Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسفة الغيرية تعني اعتراف الآخر بالذات لا إلغاءها

مفهوم شغل الفلاسفة بين نظرة طوباوية وبعد تجريبي

مواجهة الأنا والآخر في لوحة لبيكاسو (متحف بيكاسو)

شهدت العصور الحديثة نشوءَ فلسفةٍ في الآخر تجتهد في صون الذات ومراعاة الغيريّة القائمة قُبالتنا. استهلّ دِيكارت (1596-1650) مثل هذه الفلسفة حين أصرَّ على اعتبار وعي الذات الحقيقةَ اليقينيّةَ الأولى التي يعتصم بها الإنسان. غير أنّ الانكفاء الدِيكارتيّ الطوعيّ على الذات لا يستقيم إلّا إذا افترض المرء يقيناً آخر يعاينه في الوساطة الإلهيّة التي تمنح العالم والآخرين ضمانة الوجود. لذلك يعتقد دِيكارت أنّ الخطوة الفكريّة الأولى تقتضي أن يُثبت المرءُ يقينَ وجود ذاته قبل أن يمضي إلى الآخر، إذ كلُّ ما يُصنع فينا إنّما يُصنع صنعاً يجعلنا ندركه بذاتنا إدراكاً مباشراً (دِيكارت، "مبادئ الفلسفة"، ص95).

في القرن السابع عشر نشأت تصوّراتٌ أنتروبولوجيّة تناولت من الإنسان انفعالاتِه الوجدانيّة المتعلّقة بوجود الآخر. فأبانت أنّ التواصل العاطفيّ مع الآخر يسهم إسهاماً بالغاً في بناء الفرد، وصوغ مسلكه، وضبط أفعاله. ها هو ذا الفيلسوف الإنجليزيّ توماس هوبس (1588-1679) يصرّح أنّنا كلّنا خاضعون لضربَين من المشاعر: الخوف من الآخر المختلف، والرغبة في الحصول على اعترافه الصادق بالسلطان الذي تمتلكه ذاتُنا الساعية إلى الإفصاح عن خصوصيّة ذاتيّتها. في كتاب "الأخلاق"، يذهب الفيلسوف الهولنديّ باروخ سبينوزا (1632-1677) إلى أنّ محاكاة التأثيرات الوجدانيّة (imitatio affectuum) يعزّز في الذات مقام الشعور تعزيزاً يساعد في إدراك خصوصيّة الاختبار الوجدانيّ الذاتيّ، من غير أن يُفضي هذا كلُّه إلى المقارنة بين الذات والآخر أو إلى تعاطف الأثَرة. أمّا إذا تناولت المحاكاةُ رغبات الآخر، فإنّها تتحوّل إلى تنافس شديد الوطأة يُفضي في أغلب الأحيان إلى نشوء الجماعة الإنسانيّة ونموّها وازدهارها.

الإختبار الذاتي

بخلاف النظرة الطوبَويّة هذه، يعمد المذهب الفلسفيّ التجريبيّ، مُستلهماً ديڤيد هيوم (1711-1776) وآدم سميث (1723-1790)، إلى تفسير التعاطف تفسيراً أنانيّاً مستنداً إلى مصلحة الذات في تصوير اختبار الآخر على مثال الاختبار الذاتيّ. بذلك ينقلب التعاطفُ فيتحوّل إلى إسقاطٍ متعمّد أنقلُ بواسطته معاناة الآخر إلى وجداني الخاصّ. فأستبدل بالآخر ذاتي استبدالاً متخيَّلاً وأنوب منابه، فأشعر بما يشعر وأتصرّف بما يتصرّف، وفي ظنّي أنّي أحمي نفسي قبل أن أحمي الآخر. على هذا النحو، أستزرع الآخر في وجداني، وأحيله على ذاتي، وأردّه إليّ ردَّ القبض والاختزال.

يتناول فيلسوف النقديّة الألمانيّ إيمانويل كانط (1724-1804) الآخرَ من خلال نظريّته في الواجب الأخلاقيّ. ذلك بأنّ الحكم الأخلاقيّ لا يجوز أن يُبنى على مجرّد شعور تعاطفيّ وجدانيّ. فالإنسان العاقل غايةٌ بحدّ ذاته، تعلو قيمتُه على جميع الاعتبارات. ومن ثمّ، فإنّ الأمر القاطع الحاسم في نظريّة الواجب يستلزم أن أعامل الإنسانيّة في شخصي وفي شخص الآخر معاملةً تعاين فيها الغاية القصوى الجليلة (كانط، "أسُس مِتافيزياء الأخلاق"). بمقتضى هذا السموّ في المعاملة الأخلاقيّة، ينتصب الآخرُ كائناً عاقلاً يحظى بمكانة أصليّة في تعيين حرّيّتي الذاتيّة التي تقف عند حدود حرّيّته. في إثر هذا التحوّل، طفقت المثاليّة الألمانيّة تُصوّر الآخرَ تصويراً مستنداً في الأصل إلى قيمة الاعتراف (Anerkennung).

شهيرةٌ النظريّة الجدليّة التي أتى بها هيغل (1770-1831) حين أصرّ على ضرورة الوعي الإزائيّ المختلف من أجل إثبات الوعي الذاتيّ. لا يستطيع وعيي الذاتيّ أن ينهض وينتعش ويزدهر إلّا إذا فاز باعتراف صريح يمنحه إيّاه وعيُ الآخر. عندما أكبّ ألكساندر كوجِف (Kojève) يحلّل كتاب هيغل "فِنومِنولوجيا الروح"، تبيَّن له أنّ الرغبة الإنسانيّة، في جوهرها، رغبةٌ في الاعتراف يَستلّه الإنسانُ من موقف الآخر وقراره. من صميم اختبارات الوعي الإنسانيّ تنشأ جدليّاتُ التسلّط بين السيّد والعبد، وصراعاتُ التنافس الإلغائيّ المفضي إلى الموت. فالسيّد سيّدٌ بفضل العبد الذي يعترف له بسيادته، والعبد عبدٌ بفضل السيّد الذي يهيمن على عبوديّته. غير أنّهما كليهما، في وجهٍ من الوجوه، عبدٌ للآخر، إذ إنّ رغبة الاعتراف تجعلهما كليهما في ترابط مصيريّ وثيق. بيد أنّ العبد لا يمكنه أن يرقى بعمله ونضاله إلى مرتبة الاستقلال النسبيّ التي تحرّره من وعي الاستصغار الذاتيّ. وعليه، يصعب تصوّرُ الآخر ذاتاً ثانيةً (alter ego) منسوجةً على صورة الذات الأولى، إذ إنّ للآخر ذاتاً لا يجوز هضمها وإذابتها وصهرها في أتّون الأنانيّة المستبدّة.

بين الوعي والعالم

تشتدّ أزمة الآخر في فِنومِنولوجيا هوسِّرل، إذ إنّ الوعي، بطبيعته القصْديّة، يستوجب عالماً يخرج إليه ويقصده ويتفاعل معه. فالوعي وعيُ الأشياء التي من دونها يبطل مقامُه، وتسقط وظيفتُه، ويتعطّل عملُه. الوعي، في نظر هوسِّرل، قصدٌ عفويٌّ يستدعي المقصودَ حتّى يستقيم على وعده. أمّا إذا سقط المقصودُ، أي العالم والأشياء والآخرون، فإنّ الوعي يصبح فارغاً عقيماً عديم القوام. ومن ثمّ، فإنّ قدرة الوعي على الخروج والتجاوز (أو المجاوزة) والتخطّي لَقدرةٌ لصيقةٌ به، تلازمه ملازمةَ الظلّ للنور. هذا في امتداح الارتباط العضويّ التجاوزيّ بين الوعي والعالم. غير أنّ المشكلة تنشأ من معاينة موقع الوعي الآخر الذي لا يدين لوعيي الذاتيّ بوجوده غرضاً من الأغراض المقصودة أو شيئاً من الأشياء المطلوبة. من النزاهة الأخلاقيّة ألّا أحوّل الآخر إلى غرضٍ من أغراض وعيي، أي إلى تصوّر ذاتيّ أخلعه عليه حتّى تناسب غيريّتُه مقياسَ الاقتبال الذي يطيقه وعيي الذاتيّ.

في التأمّل الخامس من كتاب "التأمّلات الدِيكارتيّة"، يسأل هوسِّرل: هل يجوز للآخر أن يقوم مقاماً حرّاً لا يخضع لحركة القصد التي يُخضع بها وعيي الذاتيُّ كلَّ المواضع التي يخرج إليها؟ يحاول هوسِّرل الإجابة مقترحاً اللجوء إلى دائرة الانتماء الذاتيّ الأصليّة التي تضمنها لي البدَنيّة اللحميّة (Leib, chair). بفضل هذه البدنيّة يستطيع الآخر أن يعتلن لي في قوامه الجسديّ الذي لا يخضع لسطوة الوعي الذهنيّ المتملِّك على الأغراض والأشياء والمفاهيم. وحدها بدَنيّتي اللحميّة الملموسة النابضة بالحياة تظلّ عصيّةً على القبض الذهنيّ. من غير أن أفكّر في الآخر تفكيراً يحوّله إلى غرضٍ من أغراض وعيي القصديّ، أنشئ بالعفويّة المطلقة وجوهاً من الشبه بين كيانه الجسديّ وكياني الجسديّ، فيحضر الآخر في فضاء ذاتيّتي من دون أن أستجلبه استجلاباً قاهراً بقدراتي الذهنيّة الإمساكيّة. بذلك ينعقد بيني وبين الآخر تزاوجٌ (Paarung) عفويٌّ تستثيره بدَنيّتُنا اللحميّة، فتتيح لنا كلينا أن نحيا في اختبار التلاقي المباشر بين الذات والآخر في غير ردٍّ أو اختزالٍ أو ذوبان أو انصهار.

بيد أنّ الاجتهاد الفلسفيّ الفذّ الذي أفرجت عنه عبقريّة هوسِّرل لم يُرضِ جميع الفلاسفة. فإذا بسارتر، في كتاب "الكينونة والعدم"، ينتقد في الفِنومِنولوجيا الهوسِّرليّة عجزَها عن تعيين هويّة الوعي. في رأيه أنّ طبيعة الوعي القصديّة ليست سوى ضربٍ من ضروب الخروجيّة الخرقاء أو الإفصاحيّة الجوفاء التي لا تنطوي على أيّ مضمون يشبه قوامَ الذات-الأنا. ذلك بأنّ الوعي يعي ذاته فحسب، ولا يعي أيَّ مضمون خارج ذاته، إذ ليس فيه قدرةٌ على إدراك الذات من حيث هي جوهرٌ قائمٌ مستقلٌّ. لهذا السبب بعينه يعرّف سارتر الذاتيّة بقوله إنّها تشبه العدم، ويستحضر اختبار الخجل دليلاً على قدرة الآخر، في نظرته اللائمة المندِّدة، على كشف النقاب عن الأنا التي تستوطن وعيي، وعلى تحويلها إلى غرضٍ من أغراض مَذمَّته.

الآخر شرط

ومن ثمّ، فإنّ نظرة الآخر تضحي الشرط الأصليّ الضروريّ في ظهور الأنا التي أحملها بين أضلاعي. ولكنّها أيضاً نظرةُ إدانة تُبطل حرّيّتي، وتُعطّل كياني، وتُلغي إمكاناتي الوجوديّة كلّها. يخلص سارتر إلى الإعلان أنّ الآخر شرطٌ لا مفرّ منه لانبثاق وعيي وعياً ذاتيّاً، ولو أنّي لا أستطيع أن أختبر ذاتيّة الآخر إلّا في هيئة السلطة التي تُقزّمني وتختزلني غرضاً من أغراضها. وعليه، يصبح الآخر جحيماً متّقداً يُلهب وعيي الذاتي بناره الملتهمة. ذلك بأنّ علاقة الذات بالآخر صراعٌ بنيويٌّ يغتذي من جدليّة الاعتراف المستحيل الهيغليّة.

على الرغم من حدّة الإصابة السارتريّة، لم ترضخ فلسفة الآخر للمأزق الجدليّ الصراعيّ المهلك هذا، بل انبرى فلاسفةٌ شخصانيّون من أمثال الفيلسوف الألمانيّ ماكس شيلِر (Max Scheler) ينقحّون تصوّرات هوسِّرل ويصوّبونها بابتكار وضعيّةٍ وجوديّة فذّة من المشاعرة التضامنيّة (Mitfühlen) تتجاوز حدّة المواجهة القاتلة. غير أنّ الفيلسوف الليتوانيّ-الفرنسيّ إمّانويل لِڤيناس لم يستحسن هذا التنقيح المتطرّف، فأصرّ على تحرير العلاقة الإنسانيّة من مِحَن القربى الصاهرة، معلناً أنّه بين الذات والآخر تنبسط مساحةٌ من الاختلاف الصريح يجعل الكائنَين الإنسانيَّين هذَين يتلاقيان في غير تجاهل، ويتفاعلان في غير تصارع. يعتبر لِڤيناس أنّ الإنسان لا يمكنه أن ينغلق على نفسه، وينزوي في وحدته، ويغرق في الاستوحاش واليأس والقلق. أمامه سبيلان للخروج من وحشته المريرة: إمّا اكتساب المعرفة، وإمّا الانخراط في الاجتماع الإنسانيّ. بما أنّ المعرفة لا تكفي لشفاء الإنسان من عزلته القاسية، فإنّ الانتساب الطوعيّ إلى الجماعة يمنح الإنسان القدرة على إدراك ذاته في مرآة الآخر. في كتاب "الغيريّة والتسامي" (Altérité et transcendance)، يستنبط لِڤيناس ضروباً من التلاقي شتّى، منها على وجه الخصوص معاينة الآخر في وجهه المقبِل إليّ. بين الوجه المقبِل والذات المستقبِلة تنعقد أواصرُ المسؤوليّة المشتركة، فأصبح مسؤولاً عن مصير هذا الإقبال الوجهيّ في حياتي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في "قاموس الوساطة المعجميّ"، يرفض جان-لوي لاسكو (Jean-Louis Lascoux)، صاحب الكتاب الجميل "وسوف تصبح وسيطاً وربّما فيلسوفاً" (Et tu deviendras médiateur et peut-être philosophe)، أن تُخترل الغيريّة وتُردّ إلى الذات: "لا يمكن فصل الغيريّة عن العقلانيّة. ذلك بأنّ الآخر آخرُ، لا أنا آخر (alter ego)". ويضيف أنّ الغيريّة ليست استشعاراً معرفيّاً يدرك خصوصيّة الآخر إدراكاً أميناً، وليست احتراماً نبيلاً يراعي مقامَه، بل اعترافٌ صريحٌ بأنّ الآخر مختلفٌ عنّي اختلافاً شرعيّاً، وبأنّه آخرُ من غير أن يقرّر ذلك بنفسه، وبأنّي على القدر عينه ذاتٌ مختلفةٌ عن الآخر من غير أن أختار ذاتيّتي في الأصل.

رأس الكلام في هذا كلّه أنّ فلسفة الغيريّة ينبغي ألّا تُنسينا أنّ الذات ذاتٌ والآخر آخرُ، ولو انعقدت بينهما أواصرُ شتّى من القربى العضويّة الوثيقة. فكما أنّه لا يجوز لي أن أختزل الآخر وأخضعه لسلطان تصوّراتي الذاتيّة، كذلك لا يجوز لي أن أفني ذاتي أمام الآخر، والحجّة في ذلك أنّ الذات لا تستمدّ هويّتها إلّا من احتكاكها بهويّة الآخر. لا أعتقد أنّ مثل الفلسفة الحواريّة هذه يمكنها أن تُفضي إلى مَعيّة حضاريّة مستقيمة. لا ريب في أنّ هويّتي تنحتها تفاعلاتي التاريخيّة مع هويّات الآخرين. غير أنّ التفاعل لا يعني التخلّي عن ذاتيّتي كرمى لعيون الغيريّات التي تكتنفني. الأصوب القول إنّ فضل الآخر عليّ يتجلّى في قدرته على استثارة كنوز الذات التي كنتُ غافلاً عنها في هويّتي الذاتيّة. ليس الآخر من ينحت لي ذاتي، بل من يجعلني أكتشف عمق خصوصيّتي الذاتيّة. كلّ مَعيّة حضاريّة تغالي في امتداح الغيريّة، إنّما تُفضي بالإنسانيّة إلى الاحتراب الضمنيّ، إذ إنّها تجعل الذات تدرك متأخّرةً أنّها فقدت فرادتها ومقامها وخصوصيّتها لشدّة ما التحمت باستنهاضات التماهي بهويّة الآخر. يبقى السبيل الأقوم أن أستضيء بنور الغيريّة حتّى تتلألأ في ذاتيّ جواهرُ الخصوصيّة التي ينعقد عليها كياني، وما برحتُ غافلاً عنها حتّى باغتني الآخر بغيريّته الجذّابة. قد أستعير من الآخر، وقد يستعير الآخر منّي في حركةٍ صادقة مُنصفة من التقابس الحرّ. غير أنّ للاستعارة حدوداً ترسمها مبادئُ احترام الذاتيّة. كلُّ ما يتجاوز أحكام هذا الاحترام، جَلْدٌ ذاتيٌّ مرَضيٌّ، وانتحارٌ طوعيٌّ بطيءٌ.

المزيد من ثقافة