Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديمة محمود تستحضر في شعرها رموز حضارات متعاقبة

من زهرة اللوتس الفرعونية إلى رموز صوفية وروحية فالحب وأغانيه 

لوحة للرسامة المصرية هبة أمين (صفحة الرسامة على فيسبوك)

كانت الشاعرة المصرية ديمة محمود (1972) مفاجأة لـ"منتدى الشعر المصري الجديد" الذي يقدم نشاطه في المقر الرئيس لحزب التجمع المصري في وسط القاهرة، حين شاركت بقصائدها اللافتة في أمسياته. وأصدرت ديمة محمود أربعة دواوين أثبتت لها حضوراً شعرياً واضحاً وهي: "ضفائر الروح"، و"أشاكس الأفق بكمنجة"، و"بتحنان يخط برديته"، قبل أن تصدر ديوانها الفائز بجائزة حلمي سالم في دورتها الثانية، "أصابع مقضومة في حقيبة" (دار الأدهم). وعندما نتأمل عناوين تلك الدواوين نلاحظ محاولة مزج الشاعرة بين الحسي الممثَّل في الضفائر، والروحي في دال "الروح"، والذاتي كما يبدو في فعل "أشاكس"، والطبيعي في دال "الأفق"، ناهيك عن الإشارة إلى "البردية" التي تستدعي الحضارة المصرية القديمة.

لقد آثرت البدء بهذه الإشارات السريعة لأنها تمهد لتلقي الديوان الأخير الذي يقوم أساساً على التركيب والمزج بين الثنائيات السابقة. فالشاعرة تستدعي مثلاً في قصيدة "كأس اللوتس" شخصية "رع"... "أجثو في كنف رع بينما يلفني بذراعيه منفلتاً من عرشه السماوي". و"رع" هو إله الشمس عند قدماء المصريين ويرمز له بقرص الشمس وقت الظهيرة وتسمى عقيدته "العقيدة الشمسية". وهنا تربط الشاعرة بين السماوي حيث الشمس والأرضي حين ينفلت "رع" من عرشه ويلفها بذراعيه.

والأمر كله يحتاج إلى ذلك الخيال الذي تنتهجه القصيدة حتى تشهق حكمة "رع" لاهجة من "آبار المسام". ولأن قدماء المصريين ربطوا بين اللوتس وإله الشمس كان من الطبيعي أن تقول الشاعرة: "ليتنا لما شاهدنا زورق التكوين يمخر في البحر الهائج والضباب/ ما تركنا زهرة اللوتس تحمل كأس دمعها البراق وحدها".

رموز مشعة

يأتي هذا الربط من ملاحظة المصريين للطبيعة بعناية واعتقادهم أن زهرة اللوتس تبقى مغمورة في الليل لتظهر في الصباح، تماماً مثل الشمس. وهذا هو السبب في أنهم ربطوا زهرة اللوتس بالتجديد والدورات الطبيعية.

هذه الرموز المشعة – إن صح التعبير – توحي بتلك المعاني المركبة دون أدنى مباشرة، وليس الغرض منها المثاقفة أو تراكم الرموز بصورة مجانية خالية من المعنى. وتتوازى تلك الرموز الفرعونية مع ما يشيع في الديوان من عبارات متأثرة بالتركيب الكتابي مثل قولها في قصيدة "حضرة"– لاحظ البعد الصوفي الذي سوف نتوقف عنده أيضاً– "الرأس التي خشيت دبيب النمل/ توسدت جداراً يريد أن ينقض". ومن الواضح أن تلك السطور تستدعي قصة الخضر مع نبي الله موسى، عليه السلام. واستدعاء بنية الحديث الشريف عن الطير التي تغدو خماصاً وتروح بطاناً يظهر في قولها "كلما ناحت البئر جثونا نخمش التاريخ والرمال/ دونما ريبة بأن الزمان إعصار من الفراغ/ وأن أفلاكنا تغدو خماصاً وتروح بطاناً". وقولها في القصيدة نفسها: "يا عصافير أوبي معي/ اغسليني برائحته"، حيث استبدلت العصافير بالجبال، و"أوبي معي" بـ"أوبي معه". وكذلك تضمين بعض الأمثال العربية مع تعديلها بحيث تلائم بنية القصيدة مثل "حط ابن جني أقراص العجين على الدومينو/ كأنما على رؤوسها الطير". أما البعد الصوفي فإنه يأخذ مساحة واضحة في الديوان. فإضافة إلى عنوان قصيدة "حضرة" نجد في قصيدة "لو نجونا" إشارة إلى إيقاع "الوِرد" الذي تستعيره في قولها: "يفيض نهر وأرجل وتابوت/ تنام قصيدة على إيقاع الوِرد/ يعلو وجه الماء". وفي " أياً ما كُنا" نجد إشارات إلى الصلاة والسُكْر والطريقة وغيرها، وفي السياق نفسه نجد العديد من الدوال التي تنتمي للتراث المسيحي... "صرتُ صليباً وانتصب صاحباي نصفين على المذبح/ الآن أدرك أن جلجثتي لم تنته".

مستويات اللغة

تتعدد مستويات اللغة المستخدمة، فإضافة إلى مستوى الفصحى الذي يمثل متن الديوان نجد توظيفاً لبعض الدوال الدارجة بخاصة الأغنيات الشائعة مثل قصيدة "كل دا كان ليه" التي نجد فيها عبارات من قبيل "في يوم وليلة"– بنطقها العامي– و"الناس المغرمين ما يعملوش كدا"، و"مشغول عليك مشغول"، و"بعيد عنك حياتي عذاب". وكلها اقتباسات من أغنيات مصرية شهيرة. كما نجد بعض الدوال المعرَّبة مثل "النرفانا" التي تعني – في الديانات الهندية – السكينة والهدوء التام والحرية والسعادة القصوى والتحرر الروحي. ودال "الساروفيم" وهو يشير إلى مجموعة من الملائكة التي ذكرت في سفر أشعياء، وهي التي تتلو نشيد التقديس محيطة بالعرش، ويعني "النار" في اللغة العبرية.

على أن أهم ما يمكن أن نلاحظه في هذا الديوان هو الدلالات المستمدة من حقل الطبيعة... "حفاة إلا من الأغنيات/ نربط الفراشات في ذيل الليل/ تظللنا أجنحتها ولا يلحق بنا أحد/ أنجبنا الفرح فعدونا في الظلال/ تشظت الموسيقى بينما يمامة في الخلف/ تدق الفراغ لأعلى/ فينفض الليل ما تبقى من جرار".

ويمكن القول من خلال هذا الشاهد وغيره، إن الشاعرة تفكر من خلال الطبيعة سواء كانت ظرفاً زمانياً مثل الليل الذي يهيمن على الصورة الكلية، أو حيَّة متحركة مثل الفراشات واليمام، أو مجرد ظلال تعدو فيها الشاعرة.

دلالات الطبيعة

أحياناً تستخدم الشاعرة بعض الدلالات الطبيعية ذات البعد الرمزي مثل زهرة الأوركيدا على نحو ما يظهر في قولها: "أسرج قنديلاً ثم أغفو/ يذوي الفتيل على فخذيَّ/ تبزغ أوركيدا في تراب أبيض/ تتذكر نشأتها الأولى". وزهرة الأوركيدا هي نبات السحلب الذي اعتقد الصينيون أن رؤيته في الحلم تعبر عن الحاجة إلى الحفاظ على الرومانسية والحب. ولا شك أن هذا هو ما تحتاجه الشاعرة في هذه الصورة التي يذوي الفتيل فيها على فخذيها والتي تغفو فيها رغم إسراجها للقنديل. وفي مقابل هذا تبزغ الأوركيدا في ترابها الأبيض كأنها الحلم المفاجئ أو الواقع المغاير لكل ما يحيط بالشاعرة.

والحقيقة أن تيمة الحلم مستمرة على مدار الديوان بوصفها نوعاً من مقاومة الواقع البائس. ففي القصيدة الأولى "قُداس الماء"، تقول: "بينما لا أزال في سريري/ رأيتُني في وسط النيل بالضبط/ تداعبني بلاغة الصفحة البيضاء وحنو المجاديف الخضر/ كانت السماء قريبة بما يكفي فقلت: وحده الماء هنا ما يمنح المحبين يقيناً في النبوءة". والحلم– وحده– هو ما يجعل الانتقالات المكانية أمراً ميسوراً، فتنتقل الشاعرة– عبر خيالها أو حلمها– من السرير إلى وسط النيل حيث الصفحة البيضاء وحنو المجاديف، والماء الذي هو رمز الحياة والخصوبة. وذِكر السماء التي أصبحت قريبة يستدعي دال العروج... "لم أثبت سلماً في السماء لكنني عرجتُ". هذا الحلم يأتي في مقابل ما تحسه الشاعرة كثيراً من قسوة الطبيعة حيث تتحول السماء والأرض إلى "فوهتي بركان"، أو يهيمن تراجع الزمن وتخلفه حين تتحرك عقارب الساعة– كما تقول– إلى اليسار أو فقدان الأشياء لفاعليتها الطبيعية كما يبدو من قولها: "ماذا تفعل النار في قش محدودب بلَّله الانتظار/ أي قمح ستفركه رحى ثلمتها عصا الواقع/ ليست الأبواب المفتوحة طوق نجاة". وفي بعض المواضع تبدو الشاعرة وكأنها تشهد نهايات العالم فتؤكد أن القمر الذي يسقط "لن يصعد"، والريح التي تخور "لن تقوم"، والنهر الذي ينكسر "لن يلتئم"، والشريان الذي ينفجر "لن ينبض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا التماثل البنيوي بين السطور السابقة الذي حرصت عليه الشاعرة يحقق إيقاعاً واضحاً تستعيض به قصيدة النثر عن التفعيلة، علاوة على أنه يؤكد المعنى الذي تسعى إليه الصورة. وتستمر هذه النغمة المحبطة في أكثر من موضوع داخل الديوان؛ ليس فحسب على مستوى الطبيعة، ولكن على مستوى الإنسان... "الساق التي كان من المفترض أن ترقص/ تفتتت تحت هبة ريحٍ سوداء/ القلب الذي يشبه قنديلاً فرَّ مذعوراً واصطدم بكرة تخص أطفالاً يلعبون وسط الشارع". ولا تجد الشاعرة مخرجاً من هذه الحالة سوى ربط مصيرها بمصير العالم وتوحدها مع الأبدية: "نرج أرض العالم بأقمار زرقاء تخرج من صدرينا/ قبل أن تبتلعنا الأبدية". ومن الواضح اعتماد الشاعرة على ظاهرة التشخيص؛ سواء لدلالات الطبيعة أو الدوال المعنوية حين تجذب وحبيبها السعادة من تلابيبها ويروضان التاريخ في قيلولة النهر، أو توظيف السرد في قصيدة "رأساً على عقب".

المزيد من ثقافة