاخيرة كثيراً من الصفقات العسكرية لصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا، كما تراجع تأثيرها في القارة الأفريقية بسبب سوء العلاقة مع عدد من دولها مثل مالي والجزائر.

المزيد من تقارير