Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوق "البلاط" تروي أسرار العلاج بالأعشاب وعقاقير السحر في تونس

التداوي بالطب البديل تقليد ينافس الطب الحديث

سوق البلاط أشهر أسواق تونس لبيع الأعشاب ومستحضرات الطب البديل (اندبندنت عربية)

داخل أسوار المدينة التي تحتضن حكايات تاريخ يعود لمئات السنين وغير بعيد عن جامع الزيتونة المعمور الذي يتوسط تونس العاصمة ويحيط به عديد من الأسواق التي نشأت بقربه وخلقت حركة تجارية واقتصادية على امتداد الزمن، تتربع سوق "البلاط" حاملةً في محالها ولدى الباعة كثيراً من الأسرار والحكايات.

بعكس بقية الأسواق في تونس العاصمة التي حملت أسماء المهن التي تجمعت فيها مثل سوق الشواشية، وسوق النحاس، فإن سوق البلاط، التي بُنيت قبل ما يقارب ألف سنة في زمن الدولة الحفصية التي تأسست سنة 1160 ميلادية، حملت اسماً غير متداول ومُستغرباً. يقول السيد شوقي الفورتي، تاجر أعشاب في السوق ورث الحانوت الذي يعمل به أباً عن جد منذ أكثر من 140 عاماً، إن هذه التسمية جاءت متأخرةً عن بناء السوق، وأصلها مرتبط "ببلاط الملك"، من باب التفخيم والتقدير، وكان التجار القادمون من إسطنبول والمشرق يضعون الأعشاب والأدوية التي يُحضرونها معهم في محال السوق القريبة من الجامع الأعظم الذي يضم أيضاً خلوة إمام الصوفية الشيخ أبي الحسن الشاذلي.

توارث المهنة 

داخل محال بيع الأعشاب الطبية في السوق تختفي حكايات الآباء والأجداد والمهنة التي يصعب تعلمها دون أن تأخذها بالتجربة التي تتحكم فيها عائلات تورث الأبناء والأحفاد أسرارها. الجميع يتحدث عن ذلك، لكن التفاصيل حول هذا العلم تبقى حبيسة الصدور، والسؤال بين البائع ومن يبحث عن عشبة فيها دواء من مرض مزمن أو عارض مر به، لا تتعدى الكلمات البسيطة، وشرح كيفية الاستعمال. ويقول الحاج عمار الكاسح الذي يعمل في السوق منذ 37 عاماً، إن الطب البديل وطب الأعشاب علم وليس تجارة للاحتيال على الناس، ومن يأتي للسوق يعرف بما علمه من آخرين فوائد الأعشاب لأمراض محددة، وكثيرون يأتون للسوق، ويكون الجواب أن أذهب للطبيب للتشخيص ومعرفة المرض قبل السؤال عن العلاج بالطب البديل.

الرمان والريحان والخلنج

يضيف السيد الكاسح في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن الأعشاب التي يقبل عليها التونسيون بكثرة هي علاجات للتوتر العصبي وأوجاع المعدة ومرض السكري الذي ثبت باعتراف الأطباء فوائد بعض الأعشاب في علاجه وخفض مستوياته لدى المرضى.

وهذه الأعشاب إن لم تنفع المريض فإنها لا تضر، وليس فيها خلطات أو مواد كيماوية، بل من الأعشاب الموجودة في الطبيعة التي اكتشف الإنسان فوائدها عبر التجربة والمراقبة والاستعمال في الأزمنة التي سبقت اكتشاف الأدوية الحديثة.

شقيقه الأكبر حسن يقف في محل مجاور له في السوق، حيث تتقاسم هذه العائلات ما يسمونه "أسرار الحكمة" في معرفة الأعشاب وخلطاتها وفوائدها واستعمالاتها، ويحافظون عليها، ومعرفة ما لا يوجد منها في تونس، والبحث عنها، واستيرادها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحنظل دواء 

حبات صغيرة أشبه بالكُرات قشرتها قريبة من لون البطيخ، وشديد المرارة، لكن فوائدها كبيرة جداً لأمراض المفاصل والروماتيزم تُدهن به الأماكن المصابة، ونتائجه في العلاج الموضوعي جيدة، بحسب من استعمل هذا النوع من العلاج.

الحاجه منجية اللطيفي كانت تشتري من أحد العشابين في السوق دهن الحنظل، ولم تتردد بالقول، إنها عانت سنوات طويلة من الروماتيزم وأوجاع المفاصل، واستعملت كثيراً من الأدوية لعلاجها، ما تسبب لها بالتهابات في المعدة، واستمعت لنصيحة أحد أقاربها، ومع اقتراب الشتاء تأتي للسوق لتشتري دهن الحنظل الذي يخفف كثيراً من الألم الذي أصبح لا يُطاق في أشهر الشتاء. 

ويقول شوقي الفورتي، صاحب محل لبيع الأعشاب، إن كثيراً من الأمراض لا علاج لها إلا عند الأطباء، مثل أمراض العيون والقلب، والعلاجات التي تباع هنا أساسها مكملات غذائية، وبعض الحشائش لمعالجة عوارض أمراض تتعب المرضى، مثل الشقيقة وضغط الدم، وبعض المراهم المستخرجة من النباتات الطبيعية لعلاج أمراض فروة الرأس، والتي تدهن "بالثوم الذكر"، لكن كل هذه العلاجات ليست بديلاً عن الطب الحديث، بل هي ضمن الطب البديل والعلاج الطبيعي.

... وللسحر حكايات أخرى 

ارتبط اسم سوق البلاط في الخيال الشعبي في تونس ببيع "عقاقير السحر" في تونس، وبما يمكن أن يصوره الخيال عن السحر وأفعاله وما يستعمل فيه من مواد تباع في السوق. قال السيد توفيق بن يعقوب، إن كل المواد التي تباع في السوق، مثل كل المواد التي تباع في العالم، يمكن أن تستعمل للخير والشر معاً. وأضاف لـ"اندبندنت عربية"، أن البخور وبعض الأحجار التي تستعمل لتعطير الأجواء في المنازل يستعملها البعض لـ"غايات شيطانية"، ولكن من يبيعها ليس له هذا الهدف. وإن تاريخ تونس زاخر بمن كتبوا كتب الحكمة، وبعض هذه الكتب التي أتت بعد سقوط الأندلس تضمن بعضها كتابات حول علاج الأمراض الروحانية، وكانت هذه الأمراض حينها تعتبر مساً من الجن أو السحر، وكان علاج هؤلاء يختلط بين الدواء والبخور والعلاج الروحاني الذي فتح الباب لما يسمى اليوم عقاقير السحر.

وقال إن "بعضاً ممن امتهن الحكمة كان من معادن الشياطين، فحولها نحو السحر وخزعبلاته، والسوق بغنى عن هذه المواضيع لأن ما يباع في السوق هو المواد بحالتها الطبيعية، ولا يحتاج من يعملون فيه لأن يشوهوا وجهاً مشرقاً للعلم في تونس بحكايات كهذه". 

ماذا يخبئ المستقبل للسوق؟

وسط هذه المحلات التي يعود بعضها لما يزيد على القرن من الزمن ينظر أصحابها للمستقبل بقلق على الرغم من الطلب الكبير على الطب البديل والعلاج بالأعشاب بسبب عزوف الشباب عن النظر لمثل هذه المهن والاهتمام بها. 

ويقول التاجر شوقي الفورتي، "أخشى ألا نجد بعد سنوات أي أثر لهذا التراث في سوق البلاط، ويصبح الحديث عن محال بيع الأعشاب من حكايات الماضي طالما لما تتنبه السلطات لضرورة المحافظة على الإرث التاريخي للمنطقة قبل أن يندثر وتغزوه محال بيع المنتجات الحديثة".

المزيد من تقارير