Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفلاسفة طوروا المفهوم الفني في سياق نظرياتهم الجمالية

رافقت الفلسفة نشوء الفنون ومسارها الإبداعي التاريخي منذ الإغريق وكان لها أثرها العميق

أدوات الفن مع كتب الفلسفة: لوحة للرسامة آن فاليا كوستر (متحف اللوفر)

لا عجب أن يعتني الفلاسفة، منذ أقدم العصور، بمسألة الفن، فيبتكرون لها سبلاً شتى من التناول حتى يدركوا مقام النشاط الفني وخصوصيته وأثره. حتى زمن كانط، كان الفن موضوعاً من مواضيع التفكر الفلسفي، بيد أن فلسفة الفن لم تنشأ إلا عند فيلسوف المثالية الألماني شلينغ (1775-1854) في أوائل القرن التاسع عشر. ومن بعده، قرر هيغل (1770-1831) أن يستخدم اصطلاح الاستطيقا تدليلاً على طبيعة الحقل الفلسفي القديم/ الجديد هذا، مع أن الأصل اللغوي لا ينطوي على المعنى المطلوب، بل يشير إلى وظيفة الحس (esthetein).

في الفلسفة اليونانية كان الفن تجسيداً لفعل المحاكاة (mimesis). فعرفه الإغريق سبيلاً إبداعياً من سبل تصوير الطبيعة. أما أول تناول فلسفي شبه مستقل، فأنشأه فيلسوف النقدية كانط (1724-1804)، رابطاً الفن بنشاط الإنسان العبقري الفذ. لم يتمكن كانط من صوغ نظرية فلسفية كاملة العناصر في الفن، ولكنه استطاع أن يميز الصنيع الفني، كالقصيدة واللوحة والمعزوفة الموسيقية، من الأعمال المنجزة بإتقان، كالخطاب الوعظي والإنشاء التوجيهي وخدمة الموائد والجهد الرياضي. ومن ثم، فإنه ربط الفن بملكة الإحساس، فتصوره إبداعاً فنياً منبثقاً من تفاعل الفاهمة والمخيلة تفاعلاً حراً.

أما شلينغ، فصاغ في كتابه "فلسفة الفن" (1803) أول نظرية مستقلة في الفن، رافضاً اصطلاح الاستطيقا المرتبط باختبار الحس، ومصراً على أهلية الفلسفة للاضطلاع بمسؤولية التفكر في الفن. في اعتقاده أن الفلسفة وحدها تستطيع أن تبني علماً حقيقياً في الفن، قادراً أولاً على تزويد الأعمال الفنية الحدس الذهني الملائم، وثانياً على إصدار الحكم المناسب على قيمة هذه الأعمال. ومن ثم، يتضح أن مقاربة شلينغ ما برحت أسيرة التناول الاستطيقي المبني على مقام الإحساس وأثره في الحكم على جمالية الصنيع الفني، لذلك يعتقد أهل الاختصاص أن هيغل أسهم إسهاماً بارزاً في تطوير نظرية الفن وتحويلها إلى فلسفة في الفن مستقلة، محكمة، متجانسة، ولو أنه كان يصر على استخدام اصطلاح الاستطيقا.

جهد هيغل

يتجلى جهد هيغل الفلسفي في تناول الفن تناولاً إبيستمولوجيا يروم استجلاء المقام المعرفي الذي يمتلكه علم الفن، وقد انعقد على تدبر غرض معين من أغراض المعرفة، ألا وهو الجميل، وعلى التزام مسرى الفكر الفلسفي الساعي إلى الفوز بالحقيقة المطلقة. ذلك أن هيغل يريد، من ناحية، أن يتبين مقام الفن بإزاء الدين والفلسفة، وقد تصوره على هيئة المحسوس المروحن، ويروم من ناحية أخرى إدخال الفن في حركة الروح المطلق إدخالاً يفضي إلى تجاوزه، إذ إن الدين، في نظره، يتخطى مرتبة الاختبار الفني، والفلسفة تتخطى الفن والدين كليهما في عقل المطلق عقلاً مباشراً، لذلك يسأل المرء: هل استطاعت نظرية شلينغ وفلسفة هيغل أن تخدما قضية الفن وتعززا مقامه، أم أنهما استغلتا هذا المقام، فأخضعتا الفن لمقاصدهما الإبيستمولوجية الخاصة؟

في أعقاب التناول الهيغلي، انعقد جدل فلسفي في شأن تعريف الصنيع الفني، أسهم في إحيائه فلاسفة نوابغ من أمثال شوبنهاور (1788-1860)، ونيتشه (1844-1900)، وهايدغر (1889-1976). أما في الأزمنة المعاصرة، فتواجه تياران فلسفيان في تدبر مقام الفن. من أبرز ممثلي التيار الأول الفيلسوف الألماني أدورنو (1903-1969) الذي ورث تصورات هيغل وماركس (1818-1883) الجمالية، وعمد إلى الدفاع عن استقلال الفن وتعزيز تميزه من سائر حقول المعرفة، وخصوصاً من الحقل الاجتماعي. ذلك أن الفن، وقد اقترن بالاجتماعيات اقتراناً وثيقاً، إنما يجتهد في الانعتاق من سطوة المألوف الاجتماعي بواسطة ابتكارية فذة تضرب بجذورها في الواقع، ولكنها لا تلبث أن تتجاوزه تجاوز المنافسة الحادة.

أما أصحاب التيار الثاني، فإنهم يحاولون أن يعرفوا الفن بحد ذاته، فتتباين آراؤهم، إذ يعكف أهل الفلسفة التحليلية على استجلاء مدلولات الاصطلاح اللغوي عينه، على نحو ما يذهب إليه فيتغنشتاين (1889-1951)، في حين أن مناصري نظرية التوظيف الرمزي يتناولون الفن في سياق استثماراته الفعلية، ومنهم الفيلسوف الأميركي نلسون غودمان (1906-1998) الذي أبان في كتابه الشهير "لغات الفن" (1968) ضرورة الكف عن تناولات الفن الفنومنولوجية والنفسية والتأويلية، والاكتفاء بمقاربة الصنيع الفني من حيث قدرته الرمزية على استحضار الواقع العيني المحسوس.

جدلية تأريخ الفن 

حين يحلل المؤرخون مفهوم تاريخ الفن، يتبين لهم أن الاجتهادات الفلسفية سلكت سبيلين مختلفين. في السبيل الأول، حاول بعضهم أن يتحرى عن حياة الفنانين ومعاناتهم واختباراتهم، واليقين في ذلك أن تاريخ الفن لا يمكن فصله عن تاريخ صانعيه. أول واضعي سير الفنانين المؤرخ الإيطالي الفلورنسي فيليبو فيلاني (1325-1407) الذي عزم على تقليد الفيلسوف الروماني بلوتارخوس (46-125) في تأريخ حياة مشاهير الفن. أما أشهر هؤلاء المؤرخين، فهو الرسام والكاتب الإيطالي التوسكاني دجيورجيو فازاري (1511-1574) الذي أنشأ مصنفاً جمع فيه سير الرسامين والنحاتين والموسيقيين والمصممين، وقد صورها في هيئة النماذج العليا أو المثل الفذة الفريدة التي ينبغي للناس أن يحذوا حذوها.

أما السبيل الثاني، فأعرض عن سير الأشخاص، واكتفى بترصد المناهج والمذاهب الفنية المتعاقبة. من أشهر مؤرخي النماذج عالم الآثار الألماني يواخيم فينكلمان (1717-1768) الذي ألف في العام 1755 مصنفاً بديعاً عنوانه "خواطر في تقليد الأعمال اليونانية في الرسم والنحت". في اعتقاده أن الإغريق القدماء يجسدون أرقى ما يمكن بلوغه في الإبداع الفني. في كتاب آخر عنوانه "تاريخ فن الأزمنة القديمة" (1764)، يضع فينكلمان هؤلاء الإغريق على قمة الإبداع الفني. إلا أنه يقر بأن إبداعهم لا سبيل إلى استعادته، إذ إنه انطوى في ثنايا الزمان. ومن ثم، يستحيل تقليدهم باستحالة عودتهم التاريخية أو استعادتهم التمثلية. فالعصر الذهبي ولّى من غير رجعة، وما على المعاصرين سوى لملمة بقايا الفن العريق هذا. بذلك يغدو الصنيع الفني أشبه بالأطلال البائدة تشهد على انهيار عظمة حضارية تهاوت فابتلعها الزمان، بيد أن هذا الصنيع يتحول إلى وثيقة تجعل تاريخ الفن أشبه بالبحث الأركيولوجي الذي ينبش الآثار المحفوظة، من غير أن يقوى الوعي الجمالي على إدراكه إلا في صورة الأثر المنقضي الذي يستثير الحزن والمواساة عوضاً عن آمال القيامة والانبعاث.

لا غرابة، من ثم، أن تسيطر على تاريخ الفن نماذج تصوير التاريخ المستخرجة من معاينة أطوار الكائن الإنساني الطبيعية (الطفولة والبلوغ والشباب والشيخوخة)، غير أن فينكلمان يفضل أن يتعقب أطوار الإبداع الفني بحسب نظام تطور الأشكال. في البدء ظهرت تصويرات الجليل والذوق الرفيع في أعمال النحات والرسام الإغريقي فيذياس (480-430 ق.م)، وهي تفتتح عصر الفن الإغريقي. ومن ثم، انبثقت تجسيدات الجميل والرونقي (graziös) في الزمن الهلنيستي، قبل أن تخمد الشرارة، ويخبو نور الابتكار، وينصرف الرومان إلى التقليد والنسخ، مستسلمين لإغواءات التزيين والاصطناع. وعليه، يبين فينكلمان أن الأشكال الفنية تخضع لمسرى من الحتمية التطورية يفضي بها إلى منطق الاستعارة الجافة التي اعتمدها أهل الحداثة.

بذلك، يتضح أن تاريخ الفن يمكن سرده بمعزل عن الفنانين أنفسهم واختباراتهم الوجودية. من جراء ذلك السرد المنزه عن الوجدانيات، نشأت في ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة جمالية تترصد أحوال الفن في مرئيته المحض (reine Sichtbarkeit)، وألهمت بعضاً من الكتاب ومؤرخي الفن، ومنهم هاينريش فولفلين (1864-1945) الذي شاء أن يصوغ تاريخاً للفن من دون أسماء (Kunstgeschichte ohne Namen). من الطبيعي أن يفضي مثل هذا التصور بفينكلمان إلى تمجيد العصر الإغريقي الذهبي القديم والإعراض عن التحولات التقهقرية في الأزمنة اللاحقة، لا سيما الفن الباروكي الذي أسرف في حشد المزينات التراصفية، فأفقد المشهد جماليته الأصلية، لذلك انبرى مؤرخون آخرون يعارضون فصل تاريخ الفن عن الاجتهادات الفردية التي تختزن التصورات والرؤى والأفكار، وتنضجها وتشهد لها، وتفصح عنها تأويلاً وتقويماً وحكماً جمالياً. ذلك أن الفن شاهد العصر الأبلغ ينقل إلى الناس حكمة الإبداع الذي أنجزته مخيلة العباقرة. فلا سبيل، والحال هذه، إلى الفصل بين الفن والثقافة السائدة والحضارة الشاملة الحاضنة.

الفن نضال سياسي

لا بد، في الختام، من الإشارة إلى قدرة الفن على التعبير عن فكر سياسي نضالي، وذلك من بعد أن اكتسب مقاماً مستقلاً في نطاق الثقافة الاجتماعية السائدة. منذ عصر النهضة الأوروبية، شهدت المجتمعات الغربية حركة تحررية اضطلع بها الفنانون، مع أن السلطان السياسي كان يسعى إلى استمالتهم واستثمار عبقريتهم في خدمة مصالحه. فالبلاطات الأميرية الإيطالية والبابوية الرومانية والملكية الفرنسية، سعت كلها إلى استخدام الفن من أجل ترسيخ سلطانها وتزيين صورتها الحضارية الراقية. في قصر فرساي، التزم المبدعون من أمثال الكاتب نيقولا بوالو (1636-1711)، والموسيقار والراقص جان-باتيست للي (1632-1687)، ومزين قصر فرساي شارل لبرن (1619-1690)، قضية الملكية التزاماً صريحاً، فانصرفوا إلى ابتكار هندسات أدبية ومنحوتية ورسمية وموسيقية تبرز الرفعة الحضارية التي بلغها المجتمع الفرنسي المثقف. وها هو ذا الفيلسوف الألماني فريدريش شيلر (1759-1805)، في الرسائل التي سطرها في تربية الإنسان الجمالية (Über die ästhetische Erziehung des Menschen)، يحذو حذو الرومانسيين، ويحول الفن إلى عامل تحرر إنساني شامل يهذب الأخلاق ويرتقي بالإنسانية إلى مراتب السمو والكمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعليه، عمد الفنانون في الأزمنة الحديثة إلى الإفصاح عن اقتناعاتهم الشخصية والالتزام الاجتماعي والسياسي باسمهم الخاص. ذلك أن الفنان غدا يضطلع بمسوؤلية الوساطة التهذيبية في مجتمعه، فيروي رواية الوجود الإنساني في تبصر مستنير، ويعارض الأنظومة معارضةً صريحةً على غرار ما صنع بيكاسو في لوحة غرنيكا (Guernica). في المقابل، تستطيع الأنظومة السياسية الاستبدادية أن توظف الفنان وتسخر عبقريته خدمةً لأهدافها، على نحو ما حدث في الأفلام النازية الدعائية التي أخرجتها السينمائية هلنه ريفنشتال (1902-2003). ويمكننا أيضاً أن نتحرى عن مواقف مثقف هادئ رزين كأندره مالارمه (1877-1956) يتقمص شخصية المتنبئ، فيعلن أن الحاضر لا يستغرقه الواقع كله، وأن المستقبل يحمل وعود النهوض والإبداع.

أما إذا نظر المرء في الماركسية، فإنه يدرك كيف تربط الجدلية المادية ثورة الأشكال بالنضالية الظافرة، على غرار ما ذهب إليه الفيلسوف الهنغاري غيورغي لوكاش (1885-1971) والشاعر والمسرحي الألماني برتولت برشت (1898-1956)، لذلك يعتقد الفيلسوف والناقد الأدبي الألماني فالتر بنيامين (1892-1940) أن الفن يوشك أن يخضع خضوعاً مريباً للإنتاجية الصناعية والدعاية المعولمة، إذ إن أيديولوجيا التقدم التقني فصلت الفن عن السياسة، ولكنها لم تستطع أن تبطل وظيفته ودعوته ورسالته في انتقاد اعوجاج السلطة، ومقاومة إغواءاتها، ومناهضة مناوراتها الاستبدادية.

خلاصة القول، إن الفن ما برح ملاذ الحرية الإبداعية التي يختزنها الوعي الإنساني، يستثمره الفنان استثماراً يتيح له أن يبتكر ضروباً من تذوق الوجود تخالف ما تعوده الناس من أنماط الاختبار، وما ألفه الوعي من مشاعر التفاعل الحي مع الأشياء والكائنات والموجودات والأحداث والقضايا والتحديات. الفن انعتاق من هيمنة الأنظومة السائدة، وارتقاء إلى مراتب النعيم الوجودي الأعذب.

المزيد من ثقافة