Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مزارعون تونسيون يعودون إلى "البذور الأصلية" لمقاومة تغير المناخ

أقل كلفة مالية من شراء الأسمدة والأدوية ولا تحتاج إلى كثير من الماء

البذور المهجنة ضعيفة وسرعان ما تؤثر فيها الفطريات (أ ف ب)

في مزرعته الممتدة على مسافة مترامية في الجديدة في شمال غربي تونس، يشرف محمد لسعد بن صالح على حصاد القمح لهذا الموسم الذي هو ثمرة بذور أصلية بدل المهجنة، وذلك في إطار مسعى يشاركه فيه عدد من المزارعين التونسيين ويهدف بشكل أساسي إلى تقوية المزروعات في مواجهة التغير المناخي المتسارع.

وكان بن صالح في الماضي، كما غيره من المزارعين التونسيين، يعمل في كل موسم على تخزين جزء من محصوله من البذور الأصلية التي تسمى كذلك "المحلية" لكي يستعملها للبذر في المواسم المقبلة. لكن ومنذ أن بدأت الأسواق تطرح على المزارعين أصنافاً جديدة من البذور المهجنة أو المعدلة جينياً والتي تمنح محاصيل وافرة واستقراراً في الإنتاج وتنتج ثمراً نوعياً يلبي طلب سوق الاستهلاك، تراجع الإقبال على الأصلية.

أقل كلفة

لكن قبل ثماني سنوات، قرر بن صالح "إحياء" بذور القمح من نوع "المساكني" من جديد لأنها أقل كلفة مالية في شراء الأسمدة والأدوية وأقل حاجة للماء ولعمليات الري في بلد يعاني من ندرة في المياه.

ويقول بن صالح لوكالة الصحافة الفرنسية "ترددت في البداية ثم غامرت وحصلت على نتائج جيدة"، مضيفاً أن البذور الأصلية "تقاوم شح المياه، وأستعمل معها كمية أقل من مبيدات الحشرات".

ويضيف أنه جنى أرباحاً "بثلاثة آلاف دينار في الهكتار الواحد (حوالى ألف يورو) هذا العام".

ويشير بن صالح إلى أن البذور المهجنة "ضعيفة وسرعان ما تؤثر فيها الفطريات"، فضلاً عن أنه مجبر على شراء البذر كل موسم، لأنه لا يمكن استخدام بذار من حصاد البذور الهجينة لإعادة زرعها، بينما يمكن الاحتفاظ ببذر من الشتول الناتجة عن بذور أصلية.

ويشدد على أن البذور الأصلية فعالة "في مقاومة التغيرات المناخية"، كونها "لا تتطلب كثيراً من مياه السقي"، وتسهم في "حفظ الموروث الجيني من الاندثار".

بدوره، يعتبر الباحث في علوم البيولوجيا ماهر المديني أن "البذور الأصلية خزان لجينات تعود لمئات وآلاف السنين… وهي قادرة على التأقلم مع تحديات التغير المناخي في المستقبل".

وتصنف تونس ضمن مؤشر "متوسط" و"مرتفع جداً" لمخاطر الجفاف في العالم، وفق تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

وتعتمد الزراعة في تونس على مياه الأمطار المخزنة في السدود أساساً، وتنبه وزارة الفلاحة إلى أن نقص الأمطار في السنوات الأخيرة أثر سلباً على مخزون السدود الذي تراجع بـ49 في المئة.

التأقلم التام

ويقول الباحث في السياسات الغذائية أيمن عميّد "البذور الأصلية تتلاءم وخصائص تربتنا وتقاوم التغيرات المناخية التي تشهدها البلاد".

ويوضح المدير العام لبنك الجينات مبارك بن الناصر أن الأصناف المحلية لها خاصية "التأقلم التام مع الجفاف إضافة إلى قيمتها الغذائية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب دراسة لبنك الجينات في تونس، فإن القيمة الغذائية في البذور الأصلية مرتفعة ونسبة البروتين في الحبوب ذات المنشأ المحلي "تراوح بين 14 و17 في المئة، بينما تنخفض النسبة في الأصناف الهجينة أو المستوردة إلى ما بين 10 و12 في المئة".

ويشكل الاستخدام المتزايد للبذور الهجينة تهديداً متواصلاً يمكن أن يؤدي إلى اختفاء البذور الأصلية، وبالتالي فقدان التراث الجيني المحلي، بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو).

وقدرت المنظمة أن نحو 75 في المئة من التنوع الجيني للمحاصيل في العالم اندثر في القرن الماضي، إذ تحول المزارعون في جميع أنحاء العالم إلى زراعة أصناف وراثية موحدة تنتج محاصيل وافرة، والتخلي عن الأصناف المحلية المتعددة.

وتستورد تونس 70 إلى 80 في المئة سنوياً من بذور الخضروات لإنتاج الكميات الكافية للسوق وللتصنيع وتقوم بتهجين بذور القمح محلياً، لكن بنك الجينات وبعض منظمات المجتمع المدني تعمل منذ سنوات على "رد الاعتبار" إلى "الموروث الجيني".

وتمكن بنك الجينات التونسي من إقناع أكثر من 400 مزارع باستعمال البذور الأصلية، وفق ما يقول المدير العام للبنك.

وتعمل هذه المؤسسة منذ 2008 على جمع بذور قديمة من المزارعين وإكثارها، وتمكنت كذلك من استقدام أصناف أخرى ندرت في تونس وتم العثور على عينات منها في بنوك جينات في دول أخرى أوروبية وآسيوية وفي أستراليا لأنواع من الأشجار المثمرة والحبوب والخضروات.

ويوضح بن صالح أن محصول القمح لديه هذه السنة "فاق 50 قنطاراً في الهكتار الواحد"، مقارنة بالمعدل الوطني للبذور المهجنة الذي يراوح بين 14 و20 قنطاراً في السنوات الأخيرة.

حريتنا وكرامتنا

إلا أن إنتاج البذور الأصلية لا يؤمن استقراراً وانتظاماً في الكميات كما البذور الهجينة. على الرغم من ذلك، عادت أصناف قديمة من بذور القمح مثل "المساكني" و"جناح خطيفة (جناح السنون)" و"المحمودي" لتظهر من جديد لأنها، بحسب مزارعين، "ابنة هذه التربة وتعرفها جيداً".

وتتسع المساحة المخصصة لزراعة "المساكني" سنوياً بحسب بن صالح، الذي يقدر أن هناك حوالى 500 هكتار في تونس مزروعة من هذا الصنف، ويتوقع أن تُزرع ثلاثة آلاف هكتار بها العام المقبل في مختلف ولايات البلاد.

ويقول المزارع أسامة بحروني (36 عاماً) إنه اقتنع بدوره باستخدام البذور الأصلية في موسم البذر المقبل، وسيخصص 20 هكتاراً لذلك. ويوضح أن "القرار جاء إثر معاينة مع فلاحين آخرين... هم نجحوا، إذاً سأنجح".

ويرى بن ناصر أن البذور الأصلية "تسهم في تدعيم الأمن الغذائي في البلاد"، مضيفاً "يجب التعويل على أنفسنا. خلاف سياسي مع بلد أو وباء كالذي نعيشه اليوم، يمكن أن يمنعنا من شراء البذور لمحاصيلنا".

ويضيف بن صالح بثقة "بذورنا هي حريتنا وكرامتنا".