Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية ذات دلالة بين صاحب "البرتقال الآلي" وكاتب رواية "شايننغ"

سينما كوبريك تميز الكاتب الكبير عن الروائي الجماهيري الصاخب

مشهد من فيلم "البرتقال الآلي" كما حققه كوبريك (موقع الفيلم)

لا شك أن كاتب الروايات الأميركية المرعبة والغرائبية ستيفن كينغ يعتبر أوسع شهرة بكثير من الكاتب الإنجليزي أنطوني بارغيس، ومن المؤكد أن سبب هذا التفاوت يعود إلى الجمهور العريض الذي يقرأ روايات كينغ ويقبل عليها مقابل جمهور النخبة وكبار المثقفين، الذي جعل لبارغيس مكانة كبيرة في عالم الأدب الحقيقي، ولكن بعيداً إلى حد ما من اهتمامات القراء العاديين. وبالتالي لم يكن ممكناً أن يجتمع هذان الكاتبان في حكاية واحدة لولا أن السينمائي ستانلي كوبريك جمع بينهما من خلال اقتباسه، مرة، رواية لبارغيس ومرة أخرى رواية لكينغ. غير أن هذا الجمع بين الاثنين لا يمكن اعتباره حكم قيمة من جانب هذا السينمائي الكبير، الذي نعرف أن نحو الدزينة وأكثر من الأفلام التي قُيض له أن يحققها خلال حياته، وقبل أن يرحل عن عالمنا عام 1999، دائماً ما اقتبست من أعمال أدبية لم يكن المخرج معنياً بقيمتها، بل فقط بكونها قادرة على أن تتحول بين يديه إلى تحف سينمائية تنسي المتفرجين أنها كانت في الأصل أعمالاً مكتوبة.

بين كاتبين وموقفين

وعلى هذا النحو جمعت حكاية واحدة بين الكاتبين على تفاوت قيمتهما. وتتعلق الحكاية برد فعل كل منهما على تلك الأفلمة التي قام بها كوبريك لنص من نصوصه. وهكذا في حين أبدى بارغيس الكبير في عام 1972 رضاه التام عن اقتباس كوبريك روايته "البرتقال الآلي" غير غاضب إزاء التغييرات الشكلية والفكرية التي أحدثها فيها، أعلن كينغ غضبه الشديد إزاء "تدخل كوبريك في بنية" روايته "شايننغ" (الإشراق) حين حولت بعد ذلك بسنوات إلى ذلك الفيلم الكبير الذي اعتبر واحداً من أعظم أفلام الرعب في تاريخ السينما و"الفيلم الذي أعاد إلى الرعب على الشاشة قيمته الفكرية والإنسانية"، حسب تعبير الناقد الفرنسي ميشال سيمان. لقد صرخ كينغ يومها وراح يزعق معتبراً أن "كوبريك ليس سينمائياً حقيقياً" و"لا يعرف كيف يقرأ عملاً أدبياً"، ثم قرر بعد حين أن تستعاد روايته في فيلم جديد أبدى هو رضاه عنه، فيما لفه النسيان فور عرضه ليبقى "شايننغ" كوبريك شامخاً. حينها وتعليقاً على الحكاية تحدث النقاد عن الفارق بين أديب كبير (بارغيس) وأديب صغير (كينغ) وهم ينعون على أزمان الدعاية والإعلان احتفالها بالنوع الثاني على حساب النوع الأول.

...وموقف من نجيب محفوظ

في هذه المناسبة يحضرنا موقف من عندنا دائماً ما عبر عنه عميد الرواية العربية نجيب محفوظ، حين كان مخرج من المخرجين يقتبس رواية له فيفشل في أفلمتها كما ينبغي، بإقرار النقاد فيكتفي محفوظ بالابتسام قائلاً "هذا عمل المخرج ونتيجة عمله. أما عملي أنا فسيبقى داخل الكتاب المطبوع". وكان مثل هذا تعليق بارغيس وقد أضاف إليه حينها أن فيلم كوبريك "الذي هو مبدَع من مبدعات كوبريك على أية حال، قد كشف لي أموراً كانت منغلقة عليَّ في رواياتي، فإذا بالفيلم يلقي عليها أضواء كاشفة ربما لم يكن من شأنها أن تخطر لي في بال لولا التدخل السينمائي الذي هو، في نهاية الأمر، إبداع آخر غير التدخل الأدبي...".

فيلم ينفجر كالقنبلة

إذاً وعلى الرغم من هذه التفرقة التي أوضحها الكاتب، جمع "البرتقال الآلي" يومها بين مبدعَين كبيرَين، وكان من بين الأفلام السينمائية التي جرى التعارف على اعتبارها من أهم ما حققه فن السينما في تاريخه. ففي نهاية الأمر تبدى "البرتقال الآلي" للمخرج الأميركي - االذي كان حينها يقيم في بريطانيا لأسباب سياسية - فيلماً "انفجر" كالقنبلة في وجه العالم أوائل سنوات السبعين ليتحدث، بشكل مسبق عن العنف والآلة والتدجين القسري وطاغوت اللغة، في عالم نهايات القرن العشرين. كان فيلماً قاسياً "البرتقال الآلي" ومذهلاً في كشفه للإنسان المعاصر عن عريه أمام ذاته. ولئن كان ذلك الفيلم الذي لا تزال له جدته وقسوته حتى الآن، قد أعاد يومها إلى الواجهة اسم ستانلي كوبريك مؤكداً كونه واحداً من كبار مبدعي فن السينما في زمننا هذا، فإنه -أي الفيلم- وضع في الواجهة، كذلك، اسم ذلك المبدع الآخر البريطاني أنطوني بارغيس مؤلف الرواية كما أشرنا.

عنف وموسيقى وموت

صحيح أن بارغيس لم يكن يومها جديداً على عالم الكتابة، لكنه لم يكن قد بلغ من الشهرة ما يخرج به عن نطاق اهتمام قارئي الإنجليزية، وهكذا خرج مع فيلم كوبريك إلى فضاء العالمية وراحت روايته، ثم كتبه الأخرى، تترجم إلى شتى اللغات، ثم اكتشف العالم، أمام ذهوله، أن حكاية مدرس الموسيقى الذي يغتصب الشبان العنيفون زوجته أمامه على أنغام السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، هي مع بعض التحوير حكاية الكاتب نفسه. وهكذا راح الاهتمام به يتزايد ليكتشف القراء أن مأساته لا تقف عند ذلك الحد، بل تتجاوزه بكثير، وأن خلف كتابته العنيفة لا توجد قصة اغتصاب امرأته وحدها، بل بخاصة قصة "موته". إذ في عام 1960 قرر الأطباء أن أنطوني بارغس مصاب بالسرطان وأنه سيموت بعد عام لا محالة، وانطلاقاً من ذلك القرار المميت عكف بارغس على الكتابة يطفئ فيها مخاوفه ويقاوم بها الموت المقبل. لكن العام صار عامين ثم خمسة ثم تتابعت السنوات. وكانت النتيجة أن عاش بارغيس بعد إعلان موته المحتم ثلاثاً وثلاثين سنة، لأنه في الواقع لم يرحل عن عالمنا إلا عام 1993.

الحاج عبد الله الماليزي

ولكن لئن كان بارغيس قد أفلت من الموت فإنه لم يفلت من هاجس الموت، الموت الذي ظل يطارده وظل يكتب في ظله، الموت الذي كانت روايته "البرتقال الآلي" التي كتبها في 1962 باكورة تصديه له، لكنها لم تكن باكورة كتابته، فبارغيس الذي ولد في 1917 انتظر أواسط سنوات الخمسين حتى يشق لنفسه طريقاً في عالم الأدب، هو الذي حكمت حياته وتوجهاته منذ البداية أحاسيسه باللا انتماء، إذ نعرف أنه ولد في مانشستر من أسرة كاثوليكية وسط بحر من العوالم البروتستانتية، وكان يتطلع منذ بداية صباه لأن يصبح موسيقياً، ولئن كان قد فشل لاحقاً في أن يكون موسيقياً كبيراً، فإن الموسيقى لم تغب عن عمله، حيث نجد بيتهوفن يتجاور مع فاغنر وهايدن مع موزار، وحيث صاغ معظم كتبه صياغة تدين للموسيقى بالكثير، ولا ننسى هنا أن مشهد الاغتصاب في "البرتقال الآلي" يدور كله على خلفية سيمفونية بيتهوفن.

مهما يكن فإن توجه بارغس الحقيقي كان، منذ الخمسينات توجهاً أدبياً، حيث كتب أولاً، وهو يعمل كمدرس في المدارس الاستعمارية الإنجليزية في بورنيو وماليزيا، رواياته الثلاث التي شكلت ما سمي بـ"الثلاثية الماليزية" (1956-1959) وهي الثلاثية التي كتبها خلال عمله مع دوائر المخابرات البريطانية، عملاً قاده لادعاء اعتناق الإسلام في ماليزيا لفترة سمي خلالها بـ"الحاج عبد الله".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين نابوليون والسيد المسيح

بيد أن "الثلاثية الماليزية" لم تكتشف حقاً وتقرأ على نطاق واسع إلا اعتباراً من عام 1972 يوم بلغت شهرة بارغيس آفاقها. وهو لئن كان قد كشف في "البرتقال الآلي" عن كل العنف الذي كان يتآكله، فإن تلك الرواية أتت، بعد كل شيء أشبه بتعويذة، لأنه هدأ بعدها وراح يتأمل موته المقبل بشكل بطيء، ولقد قاده ذلك التأمل إلى الاهتمام بشخصيتين لم تبرحا ذهنه: السيد المسيح، ونابوليون بونابرت، فهو كان يراهما معاً رمزين للبشرية جمعاء، وكل منهما في اتجاه، وهو بالفعل وضع عن كل منهما عملاً أدبياً كبيراً، ومن المعروف أن عمله عن "يسوع الناصري" قد نقل إلى مسلسل تلفزيوني شهير حققه الإيطالي فرانكو زيفريللي، أما عمله عن "سيمفونية نابوليون" فكان يشكل لفترة محور الحلم الذي داعب مخيلة المخرج ستانلي كوبريك وفحواه فيلم استثنائي عن الإمبراطور الفرنسي، فيلم ينطلق (والموسيقى دائماً وأبداً) من الموسيقى التي وضعها بيتهوفن عن نابوليون.

أوبرا عن حياة فرويد!

لقد حقق أنطوني بارغس طوال سنوات موته الطويل كل أحلامه الكتابية، وكذلك تمكن من تحقيق بعض طموحاته الموسيقية، وهو لم يتوقف عن الكتابة حتى شهور حياته الأخيرة، وكان من أبرز كتبه الأخيرة "عازف البيانو" و"آخر أخبار العالم" وسيرة لشكسبير، سبق أن قدمناها في هذه الزاوية، وكتاب نقد لأعمال جويس وسيناريوهات عديدة. غير أن الحلم الذي داعب خياله طويلاً ولم يتمكن أبداً من تحقيقه كان تلك الأوبرا التي أراد كتابتها وتلحينها حول حياة فرويد وعمله، ولم يقيض له أن ينجزها أبداً.

المزيد من ثقافة