أسواق النفط بين "الدببة" و"الثيران"

الأسعار العالية فوق 80 دولاراً للبرميل ليست في صالح دول الخليج حالياً

جاءت نتيجة اجتماع اللجنة الوزارية لمراقبة الإنتاج المنبثقة عن الاتفاق بين أوبك وحلفائها، الذي عقد في جدة يوم الأحد الماضي، لتؤكد ما ذهبت إليه أوبك في تقريرها الشهري عن أسواق النفط، الذي صدر قبل أيام من الاجتماع، فقد ذكر التقرير النقاط التالية، التي تؤكد في النهاية ضرورة تمديد اتفاق الإنتاج حتى نهاية العام الحالي:

1- ارتفاع المخزون: ارتفع مخزون النفط الخام في دول منظمة التعاون والتنمية (الدول الصناعية) بمقدار 3,3 مليون برميل في شهر مارس (آذار) الماضي، مقارنة بالشهر الذي سبقه ليصبح المخزون أعلى مما كان عليه هذا الوقت من العام الماضي بـ58,5 مليون برميل، وأعلى من متوسط السنوات الخمس الماضية بـ22,8 مليون برميل.

2- زيادة إنتاج دول خارج أوبك: تتوقع أوبك أن يرتفع إنتاج دول خارج أوبك بمقدار 2,14 مليون برميل يومياً، وعلى الرغم من أن هذا الارتفاع أقل من الارتفاع في العام الماضي الذي بلغ 2,91 مليون برميل يومياً، فإنه يعد مرتفعاً بأي معيار.

3- الطلب العالمي أقل من المعروض: في الوقت الذي يتوقع فيه أن يرتفع إنتاج دول خارج أوبك بمقدار 2,14 مليون برميل يومياً، فإن النمو في الطلب العالمي على النفط سيكون أقل من ذلك بكثير، إذ تتوقع أوبك أن يكون النمو بحدود 1,21 مليون برميل يومياً. وجود فرق بينهما يعني ارتفاع المخزون، وانخفاض الأسعار. لهذا يصبح تخفيض أوبك وحلفائها الإنتاج ضرورياً لمنع ارتفاع المخزون، وبالتالي منع الأسعار من الانخفاض.

4- انخفاض الطلب على نفوط أوبك: تتوقع أوبك أن ينخفض الطلب على نفوط أوبك بمقدار مليون برميل يومياً، مقارنة بالعام الماضي من 31,6 مليون برميل يومياً إلى 30,6 مليون برميل يومياً، علما بأن إنتاج أوبك في الشهر الماضي كان أقل من ذلك بنحو 600 ألف برميل يومياً بسبب العقوبات على إيران وفنزويلا، وبسبب سياسة تخفيض الإنتاج في السعودية.

كل ما سبق يشير إلى أن قرار اللجنة "تأخير القرار المتعلق بالإنتاج حتى الاجتماع الوزاري لأوبك في الشهر المقبل" كان منطقياً، حسب معطيات السوق. ويتضح أن الهدف هو منع المخزون التجاري من الارتفاع، وبالتالي فإن الهدف الرئيس من القرار هو منع أسعار النفط من الانخفاض.

إلا أنه بالنظر إلى ما يراه المحللون وتجار النفط فإنه يتضح وجود معسكرين على طرفي نقيض: الطرف الأول يرى أن هناك أزمة في إمدادات النفط، وأن أسعار النفط سترتفع بشكل كبير، بينما يرى الطرف الآخر أن هناك وفرة في المعروض، وأن الأسعار ستبقى في مستوياتها الحالية أو ستنخفض، وهناك أقلية ترى أن أسعار النفط ستنخفض بشكل كبير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجرى العرف على تسمية المتشائمين، ومن يتوقعون انخفاض الأسعار بـ"الدببة"، والمتفائلين بارتفاع الأسعار بـ"الثيران"، إلا أن الأمر أوسع من الأسعار، إذ يتعلق بأي انخفاض أو ارتفاع في أي شيء، مثل الإنتاج أو الصادرات أو النمو الاقتصادي وغيرها من أمور. أدناه استعراض لحجج كلا الفريقين.

حجج "الدببة"
يرى عدد من المحللين أن أسعار النفط ستنخفض عما عليه حالياً لأسباب عدة أهمها:

1- نمو إنتاج دول خارج أوبك بشكل كبير، خصوصاً الإنتاج الأميركي.

2- تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي بسبب الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

3- ارتفاع الدولار يرفع من فاتورة الواردات النفطية في الدول، التي تنخفض عملاتها، الأمر الذي يخفض من الطلب على النفط.

4- ارتفاع مخزون النفط الخام في الدول المستهلكة، نتيجة التطورات أعلاه، ونتيجة قيام الحكومة الأميركية ببيع جزء من احتياطي النفط الاستراتيجي لأسباب تتعلق بالموازنة الاتحادية.

5- انخفاض معدلات تشغيل المصافي، مقارنة بمعدلات التشغيل في السنوات الماضية، الأمر الذي يعني انخفاض الطلب على النفط الخام.

6- قيام بعض الدول الآسيوية بتخزين النفط الإيراني في الشهور الماضية تحسباً للعقوبات، وبالتالي فإنها ستلجأ إلى هذا المخزون في الشهور المقبلة بدلا من شراء النفط من دول بديلة.

7- انخفاض مبيعات السيارات بشكل عام في أكبر سوقين في العالم: الولايات المتحدة والصين، لكن مبيعات السيارات الكهربائية في ازدياد.

8- السياسات المالية لبعض الدول، التي قد ترفع أسعار الفائدة بشكل ملحوظ.

9- عدم انخفاض صادرات النفط من فنزويلا وإيران كما يتوقع البعض.

حجج "الثيران"
يرى عدد من الخبراء والمحللين أن أسعار النفط سترتفع، وقد ترتفع بشكل كبير، وذلك للأسباب التالية:

1- أسعار النفط خارج الولايات المتحدة تشير إلى انخفاض في الإمدادات، إذ إن الأسعار المستقبلية أقل من الأسعار الحالية، وأسعار الشهر المقبل.

2- نمو إنتاج دول خارج أوبك مبالغ فيه، خصوصاً إنتاج الولايات المتحدة والبرازيل. نمو الإنتاج الروسي في النصف الثاني من العام الجاري يفترض نهاية الاتفاق بين دول أوبك وحلفائها في الشهر المقبل، لكن احتمال تمديده أصبح كبيراً الآن.

3- رغم الآثار السلبية للحروب التجارية على نمو الاقتصاد العالمي، فإن نمو الاقتصاد العالمي ما زال مقبولاً، والطلب على النفط ما زال قوياً، كما أننا مقبلون على موسم السفر الصيفي في أميركا الشمالية وأوروبا، ورغم انخفاض مبيعات السيارات في الصين، فإن السفر بالطائرات ارتفع بشكل ملحوظ.

4- على الرغم من استطاعة فنزويلا وإيران تهريب نفطهما، فإن إنتاجهما وصادراتهما في انخفاض.

5- زيادة نسبة تشغيل المصافي بعد عودتها من أعمال الصيانة، وهذا سيرفع الطلب على النفط بأكثر من 4 ملايين برميل يومياً في الشهور المقبلة. جزء من مشكلات المصافي يعود إلى مشكلات مؤقتة في قناة "هيوستن" بسبب حريق ضخم في مخزن للبتروكيماويات في البداية، ثم تبعه فيضان بسبب الأمطار الغزيرة، التي نتج عنها حادث تصادم سفن في القناة.

6- زيادة الاحتقان السياسي والعسكري في عدة أماكن في العالم، بما في ذلك منطقة الخليج بسبب إيران.

7- على الرغم من انخفاض مبيعات السيارات بشكل عام في الولايات المتحدة، فإن مبيعات السيارات العائلية الكبيرة والشاحنات الصغيرة في ارتفاع، وهذه معروفة باستهلاكها العالي للبنزين.

8- الحرب على طرابلس في ليبيا ستؤدي إلى مزيد من الهجمات على حقول النفط والأنابيب وموانئ التصدير. 

9- استمرار انخفاض إنتاج النفط في عدد من دول العالم، خصوصاً في المكسيك وبحر الشمال.

10- تطبيق قوانين منظمة الملاحة البحرية الدولية القاضية بتخفيض نسبة الكبريت في الوقود المستخدم في السفن سيسهم في رفع أسعار النفط.

الحقيقة بين الاثنين
ليس كل ما يقوله الطرفان صحيحاً! ولا يمكن مناقشة كل النقاط بسبب ضيق المساحة، إلا أنه من الواضح أنه علينا أن نفرق بين الأسواق الأميركية وغيرها، لأن وضعهما مختلف تماماً. فالأسواق الأميركية تعاني تخمة في المعروض، ليس بسبب زيادة إنتاج "الصخري"، إنما بسبب انخفاض معدلات تشغيل المصافي بسبب أعمال الصيانة الدورية من جهة، وبسبب الأعطال المفاجئة والحرائق من جهة أخرى، وبسبب مشكلات في قناة "هيوستن". وعمليات الصيانة والإصلاح قاربت على الانتهاء، لذلك يتوقع زيادة نسبة تشغيل المصافي، وبالتالي انخفاض المخزون. 

قد يدعو الأمر إلى التفاؤل بارتفاع ملحوظ في الأسعار، إلا أن المشكلة أن المخزون مرتفع جداً، وأعلى من مستويات 2015 عندما انهارت أسعار النفط. عودة سوق النفط الأميركية إلى التوازن تتطلب انخفاض المخزون بأكثر من 70 مليون برميل!

أمَّا خارج الولايات المتحدة فإن هناك مشكلة، وهي أن زيادة الطلب على النفط في الشهور الأخيرة، خصوصاً في الصين، كان سببها انتهاز فرصة الاستثناءات الأميركية لشراء أكبر كمية من النفط الإيراني وتخزينها. إذا الزيادة في الطلب لم تكن نتيجة نمو اقتصادي أو زيادة في الاستهلاك. لكن الآن، مع وجود العقوبات، ستقوم هذه الدول باستخدام هذا المخزون بدلا من شراء النفط من دول أخرى للتعويض عن وارداتها من إيران، ومن الواضح أن كميات المخزون قد تكفي شهرين أو ثلاثة، ولكن بعدها ستضطر هذه الدول إلى شراء المزيد من النفط إذا لم تحل أزمة الولايات المتحدة مع إيران، ويتوقع عندها أن ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ. باختصار، ما حصل هو عملية مؤقتة!

ولا شك هناك تباطؤ في نمو إنتاج النفط الأميركي، وسيكون نموه أقل من المتوقع.  وهناك أسباب عدة للتباطؤ، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الفروقات السعرية، التي تعكس وفرة في النفط الخفيف الحلو (المنتج من الصخري) وندرة في النفط الثقيل. موضوع النوعية هذا يقودنا إلى متطلبات منظمة البحرية العالمية، التي سيكون نتيجتها زيادة الطلب على الديزل وزيت الوقود القليل الكبريت. هذا يعني أن مشكلة النوعية ستتفاقم، لأن كليهما يأتي من النفوط المتوسطة والثقيلة، بينما أغلب الزيادة ستكون من الصخري، والمعروف أنه خفيف وحلو، بينما يأتي النفط الثقيل من فنزويلا، التي تعاني فرض عقوبات أميركية عليها. الخلاف بين الخبراء الآن عما إذا كانت الكميات التي ستوفرها المصافي كافية لمقابلة الطلب على الديزل وزيت الوقود قليل الكبريت بحلول عام 2020. أعتقد أن الأمر لا يصل إلى حد الأزمة كما يقول البعض، لأن عدداً من المصافي بما فيها أكبر المصافي في السعودية، ليس لديها أي مشكلة حالياً في إنتاج المواد المطلوبة.

أمَّا بالنسبة إلى انخفاض مبيعات السيارات، فهي حجة غريبة، لأن انخفاض المبيعات يعني بالضرورة زيادة عدد السيارات في الطرق! انخفاض نمو المبيعات قد يؤثر في نمو الطلب على النفط، إلا أن عدم شراء سيارات جديدة محل القديمة يعني أن السيارة الأقل كفاءة في استخدام الوقود ما زالت قيد الاستخدام، وهذا يعني طلباً أعلى على النفط نسبيا! إلا أنه يتوقع أن ترتفع مبيعات السيارات مرة أخرى بسبب تقادم السيارات المستخدمة. 

أمَّا بالنسبة إلى السيارات والحافلات الكهربائية وانتشارها فإن البيانات المنشورة تتجاهل حقيقة، وهي أن أغلب هذه السيارات، خصوصاً الحافلات، تحل محل حافلات كانت تعمل بالغاز المضغوط، وبالتالي فإن تأثيرها السلبي في الطلب على الغاز الطبيعي وليس في النفط. باختصار، أثر انتشار السيارات الكهربائية في الطلب على النفط ما زال محدوداً.

خلاصة الأمر، أسواق النفط في طريقها إلى التوازن، إلا أنها ستستغرق وقتاً أطول مما كان يتوقع منذ شهرين، ومع الاقتراب من التوازن، سترتفع الأسعار نسبياً، علماً بأن الأسعار العالية فوق 80 دولاراً للبرميل ليست في صالح دول الخليج حالياً.

المزيد من آراء